الكماشة اليمنية: كيف تحول شريان الاقتصاد السعودي إلى ورقة ضغط استراتيجية؟

 

الثورة / زينب عبدالوهاب الشهاري

 

لم تعد الجغرافيا السعودية الشاسعة ولا ترسانتها العسكرية قادرة على استيعاب تداعيات المرحلة الجديدة من قواعد الاشتباك التي فرضتها صنعاء. نحن اليوم أمام مشهد جيوسياسي واقتصادي يعاد رسمه بدقة بالغة؛ حيث انتقل اليمن من موقع التصدي والمدافعة إلى موقع المبادرة، فارضاً طوقاً استراتيجياً محكماً يضيق الخناق على الشريان الحيوي للمملكة: اقتصادها النفطي وملاحتها البحرية.

لم يعد مصطلح «الحصار بالحصار» مجرد شعار إعلامي، بل تحول إلى واقع رقمي وعسكري وملاحي تتجرع الرياض مرارته بصمت، وتتحدث عنه لغة الأرقام في أسواق الطاقة العالمية، وشركات التأمين، ومنصات تتبع الملاحة.

نزيف «أرامكو».. أرقام تكشف المستور

بعيداً عن محاولات التعتيم المالي التي تمارسها الإدارة السعودية عبر قرارات انتحارية لتوزيع الأرباح ورفع أسعار الغاز المنزلي لتعويض العجز، تعيش شركة «أرامكو» مأزقاً تصديرياً وتشغيلياً غير مسبوق. إن لجوء الرياض إلى خط أنابيب «شرق-غرب» كمحاولة للالتفاف على أزمة مضيق هرمز ومشاكل البحر الأحمر، اصطدم بجدار القدرات الاستيعابية والفنية المحدودة.

الأرقام هنا لا تكذب، بل تدق ناقوس الخطر في أروقة صنع القرار السعودي:

* تراجع دراماتيكي في الصادرات: انخفضت القدرة التصديرية من ذروتها البالغة 7 ملايين برميل يومياً إلى نحو 4 ملايين برميل فقط.

* خسائر يومية فادحة: هذا التراجع يُترجم إلى تبخر ما يقارب 400 مليون دولار من العائدات السعودية كل 24 ساعة.

* انهيار القيمة السوقية: فقدت «أرامكو» نحو 35 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال أيام معدودة عقب استهداف منشآتها.

* قنبلة التخزين الموقوتة: مع استمرار فائض الإنتاج غير المُصدّر، فإن السعة التخزينية القصوى للمملكة (التي تقارب 200 مليون برميل داخلياً وفي منشآت سوميد المصرية) ستمتلئ بالكامل خلال 15 إلى 20 يوماً. هذا يعني خياراً واحداً كارثياً: إيقاف الآبار وتجميد الإنتاج بتكلفة باهظة ستعصف بهيكل الاقتصاد السعودي المعتمد بنسبة 80% على العائدات النفطية.

البحر الأحمر وباب المندب: نهاية العصر الذهبي للملاحة السعودية

لقد أثبتت الاستراتيجية اليمنية أن السيطرة على الجغرافيا لا تتطلب أساطيل جرارة، بل إرادة سياسية وتفوقاً استخباراتياً وتكتيكياً. تشير التقارير البحرية إلى انخفاض حركة السفن السعودية في باب المندب بنسبة 46% (منها 39% لسفن النفط الخام).

هذا العزوف الدولي والشلل الملاحي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة للارتفاع الجنوني في كلفة المخاطرة. لقد قفزت رسوم التأمين على السفن المرتبطة بالرياض بنسبة هائلة بلغت 1000% (من 0.3% إلى 3%). لتجد سفينة قيمتها 100 مليون دولار نفسها مضطرة لدفع 3 ملايين دولار كرسوم تأمين للشحنة الواحدة. الأسوأ من ذلك هو مقاطعة كبرى أسواق التأمين العالمية، كسوق «لويدز» في لندن، لتغطية السفن السعودية، مما دفع المملكة لانتهاج سياسة «السفن الشبحية» عبر إطفاء أجهزة التتبع والتعريف، في خطوة تعكس حجم الذعر والتخبط.

حتى خيار الهروب نحو قناة السويس أو الرجاء الصالح أثبت فشله فنياً واقتصادياً؛ فالقناة لا تستوعب الناقلات العملاقة التي تتجاوز حمولتها مليون برميل، مما يفرض عمليات تفريغ وإعادة تحميل معقدة، تضاعف من كلفة الوقت والتأمين وتفقد النفط السعودي ميزته التنافسية في الأسواق الآسيوية الشرهة للطاقة، وتفتح الباب على مصراعيه أمام المنافسين الدوليين (كالعراق وروسيا) لتقديم عروض بديلة تزيح الرياض من عرشها النفطي.

مطار نجران: السماء اليمنية محرّمة.. والعمق السعودي مستباح

بالموازاة مع الخنق الاقتصادي، ترسم القوات المسلحة اليمنية قواعد اشتباك جديدة في الجو والبر. إن استهداف مطار نجران بطائرات مسيرة رداً على الانتهاكات التجسسية في صعدة وحجة، يحمل رسائل استراتيجية أعمق من مجرد رد فعل عسكري:

1. المعادلة الصفرية للانتهاكات: كل خرق للأجواء اليمنية يقابله فوراً ضربة في العمق السعودي. لم تعد صنعاء تكتفي بإسقاط الطائرات التجسسية (مثل «وينغ لونغ» و»كاريال»)، بل باتت تستهدف القواعد وغرف العمليات التي تنطلق منها.

2. سقوط هيبة الدفاعات الغربية: لقد أثبتت المسيرات اليمنية قدرتها الفائقة على اختراق أعقد المنظومات الدفاعية الأمريكية والأوروبية (باتريوت، أورليكون سكاي جارد)، والوصول إلى أهدافها بدقة تصل إلى دائرة نصف قطرها أقل من عشرة أمتار، محولةً المليارات التي أنفقتها السعودية على التسلح إلى مجرد خردة لا طائل منها.

3. التفوق الاستخباراتي: الوصول إلى حظائر الطائرات ومجمعات الإدارة في مطار نجران بدقة، يؤكد أن صنعاء تمتلك بنك أهدافٍ ديناميكياً وعيوناً نافذة داخل البنية العسكرية السعودية. المملكة اليوم لا تعرف متى، وأين، وكيف ستتلقى الضربة التالية.

خلاصة الموقف: خيارات الرياض تضيق

نحن اليوم أمام حقيقة راسخة: القوة لم تعد تقاس بمساحة الجغرافيا أو حجم الإنفاق العسكري، بل بامتلاك الإرادة والقدرة على فرض الردع. لقد أثبت اليمن، من خلال خبرته المتراكمة وتكتيكاته الذكية التي تُوجت بإسناد غزة وتطويق الملاحة الإسرائيلية والغربية، أنه الطرف المتحكم في رقعة الشطرنج الإقليمية.

إذا كانت الرياض تراهن على الوقت أو التدخلات الغربية لحمايتها، فإنها تقامر بما تبقى من شريانها الاقتصادي ومشاريعها الاستثمارية المستقبلية. الحل لم يعد يكمن في واشنطن أو لندن، اللتين فشلتا في حماية أساطيلهما ومصالحهما في البحر الأحمر، بل يكمن في معالجة الجذور السياسية للأزمة، والاعتراف بحقوق الشعب اليمني المنهوبة. الاستمرار في المكابرة يعني أمراً واحداً: المزيد من احتراق الأوراق السعودية، وتسارع الانهيار نحو نقطة اللاعودة.

 

قد يعجبك ايضا