قال الله تعالى:{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}، ليست آيةً تُتلى فحسب، بل ناقوس خطرٍ يُقرع في ضمير الأمة كلما اشتدت الفتن، واحتدمت المواجهات، وتكاثفت الغيوم. فليس العدو دائماً من يرفع سيفاً في وجهك، بل قد يكون من يبتسم لك ويُخفي الخنجر في ثنايا كلماته.
المنافقون هم الطعنة التي تأتي من الخلف، والشرخ الذي يتسع في الجدار من الداخل. هم الثغرة إذا أُهملت صارت باباً، والباب إذا فُتح صار اقتحاماً. يتسللون بلسانٍ ليّن، ووجهٍ باسم، وقسمٍ مغلّظ، حتى إذا اطمأنّ إليهم الغافلون، انقلبوا أدواتٍ بيد أعداء الأمة، ينقلون، ويحللون، ويخططون، ويُسربون.
الأبواق المرجفة… قذائف بلا بارود
ومن أخطر أسلحتهم في هذا الزمان: أبواقٌ شيطانية تُرجف، وتهوّل، وتزرع الرعب في القلوب. يصنعون من الشائعة زلزالاً، ومن العثرة انهياراً، ومن التحدي هزيمة. يضربون النفوس قبل أن تُضرب المواقع، ويستهدفون المعنويات لأنها عماد الصمود وروح الثبات.
إننا نعيش زمن «سقوط الأقنعة»، حيث لم يعد النفاق مجرد همس في المجالس، بل صار جيوشاً إلكترونية، ومنصاتٍ مأجورة، و»ترندات» مسمومة تُصنع في غرف العمليات السوداء لتغتال الوعي. إنهم الطابور الخامس الذي يرتدي ثوب «التحليل الموضوعي» ليحقن سموم الهزيمة في عروق الجماهير، ويحول الانتصارات إلى أوهام، والانكسارات إلى نهاية العالم.
خيانة الكلمة.. أشد من طعنة الخنجر
ألا فليعلم هؤلاء أن الكلمة المرجفة في زمن الصراع هي رصاصة في صدر المرابط، وأن التغريدة المخذّلة هي إحداثيات مجانية يقدمونها للعدو ليضرب بها الروح المعنوية. هم خبراء في الحرب النفسية، يلوكون الألسنة بالأكاذيب، ويغذّون المجالس بالتحليلات المسمومة، ويُربكون المجتمعات بخططٍ مدروسة. ظاهرهم الحرص، وباطنهم الخذلان. ينوحون مع الجنائز، وفي الخفاء يشاركون العدو في الفكرة والمخطط.
أي ازدواجيةٍ هذه؟ وأي سقوطٍ أخلاقيٍ أشد من أن تكون شريكاً في الجريمة ثم تدّعي البراءة منها؟
ضمائر ميّتة.. وقلوبٌ سقيمة
لا دين لهم إلا أهواؤهم، ولا قبلة لهم إلا مصالحهم. لا يرون في قوة الأمة إلا تهديداً، ولا في انتصارها إلا غصة. يفرحهم ما يُحزن المؤمنين، ويُغضبهم ما يُعزّ الصادقين. لقد انتهى زمن «مسك العصا من المنتصف»؛ ففي معارك الوجود، الصمت عن الحق تواطؤ، والحياد بين الضحية والجلاد خيانة. إن هؤلاء الذين يقتاتون على «فتات» العطايا، ويبيعون شرف الكلمة في «سوق النخاسة» الرقمي، قد حجزوا مقاعدهم في أحقر مزابل التاريخ.
ألا يتفكرون في المصير؟ ألا يعلمون أنهم شركاء في كل نفسٍ تُزهق، وكل بيتٍ يُهدم؟ إن من يراهن على انكسار هذه الأمة يراهن على سراب؛ فالمعدن الأصيل لا تزيدهُ النار إلا نقاءً، أما الخبث فيتطاير مع أول لافحةٍ للحق.
القرآن كشفهم.. والتاريخ يفضحهم
لقد كشف القرآن الكريم حقيقتهم، وعرّى صفاتهم، ورسم ملامحهم بدقةٍ عجيبة. وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار إن أصرّوا على نفاقهم. فلا أموالهم تُنجيهم، ولا علاقاتهم تحميهم، ولا استغفار غيرهم يُغني عنهم شيئاً.
الحذر.. درع المرحلة
إن المرحلة مرحلة يقظة لا غفلة، وبصيرة لا سذاجة. الحذر فريضة، والانضباط حصن، والسرية سلاح.
لا يغرّنك لحن القول، ولا يخدعنك حسن المظهر؛ فالسذاجة في زمن المؤامرات تفريط، واللامبالاة خيانة غير مباشرة. كل تحركٍ محسوب يربك العدو، وكل يقظةٍ تُكلفه أثماناً باهظة. أما الفوضى فهي راحته، والإهمال هديته.
كلمة أخيرة: هي معركة «فرقان»
إن معركة الأمة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في الوعي، في الكلمة، في الموقف.
فمن حصّن قلبه بالعقيدة، وعقله بالبصيرة، كان لبنةً في جدار الصمود. ومن انساق خلف الأبواق المرجفة، فقد أعان – بقصدٍ أو بغير قصد – على إضعاف الصف.
«هم العدو فاحذروهم»
إما فسطاط إيمان ووعي وثبات، وإما فسطاط نفاقٍ وخزيٍ وانبطاح.. فاختر لنفسك أين تضع قدمك قبل أن يُغلق الكتاب! فالحذر حياة، والوعي عزّة، والثبات نجاة.
