تحركات مقديشو لا زالت غير كافية لتغيير المشهد:هل تفلح الضغوط الإقليمية في إرغام «إسرائيل» على إلغاء اعترافها بـ«أرض الصومال»؟

مع اتخاذ الإدارة الأمريكية سياسة «الانحياز الحذر» تجاه قرار حكومة الكيان الإسرائيلي الاعتراف بـ «أرض الصومال» غير المعترف بها دوليا، وتفضيل مجلس الأمن الدولي عدم إصدار بيان أو قرار ملزم حيال الخطوة الإسرائيلية، تبدو المنطقة مرشحة لموجة توترات جيوسياسية مع إسرائيل نتيجة تحركاتها المثيرة للقلق في منطقة القرن الأفريقي والتي تهدد استقرار القرن الإفريقي والمنطقة بصورة عامة.

تحليل / أبو بكر عبدالله

حتى اليوم لم تُفلح كل الإدانات الأممية والعربية والدولية في حمل حكومة الكيان الإسرائيلي على التراجع عن قرار الاعتراف بـ «أرض الصومال»، في حين مضت حكومة الكيان بقرارها بإرسال الوفود الرسمية إلى الإقليم الانفصالي الصومالي وشروعها بخطوات لتبادل السفراء وتدشين مشاريع التعاون في المجالات الاقتصادية والعسكرية.

هذا المشهد جاء بعد النتائج التي خلصت اليها الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي المنعقدة مؤخرا لبحث قضية الاعتراف الإسرائيل بـ «ارض الصومال» والتي أفضت إلى جمود في الموقف الدولي، جعل دعوة المراقب الدائم لجامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة ماجد عبدالفتاح، بضرورة الانتقال إلى مرحلة أخرى لإجبار إسرائيل على التراجع عن القرار، خيارا وحيدا ليس لمقديشو وحسب، بل ولدول الإقليم التي أعلنت رفضها ومقاومتها للخطوة الإسرائيلية بوصفها تهديداً للسلم والأمن الإقليمي والدولي.

تعزز جمود الموقف الدولي بعد دفاع واشنطن الضمني عن قرار إسرائيل الاعتراف بـ «ارض الصومال» على قاعدة «الحق في بناء علاقات دبلوماسية»، ناهيك عن تحركاتها في كواليس مجلس الأمن والتي أفضت إلى عزوفه عن إصدار «قرار ملزم» أو حتى «بيان رئاسي» رغم الاجماع على إدانة الخطوة الإسرائيلية.

كان واضحا أن حكومة الكيان أخفت تحضيراتها في اتفاق الاعتراف المتبادل مع «ارض الصومال» أو ما سمي « إعلان القدس» حتى على حليفتها الولايات المتحدة وهو الأمر الذي كان واضحا في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قللت من أهمية الإقليم المعترف به، وإعلانه عدم رغبته الاعتراف في الوقت الحالي، قبل أن يعلن أن الأمر يحتاج إلى «دراسة معمقة» بناء على نصائح تلقاها من مستشارية تحدثوا عن احتمال أن يقود تأييده للقرار الإسرائيلي إلى أزمة دبلوماسية مع الاتحاد الأفريقي وحلفائه في منطقة الشرق الأوسط الذين يعتمد عليهم في تنفيذ خطته لإنهاء حرب غزة.

ورغم تماهي إدارة ترامب مع الوعود الإسرائيلية لتعزيز أمن خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، حاولت إدارة ترامب بموقفها المعلن عدم الظهور بمظهر الداعم لعمليات التهجير الطوعي التي تخطط لها حكومة الكيان لسكان غزة، خشية أن يقود ذلك إلى فشل مشروعه بتشكيل مجلس السلام وقوة الاستقرار في غزة، وعدم مشاركة المجموعة العربية المؤيدة للخطة فيها.

ذلك أن تصريحات ترامب التي قال فيها إنه لا ينوي الاعتراف بـ «أرض الصومال» في الوقت الحالي، حملت رسالة باحتمال اعترافه بالمستقبل، استجابة لمساعي حكومة الكيان بتحويل اعترافها بـ «أرض الصومال» من خطوة منفردة إلى جزء من استراتيجية أمريكية أوسع لتغيير موازين القوى في القرن الأفريقي تحت مظلة «حماية خطوط الملاحة الدولية».

عقبات وضغوط دولية

منذ اليوم الأول انخرطت الصومال ضمن جهود إقليمية واسعة قادتها الجامعة العربية ومصر وتركيا، لمواجهة القرار الإسرائيلي وتكللت بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، أفضت إلى عزلة إسرائيلية، بعد أن أكدت معظم عواصم العالم باستثناء واشنطن دعمها لوحدة الصومال في أول إجماع دولي معارض للخطوة الإسرائيلية أشاع الأمل بعدم ظهور أي اعترافات دولية أخرى محتملة.

زاد من ذلك النتائج التي خلص اليها الاجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية على مستوى المندوبين، والذي خلص إلى إجماع بإدانة الاعتراف الإسرائيلي، ناهيك عن تحذيره من مخططات لاستخدام موانئ أرض الصومال لإنشاء قواعد عسكرية أو تسهيل عمليات تهجير قسري للفلسطينيين، في ظل تعهدات عربية وإقليمية واسعة بتقديم الدعم الكامل لأي إجراءات قانونية أو سياسية تتخذها مقديشو للدفاع عن سيادتها.

هذه التحركات أفلحت إلى حد ما في وضع عقبات أمام المحاولات الإسرائيلية بجعل اتفاق الاعتراف المتبادل بينها و»أرض الصومال» جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع لتغيير موازين القوى في القرن الأفريقي، كما أفلحت في وضع إسرائيل في عزلة دولية بوصفها الدولة الوحيدة العضو في الأمم المتحدة التي تعترف بالإقليم الانفصالي الصومالي وجعل الاعتراف وأي إجراءات دبلوماسية أخرى دون أي قيمة قانونية في المنظمات الدولية.

أكثر من ذلك أنها وجهت رسالة بعدم السماح بمرور اتفاق الاعتراف المتبادل، حتى لو دعا الأمر إلى مواجهة عربية أفريقية مع حكومة ما تسمى «أرض الصومال» وعدم السماح لها بإبرام أي اتفاقيات تهدد المصالح الأمنية العربية.

والمواقف الإقليمية تجاه الخطوة الإسرائيلية، نحت منحى أكثر تطورا من جانب مصر وتركيا خصوصا وأن تركيا استندت إلى اتفاقيات التعاون الاقتصادي والدفاعي الموقعة مع الصومال، حيث لوحت أنقرة بإمكان ترجمتها إلى وجود بحري تركي مكثف على السواحل الصومالية، يمنع إسرائيل من البدء من التواجد أو إنشاء أي مرافق عسكرية في ميناء «بربرة».

زاد من ذلك مخاوف تركيا التي تدير استثمارات كبيرة في الصومال وقاعدة عسكرية في مقديشو، من أن أي تغير في الخارطة الجيوسياسية للقرن الأفريقي، سيمثل تهديد لوجودها ونفوذها، ولا سيما في ظل المساعي التركية لإحداث توازن مع النفوذ المتزايد لدول أخرى في المنطقة.

في الإطار ذاته تعاطت القاهرة مع النفوذ الإسرائيلي المستجد في «أرض الصومال» بكونه تهديد استراتيجي لأمن البحر الأحمر وبالتالي قناة السويس، ما دعاها إلى تنسيق الجهود مع كل من تركيا وجيبوتي والصومال لتشكيل جبهة موحدة، استنادا إلى مخاوف من أن تقود الخطوة الإسرائيلية إلى تطويقها من الجهة الجنوبية عبر تحالف إسرائيل وإثيوبيا مع «أرض الصومال».

ووفقا لذلك اتجهت السياسة المصرية التي تعتبر القرن الأفريقي مجالاً حيوياً لأمنها القومي نحو تثبيت المشهد السياسي في مقديشو عبر إعلانها مواجهة ورفض أي محاولة لفرض أي كيانات موازية تهدد وحدة الصومال وهو موقف سيترتب عليه بلا شك استجابة القاهرة لطلب مقديشو تفعيل اتفاقية التعاون الأمني الموقعة في أغسطس 2024م، باعتبار ما حدث تهديدا لسيادة ووحدة جمهورية الصومال.

وبصورة عامة استندت معارضة مصر وتركيا للاعتراف الإسرائيلي إلى مخاوف جيوسياسية عميقة تتعلق بنفوذهما ومصالحهما ولا يتوقع لذلك أن تسمحا لإسرائيل بكسب موطئ قدم استراتيجي في هذه المنطقة الحيوية والبالغة الحساسية.

يزيد من ذلك «فيتو» الاتحاد الأفريقي، الذي رفض قرار الاعتراف الإسرائيلي قطعياً لكونه سيفتح باب «الانفصالات» في العديد من دول القارة السمراء التي تعاني من أزمات مشابهة.

وبدون موافقة الاتحاد الأفريقي، لن تتمكن «أرض الصومال» من الحصول على مقعد في أي منظمة دولية، وسيظل اعتراف إسرائيل «حالة معزولة.

مقديشو.. خيارات المواجهة

على أن الاعتراف الإسرائيلي بـ «أرض الصومال» وضع مقديشو أمام تحدٍ وجودي، إلا أن الأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة التي تستخدمها مقديشو حاليا لنزع الشرعية عن هذا القرار، تبدو حتى الآن قوية وقد تؤدي بالفعل إلى إسقاط هذا الاتفاق أو تجميده أو على أقل تقدير إجهاض مفاعيله الدولية.

يشار في ذلك إلى سلسلة الإجراءات القانونية والدستورية التي اتخذتها مقديشو لإبطال القرار الإسرائيلي عبر البرلمان الصومالي والهيئات الرسمية التي ألغت الاتفاقية الموقعة وشددت على عدم امتلاك أي منطقة في أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية الحق في إبرام اتفاقيات دولية أو الحصول على اعتراف، مما يجعل أي تواجد إسرائيلي في «أرض الصومال» عملاً غير قانوني يعامل كـ «احتلال أو عدوان».

كما يشار إلى التحركات الواسعة للحكومة الصومالية في العديد من عواصم الإقليم والتي أفلحت إلى حد كبير في حشد المواقف المناهضة للخطوة الإسرائيلية، ووضعها أمام خيارات حاسمة بما في ذلك المقاومة المسلحة وتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك.

ولدى حكومة مقديشو الكثير من الخيارات المتاحة لمواجهة هذه الأزمة، يتصدرها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لرفع دعوى ضد الكيان الإسرائيلي بتهمة انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وهو تحرك سيكون له أثر في إبطال الاتفاق الموقع، كما سيعمل على كبح أي نيات تبديها أي دولة أخرى لاتباع خطى الكيان بالاعتراف.

وتمتلك الحكومة الفيدرالية في مقديشو، مسارات قانونية قوية أمام محكمة العدل الدولية لتعزيز موقفها، من خلال تقديم طلب رأي استشاري من المحكمة، حول «الآثار القانونية للاعتراف أحادي الجانب بأقاليم انفصالية دون موافقة الدولة الأم».

هذا الرأي في حال صدوره، سيجعل الاعتراف الإسرائيل باطلا من الناحية القانونية، وسيجعل من المستحيل على أي دولة أخرى أو منظمة دولية، اتباع الخطوة الإسرائيلية، وسيعزل القرار الإسرائيلي قانونياً على مستوى العالم، كما سيحول «أرض الصومال» في نظر القانون الدولي إلى «كيان غير قانوني» للأبد، وسيجهض طموحات هرجيسا وإسرائيل معاً.

ومعروف أن لدى الصومال خبرة قانونية ناجحة أمام محكمة العدل الدولية، حيث تمكنت في العام 2021م من انتزع حكماً تاريخياً ضد كينيا في نزاع الحدود البحرية، ويمكنها استخدام المنهجية ذاتها في مقاضاة إسرائيل مباشرة والدفع بأن اعترافها بـ«أرض الصومال» يشكل «تدخلاً غير مشروع في الشؤون الداخلية» وانتهاكاً لمبدأ «احترام السلامة الإقليمية» المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك يمكن لحكومة مقديشو بالتعاون مع دول الإقليم، عزل «أرض الصومال» جوياً وبريا، وفرض عقوبات تقيد حركة الطيران من وإلى «هرجيسا» لأي جهة تتعاون مع إسرائيل، مما سيرفع تكلفة الاتفاق على سلطات أرض الصومال.

كما يمكن للحكومة الصومالية استخدام أوراق الضغط من طريق الدول العربية والإسلامية المنخرطة ضمن اتفاقيات ابراهام» لحمل إسرائيل على التراجع لتجنب خسارة علاقاتها مع دول «اتفاقيات أبراهام» التي عبرت عن رفضها الكامل لهذه الخطوة.

فرص المسار الدبلوماسي

قد تكون إسرائيل نجحت في خلق «واقع سياسي» جديد في إقليم «راض الصومال» الانفصالي، إلا أن الدولة الصومالية، رغم محدودية إمكانياتها، نجحت في حشد «إجماع دولي مناهض للتوجهات الإسرائيلية، وهو موقف يمكن أن يشكل جداراً صلباً أمام طموحات إسرائيل باستخدام «أرض الصومال» قاعدة عسكرية في المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر أو قاعدة لتوطين الفلسطينيين المهجرين من غزة.

ووفقا لذلك يمكن أن تستمر حكومة الكيان و«أرض الصومال» في تبادل الزيارات الرسمية، لكن الاتفاق سيظل «حبراً على ورق» وخصوصا ما يتعلق بمشاريع القواعد العسكرية التي يُرجح أن تقود إلى رد فعل عسكري أو عقوبات اقتصادية من الدولة الصومالية أو من الدول الكبرى في المنطقة ولا سيما الموقعة مع الصومال اتفاقيات تعاون دفاعي.

وهناك العديد من الفرص الدبلوماسية أمام مقديشو يمكن استثمارها، وخصوصا مع تولي الصومال الرئاسة الدورية لمجلس الأمن (يناير 2026م) وهو الموقع الذي سيتيح لها منصة ذهبية لإدارة الأزمة المتعلقة بالاعتراف الإسرائيلي بـ «أرض الصومال».

وما تحتاجه فقط هو التحرك ضمن تحالف عربي إفريقي للتحكم بجدول أعمال المجلس ووضع «تطورات الوضع في الصومال» كبند دائم وربطه مباشرة بتهديدات السلم والأمن الناتجة عن التدخلات الخارجية، وتهديدات الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

يمكنها أيضا أن تدعو إلى عقد جلسات إحاطة مفتوحة، تدعو فيها الحكومة الصومالية خبراء قانونيين دوليين لتوضيح عدم شرعية الاعتراف، مما يزيد الضغط الإعلامي والدبلوماسي على الكيان، كما يمكنها إصدار بيان رئاسي من مجلس الأمن، كونه لا يحتاج إلى إجماع، يتضمن الالتزام الصارم بسلامة الأراضي الصومالية، مما قد يحرج الدول التي قد تحاول تمييع الموقف.

وهنا تتعين الإشارة إلى أن عدم صدور بيان أو قرار من مجلس الأمن في ظل الإجماع الدولي الرافض للقرار الإسرائيلي، لم يعن من الناحية القانونية شرعنة الخطوة الإسرائيلية، بل انطوى على تأكيد باستمرار العمل بالقرارات السابقة، وآخرها القرار 2809 لعام 2025م الذي أكد أن أرض الصومال جزء لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية، ما يجعل الاعتراف الإسرائيلي تصرفاً أحاديا لن يغير الوضع القانوني للإقليم في سجلات الأمم المتحدة.

قد يعجبك ايضا