يتأزم الموقف الاستراتيجي للنظام السعودي ويتعقد، في مشهد المواجهة مع اليمن؛ وتبدو البدائل والمناورات اللوجستية التي تلجأ إليها الرياض عاجزة عن تخفيف وطأة الضغط الخانق الذي تعيشه، جراء معادلة التحرر وانتزاع السيادة التي أعلنها الشعب اليمني، ودشن مفاعيلها عملياتياً كأمر واقع لا يمكن تعليقه أو تجاوزه.
وتُجمع القراءات التحليلية على أن السعودية تقف اليوم في الموقف الأضعف استراتيجياً لعدة أسباب، أبرزها انكشاف عمقها الداخلي بالكامل أمام الضربات والردع اليمني. هذا الانكشاف يضع مشاريعها الاقتصادية الطموحة في مهب الريح؛ كون بنيتها الاستثمارية لا تحتمل أي جولة مواجهة جديدة.
ووصول صاروخ باليستي واحد أو تحليق مسيّرة في أجوائها وإصابتها للهدف، كفيل بتوجيه ضربة قاضية لسمعتها الأمنية وتبديد أوهام الاستقرار؛ مما قد يدفع كبرى الرساميل ورؤوس الأموال الاستثمارية إلى الفرار، وإعادة تقييم مخاطر الاستثمار في جغرافية تفتقر للأمان والمناعة الاستراتيجية الكافية لضمان نموها.
ومع هذا التدحرج المتسارع في المواجهة، ينزلق الموقف السعودي ويصير المأزق هو سيد الموقف؛ لا سيما بعد نجاح القوات اليمنية في اختراق الترسانات الدفاعية الأمريكية، وتوجيه ضربات بالغة الحساسية للمنشآت النفطية الحيوية، بالتزامن مع فرض طوق بحري خانق وعزل كامل للملاحة السعودية عبر البحر الأحمر.
كما يرسخ هذا الانزلاق والشلل الدفاعي، قناعة قطعية بأن السعودية باتت تعيش وضع الدولة الهشة العاجزة عن تحمل أي اهتزاز أمني، فيما تبدو اعتداءاتها المضادة ضد اليمن فاقدة للأثر الفعلي، وعاجزة تماماً عن إنهاء الخطر المحيط بها أو فك الطوق العملياتي المفروض عليها.
جاء التحرك اليمني الحاسم كرد طبيعي ومباشر على النكوص السعودي، والانقلاب الصريح من الرياض على استحقاقات السلام والتفاهمات التي تضمنتها خارطة الطريق المتفق عليها؛ والتي اشتملت في بنودها الأساسية على رفع القيود عن السفر وحرية الملاحة وإنهاء ملف الأسرى وصرف المرتبات من عائدات الثروات الوطنية السيادية، ما جعل من الخيار اليمني العسكري وفرض معادلة «الحصار بالحصار» السبيل الوحيد لانتزاع كل الحقوق.
فعلى مدار أربع سنوات كاملة من خفض التصعيد والتهدئة، تعمدت الرياض تجاهل وتجميد المطالب الإنسانية الملحة، في وقت تعلم فيه جيداً أن معاناة الشعب اليمني تتفاقم وتزداد مأساوية يوماً بعد يوم، مفضلةً استخدام ملف الاستحقاقات كورقة ابتزاز سياسي، ما جعل الانفجار الحالي نتيجة حتمية لهذه السياسة الاستكبارية.
وأمام هذا الانكفاء الميداني والانسداد الاستراتيجي، اندفعت الرياض نحو مناورات بديلة لتخفيف الضغط؛ فعمدت لتشكيل تحالف بحري دفاعي جديد وُلد ميتاً وخاملاً يفتقر للعقيدة العسكرية والهدف الاستراتيجي. ثم لم يقتصر التخبط على البحار، بل امتد للتصعيد برياً عبر تحشيد فصائل مسلحة والدفع بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المناطق اليمنية المحتلة.
كان الهدف من ذلك هو تفجير صراع داخلي بالوكالة يربك المشهد ويشغل اليمنيين عن مسارهم التحرري، إلا أن اليقظة العسكرية والضربات الاستباقية الصاعقة والوعي الاستخباراتي للقوات المسلحة اليمنية قطع دابر المؤامرة وأنهى الترتيبات السعودية قبل إطلاق ساعة الصفر.
المؤسف أنه ومن واقع كل هذه التحركات، يتكشف بوضوح إصرار النظام السعودي على سياسته تجاه الشعب اليمني بإبقائه حبيس الأزمات المستدامة، بتضييق معيشته وحظر سفره، وهو واقع مرير تَجرّع هذا الشعب الصابر كأسَه المُرّة على مدى عقد كامل من الحصار والعدوان؛ ولذلك جاء تحرك اليمنيين اليوم مدفوعاً بوعي وعزيمة عسكرية غير قابلة للمساومة، تهدف لاقتلاع جذور الوصاية وإنهاء سياسة التجويع التي لم تعد تجدي نفعاً أمام جيل يرفض أن تُسلب لقمة عيشه وسيادته.
ومع تهاوي وفشل المحاولات والمناورات الالتفافية، بات هناك إجماع قطعي وقناعة راسخة لدى المرتقبين والمحللين والخبراء، بأن السعودية تمتلك فعلياً مفتاح الحل الجذري وإنهاء الصراع؛ وهو مفتاح لا يمر عبر الاستقواء بالخارج أو التحشيد العسكري، بل عبر التخلي عن عقلية الوصاية والاعتراف بالحقوق السيادية الطبيعية والمشروعة لليمنيين، والتوقف النهائي عن العبث بواقعهم ومستقبلهم، وهو ما يتطلب قراراً شجاعاً بإنهاء العدوان بكافة أشكاله وصوره، ورفع الحصار الجائر بشكل كامل.
