ما أبهى رمضان حين يحلُّ في كنف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)؛ حيث يرتدي الشهر الكريم حلّة إيمانية قشيبة، وتشرق أنواره في حنايا الأرواح، ليسترد مكانته كمنزلة تربوية سامية ومحطة روحية عظمى، تعيد الأمة إلى منابع هدايتها الثرّة وأصولها الأصيلة. فمع تجلي هلاله، تتجلى الفوارق الجوهرية بين نهجين: نهجٍ يُعظّم شعائر الله حق تعظيمها إجلالاً وتوقيراً، ونهجٍ أراد تفريغها من محتواها الحيوي، لتغدو طقوساً باهتة تُثقل كاهل النفوس بالعناء والمشقة.
إن الرؤية التي يقدمها السيد القائد لرمضان، تتجاوز حدود الإمساك عن الطعام، لتجعل منه فرصةً وجودية لإصلاح الذات، وتهذيب السلوك، وتجديد الميثاق مع الهوية الإيمانية في وجه أعاصير التضليل التي يبثها أعداء الأمة؛ من قوى الاستكبار ومن يدور في فلكهم من تيارات انحرافيه — سواء كانت وهابية أو إخوانية — تلك التي سعت جاهدة لقطع صلة الأمة بمصادر قوتها المعنوية.
لقد تجرع اليمن في عقودٍ غابرة مرارة المحاولات الممنهجة لطمس معالم هذا الشهر؛ حيث انبرت جماعات التكفير لتحريم الاحتفاء بقدومه، تماماً كما فعلت مع ذكرى المولد النبوي الشريف، في مخططٍ مكشوف استهدف تمزيق النسيج الإيماني الجامع. ومع تغلغل تلك القوى في مفاصل الأنظمة البائدة، استحال رمضان في وعي الكثيرين شهراً كئيباً مثقلاً بالأعباء المادية والضيق الروحي، بدلاً من أن يكون واحةً للسكينة والبهجة القلبية.
وفي ذات السياق، التقت أهداف التيارات العلمانية التغريبية مع توجهات الجماعات المتشددة في خصومةٍ «غير معلنة» لروحانية هذا الشهر؛ فالعلمنة ترى في رمضان حاجزاً منيعاً أمام مشاريع المسخ الثقافي، لأنه يُذكّر الأمة بغاية وجودها الأسمى. لذا، كان رمضان دوماً الصخرة التي تتكسر عليها العقائد الزائفة والأباطيل المستوردة.
أما اليوم، وتحت ظلال القيادة الحكيمة للسيد عبد الملك الحوثي، عاد رمضان إلى عرشه الطبيعي؛ منارةً تنير الدروب وتحصّن الأجيال. غدا الشهر الكريم عُرساً إيمانياً عامراً بالبِشر، حيث يفيض قلب الصغير والكبير بيقين العودة إلى الله واستشعار قربه. ومع كل إشراقة لرمضان، تتعاظم مدرسة القرآن الكريم في نفوسنا، فتهدم حصون الضلال وتبني صروح العزة والكرامة.
شتّان — إذن — بين رمضان «الأمس» الذي أريد له أن يكون عبئاً، ورمضان «اليوم» الذي أضحى مصدراً للمنعة، ومنطلقاً للتزكية، وميدانًا لتجديد عزم الجهاد والارتباط بخالق الكون. فلله الحمد على نعمة الهداية، وعلى قيادةٍ ربانية عرفت قدر الزمان فصانت للأمة هويتها وعزتها في زمن المتغيرات.
«ختاماً، يتجلى الفارق بين ‹رمضان الطقوس الباهتة› و ‹رمضان المنهج والجهاد› في كونه الفرق بين الجمود والحياة. فالحمد لله الذي قيّض لهذه الأمة علماً يهديها، وقائداً يستنهض مكامن القوة في روحها، ليصبح رمضان محطةً للتزكية وانطلاقةً للعمل، لا مجرد موسمٍ للانتظار. هي مسيرة وعيٍ لا تتوقف، وبنيانٌ إيماني يزداد صلابة مع كل فجرٍ صادق، لتظل هويتنا اليمانية الأصيلة هي الحصن الحصين، والمنار الذي يهتدي به السائرون نحو رضوان الله وعزة الوطن.»
إن رمضان اليوم في يمن الإيمان هو إعلان استقلالٍ روحي وفكري عن كل المشاريع التي أرادت تمزيق هويتنا. لقد ولى زمن التبعية والارتهان للأفكار الدخيلة، وبزغ فجرٌ جديد تُصاغ فيه النفوس على مائدة القرآن وبإرشاد القيادة الربانية، لتظل الأمة عصية على الانكسار، شامخة بعزتها، ومستمرة في معركة الوعي والتحرر حتى يمنّ الله بنصره المبين.. فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
