الباحث والمفكر الفلسطيني الدكتور عبدالله البحيصي لـ«الثورة» :الإسناد اليمني الشعبي والعسكري كان أصدق موقف عربي وإسلامي مع القضية

كلمة قائد الثورة الأسبوعية حول مستجدات العدوان على غزة كانت بلسما لجراح أهالي القطاع

المسيّرات اليمنية لقنت العدو درسا لن ينساه وقذفت في قلوب الصهاينة المحتلين الخوف والرعب
المنطقة العربية تشهد إذلالاً وخضوعاً لعديد من القوى الإقليمية وفي مقدمتها أمريكا وإسرائيل
فلسطين الامتحان الأصدق لما تبقَّى من عروبة حقيقية في شعوب المنطقة

 

أكد الباحث والمفكر الفلسطيني الدكتور عبدالله محمد البحيصي، أن العلاقة بين اليمن وفلسطين لم تكن يومًا علاقة تضامن عابرة أو انفعالًا وجدانيًا مؤقتًا، بل امتدت بجذورها إلى عمق التاريخ، واستندت إلى نوازع قومية وأخلاقية، جعلت من فلسطين قضية حاضرة في الضمير اليمني، رغم العدوان والحصار والأزمات الداخلية والتحولات السياسية التي شهدها اليمن على مدى العقود الماضية.

وأشار البحيصي في لقاء أجرته معه «الثورة» عقب حضوره ومشاركته في لقاء علمائي بمحافظة الحديدة، عقد في السادس من يناير الجاري، نظمته السلطة المحلية والتعبئة العامة، تنديداً واستنكاراً للإساءة التي أقدم عليها مرشح أمريكي بحق القرآن الكريم، إلى انه مع انطلاق معركة «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023م، برز الدعم والإسناد اليمني، بشقيه الشعبي والعسكري، كأحد أصدق وأقوى موقف عربي وإسلامي مع القضية الفلسطينية، في لحظة تشهد فيها المنطقة العربية إذلالا وخضوعا لعديد من القوى الإقليمية وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل.

واعتبر البحيصي هذا الموقف دليلًا حيًّا على أن الشعوب لا تزال تملك القدرة على تجاوز الجغرافيا والانتصار لمعركة الشرف، مهما بلغت التحديات والتضحيات.

وتطرق الدكتور البحيصي في اللقاء، إلى ما سببه إغلاق البحر الأحمر أمام السفن المرتبطة بالاحتلال، وما شكلته المسيّرات اليمنية والتي كانت تقطع مسافة 2500 كيلومتر، من خسائر اقتصادية وإغلاق للموانئ والمطارات وإرباك للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية وإذلال وخوف وقلق لأكثر من مليوني يهودي بالهروب إلى الملاجئ، وإليكم حصيلة ما جاء في اللقاء :

الثورة / أحمد كنفاني

نقل الدكتور البحيصي بداية رسالة للشعب اليمني عبر صحيفة «الثورة» قال فيها:

«من أبناء غزة قاطبة، برجالها ونسائها ومجاهديها، بعلمائها، بأشجارها وأحجارها، برمالها وأنفاقها، إلى إخوان الصدق في اليمن، نقول لكم طبتم وطاب مسعاكم، وأحسن الله إليكم، وكتب أجوركم وبوركتم على هذه الوقفة التي لم يقف معنا أحد في هذا العالم كله كما وقف أبناء اليمن العظيم».

وأضاف: «حق لهذا البلد أن يسمى سعيدا لان به رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال رفضوا الضيم والظلم، ولم يتخلوا عن إخوانهم المستضعفين في غزة، على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشونها تحت وطأة العدوان والحصار من قبل 38 دولة منذ عقد من الزمن، بفضل الله سبحانه وتعالى.

وأشار إلى أن السبب الرئيسي لتعرض اليمن للعدوان والحصار والدمار على مدى تلك السنوات يأتي جراء ما قرره رجاله العظماء بقطع يد الوصاية الأجنبية عن هذا البلد، وان يكون حرا وعزيزا وكريما في زمن انتشر فيه الانبطاح والعمالة وانتشرت فيه الخيانة والغدر».

وأوضح أن أبناء الشعب اليمني رفضوا الضيم على إخوانهم في قطاع غزة، وخرجوا عن بكرة أبيهم من اجل إخوتهم في غزة، ولو ضحى الفلسطينيين بدمائهم وبأعز ما يملكون من اجل اليمن وفي سبيل اليمن واليمنيين، والله ما وفوههم حقهم ولا ردوا لهم هذا الدين الثقيل الذي حملتموه على رقابهم.

»معركة 7 أكتوبر 2023م«

صف لنا بتعبير موجز ملحمة السابع من أكتوبر «طوفان الأقصى»، وما صنعته المقاومة الفلسطينية في هذا اليوم؟  

معركة” طوفان الأقصى”، شكلت منعطفاً استراتيجيا مهماً في معركة التحرير للأراضي العربية المحتلة، وعملاً جوهرياً لإسقاط المشروع الاستيطاني الصهيوني العالمي، وإعادة الأرض إلى أهلها الحقيقيين، وهذا أن دل على شيء إنما يدل على أن الفلسطينيون شعب شجاع ومقاوم، قاوم المحتل الإسرائيلي بمختلف الوسائل، وصولاً إلى معركة اليوم، التي يخوضها ببطولة كبيرة وتكتيك عسكري رفيع، وللأسف أنه مع تنفيذ معركة “طوفان الأقصى” قامت الدنيا على الفلسطينيين ولم تقعد، رغم أنه حق من حقوقهم المشروعة التي شرعها الله سبحانه وتعالى وشرعتها كل القوانين البشرية والإنسانية، دفاعا عن عرضهم وشرفهم وكرامتهم وأرضهم المسلوبة، 77 سنة والفلسطينيون على الخندق والمترس الأول وفي خط النار والمواجهة على مسافة صفر، دفاعا عن شرف وكرامة امه محمد صلوات الله عليه وعلى اله، وبينما نحن ننتظر إخوانا لنا ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، يظهر أمامنا علماء ينتقدون ما قام به المجاهدون في المقاومة من اسر لمجندات يهوديات، أين هؤلاء العلماء المحسوبين على الأمة حين كان الاحتلال يقوم بنزع الطفلة ذات العشر سنوات من حضن والدها لتسجن في سجون الاحتلال ويفرج عنها بعد 10 – 15 عاما؟ أين هؤلاء العلماء المنبطحون الذين كانوا أشد وأمرّ على الفلسطينيين من الجوع والحصار والإبادة التي مارسها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، مصيبتنا أعظم في هؤلاء العلماء خريجي جامعات تل أبيب، الذين دجنوا الأمة وخربوا عقول أبنائها ومسحوا فكرة الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وهم من شجعوا الكفرة على ارتكاب المزيد من الإساءات لنبينا وكتاب الله الكريم.

وأردف بالقول : في فلسطين الطفل أول ما يولد، يرضع من ثدي أمه الشهادة في سبيل الله، صب علينا العدو العذاب في غزة عامين صبا، عشنا في القطاع ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يديه لم يكد يراها، ظلمة إف 16، وظلمة المتفجرات، وظلمة المدافع البحرية، وظلمة الحصار، وظلمة غدر الأخ والقريب الحبيب وظلمة الجار الذي بنى بيني وبينه سور طويل عال منع عن الفلسطيني الغذاء ومنع الدواء وقطرة الحليب عن الأطفال، كان الأب الفلسطيني يخرج بعد صلاة الفجر من خيمته التي لا تقيه حر الصيف ولا برد الشتاء، إلى مكان نائي حتى لا يسمعه أبناؤه يناجي الله تعالى بالقول «يا رب إن كان لي عندك ذرة كرامة فاقبض روحي ولا أرى نظرة الجوع في عيون أطفالي»، ومع ذلك لم يستسلم الفلسطينيون وظلوا صامدين ثابتين متوكلين على الله.

»الإسناد العسكري اليمني«

ما ثأتير الإسناد العسكري اليمني خلال فترة العدوان الصهيوني على غزة؟

مثلت الترسانة غير المسبوقة من الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة اليمنية التي وصلت إلى عمق “ايلات” وغيرها، وتدرجت عملياتها من حصار انتقائي للسفن الإسرائيلية إلى حصار شبه كامل لكل سفينة متجهة إلى موانئ الأراضي المحتلة، ثم تطورت إلى ضربات مباشرة داخل فلسطين المحتلة، خسائر اقتصادية على مستوى حركة الملاحة وإغلاق المطارات، وإرباك للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية وإذلال وخوف وقلق لأكثر من مليوني يهودي بالهروب إلى الملاجئ.

وصور الدكتور البحيصي مشهد عبور الطائرات اليمنية المسيَّرة الأجواء الفلسطينية المحتلة بالعظيم والشجاع الذي يؤكد مصداقية الشعار الذي أطلقه اليمنيون آنذاك : «لستم وحدكم.. الله معكم ونحن معكم».

وأكد أن اليمن لم تكن في حسابات من خططوا ونفذوا معركة السابع من أكتوبر «طوفان الأقصى»، كل يوم نتوجه بوجوهنا فرحا وسرورا للجنوب نأخذ نفسا عميقا نجد نفَس الرحمن من قبل اليمن، كانت هذه الطائرات المسيرة اليمنية تقطع مسافة 2500 كيلومتر، تمر على كل الأحياء في غزة تسلم على كل غزاوي، تميل فوق الخليل وتطير فوق خليل الرحمن فوق هذه المغارة حيث دُفن فيها الأنبياء «إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف» صلوات ربي وسلامه عليهم، ترافقها دعوات الأهالي لله عز وجل بوصولها إلى الأماكن المستهدفة.

كلمة قائد الثورة الأسبوعية

واستطرد الدكتور البحيصي بالقول : كانت كلمة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله – تحظى باهتمام ومتابعة من كل أبناء الشعب الفلسطيني، حيث كان سكان قطاع غزة يجتمعون كل خميس الثالثة عصرا بتوقيت صنعاء، لسماع الكلمة التي يتحدث في إطلالتها أسبوعيا عن مستجدات العدوان على غزة والتطورات الدولية، ونندهش حين يفند أخبار غزة بوصف دقيق، مع أسماء المستشفيات والشوارع والمدارس والطرقات كل مكان في غزة، ويعطيك الإحصائيات الدقيقة جدا بالشهداء والجرحى والعمليات خلال أسبوع كامل، حتى يخيل لنا أنه يخاطب كل فرد في غزة. ننتظر ساعة كاملة لسماع هذه الكلمة، التي كانت تبث فينا الحماس والثبات والمزيد من الصمود في مواجهة الاحتلال وجرائم الإبادة التي يمارسها ضد سكان القطاع، أضف إلى ذلك أن غزة أضحى فيها اليوم الشهيد هاشم الغماري أبا الأيتام وأخا كل الرجال، بعد أن كانت غزة هاشم بن عبد مناف، الشهيد الغماري الذي يعود له الفضل في تصنيع المسيرات والصواريخ اليمنية الفرط صوتية التي دكت العدو في عقر داره وأربكته وجعلته يعيش حياة كلها خوف وذل وقلق.

العلاقة اليمنية الفلسطينية

ما جذور العلاقة بين اليمن وفلسطين؟ 

تعود جذور العلاقة بين هذين البلدين، إلى ما قبل نشوء الصراع المعاصر، بل إلى عمق الذاكرة الدينية والتاريخية، حيث يرتبط اليمنيين وجدانيًّا بأرض فلسطين منذ قرون سحيقة. هذا الارتباط من وجهة نظري تجلّى خلال عدوان الاحتلال على غزة بعد عملية “طوفان الأقصى”، عندما خرج اليمنيون في مظاهرات واسعة أسبوعيا وعلى مدى عامين، وبأنشطة إنسانية وإعلامية لا مثيل لها لدعم القضية الفلسطينية، وأؤكد هنا أن فلسطين تكاد تكون الامتحان الأصدق لما تبقَّى من عروبة حقيقية في شعوب المنطقة، وقد اجتاز اليمنيون هذا الامتحان بموقفٍ أصيل ومتجذِّر، ظلّ ثابتًا رغم وطأة العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي وتجدده صهيونيا لعامين، ليؤكد ذلك أن اليمنيين، رغم كل المخططات التآمرية من قبل العدو، لم يفقدوا بوصلتهم الأخلاقية، ولا صوتهم في الدفاع عن قضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين ونصرة المستضعفين فيها.

«كلمة أخيرة»

وختم الدكتور البحيصي اللقاء بالقول: عرفت دول العالم والشعوب العربية والإسلامية والشرفاء من أحرار الأمة اليوم، يمناً جديداً في عهد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، فلا أقل أن نحذو حذوه ونرفع رايته، وأود أن أوضح أن أول ملزمة اقرأها للشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي – سلام الله عليه – كانت ملزمة يوم القدس العالمي، يوم يقظة جميع الشعوب الإسلامية، وإحياؤها الجهاد، واقسم بالله أنها نسفت كل ما قرأت من أمهات الكتب، كما أؤكد على علماء اليمن الاضطلاع بواجبهم الديني في إحياء ثقافة الجهاد، وتوعية الأمة واستنهاضها ضد أعدائها المتربصين بها والمستهزئين بمقدساتها، فالحروب والمؤامرات والدسائس والإفساد في الأرض هي صناعة يهودية صهيونية في الأساس، ولذا لا غرابة أن نراهم اليوم يرتكبون تلك المجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني، ويعملون بكل الوسائل على إضعاف الأمة وإغراقها في دوامة الصراع كامتداد لنهجهم الخبيث عبر التاريخ، ليس ضد المسلمين فحسب، بل ضد البشرية جمعاء.

قد يعجبك ايضا