تنتحب المنابر، وتبكي السماء قبل العيون، وتتوشح الأيام بسوادٍ لا يجليه سوى نور يقينه الذي تركه فينا. لقد انكسر ظهر الكلمات، واختنق الحبر في مآقي الأقلام، فكيف يُرثى من كان للأمة روحاً وللمستضعفين سقفاً؟ إنها غصة تسكن الحناجر، وحزن يكسر الأضلاع، ودمعٌ يغسل أرواحنا من فرط اللوعة على فراق رجلٍ أضناه العشق الإلهي ستاً وثمانين عاماً. اليوم، تتيمم الأرواح بتراب خطاه، وتبحث العيون في أفق السماء عن طيف عباءته التي لطالما كانت خيمةً نستظل بها وملاذاً للمتعبين في زمن العواصف والخذلان.
هل رأيتم نوراً يولد من رحم العتمة؟
هل رأيتم طفولةً تنبت في سردابٍ ضيقٍ لا يتجاوز السبعين متراً، لتكبر وتتسع حتى تظلل أمةً بأكملها؟ هل رأيتم كيف يخرج النور من عتمة بيتٍ فقير في أزقة «مشهد»، ليصبح منارةً يهتدي بها السائرون في ليالي الاستكبار الموحشة؟ طفلٌ يتشرب آيات القرآن في ربيعه الرابع، لتختلط حروف السماء بدمه ولحمه، فينشأ قرآناً يمشي على الأرض. لقد كان رحيله درساً، كما كانت بداياته درساً؛ فتىً كبر ليحمل أوجاع المستضعفين، متوشحاً بعباءة الزهد التي لم تغيرها يوماً بهارج السلطة ولا سدة القيادة.
هل رأيتم شاعراً يبكي بحرقة الأيتام؟
هل رأيتم قائداً يجمع بين صلابة الفولاذ في وجه الطغاة، ورقة النسيم في حبه لآل البيت وللفقراء؟ لقد اختار لنفسه اسماً أدبياً هو «أمين»، فكان والله أميناً على دماء الشهداء، وأميناً على آهات الثكالى. هل رأيتم دموعه كيف تنهمر في الأسحار، وهو العارف بالله الذي ترجم بروحانيته معاني «في ظلال القرآن»، وسكب فكره النير في بطون الكتب ليعلم الأجيال كيف يكون الإسلام ثورةً وحياة؟ هل رأيتم طمأنينةً تُغتال في محرابها لتولد من جديد في عروق أمةٍ بأكملها؟ إننا لا نرثي اليوم سياسياً أو رجلاً عابراً، بل نرثي عصراً من النقاء، ومدرسةً من العزة، وروحاً كانت تتنفس هموم القدس مع كل شهيق.
بأي دمعٍ نغسل لوعة الغياب؟
بأي دمعٍ نطفئ جمرة الفقد التي تستعر في الصدور؟ لقد غاب الوجه الذي كنا نستمد منه اليقين حين تشتد الخطوب. أين نمضي بأحزاننا وقد رحل من كان للشكوى طبيباً وللجراح بلسماً؟ لقد تركنا في منتصف الطريق، أيتاماً يبحثون عن دفء صوته في صقيع هذا العالم الموحش.
كيف لا تنزف القلوب دماً بدل الدمع؟
كيف لا تدمى المآقي وتنشق الأرواح حزناً على من أفنى عمره مجاهداً؟ كيف لا نبكيه وهو الذي لم يلن يوماً في زنازين «السافاك»، ولم تبتلعه رمال منفى «إيرانشهر» المعزولة؟ لقد ذاق مرارة القيود ليعلمنا معنى الحرية. كيف لا تنتحب عليه المحاريب التي شهدت تهجده، والمنابر التي زلزل من عليها عروش المستكبرين؟
كيف لا تبكيه القدس التي جعلها بوصلة الروح لعقود، وغزة التي لم يخذلها حين تخلى عنها الأقربون، وصنعاء الأبية التي رأت في عينه سنداً حين عزّ النصير، وبيروت وبغداد اللواتي شربن من معين ثباته؟ لقد تركنا نبحث عن ظله في زوايا الذاكرة، ونتحسس طيفه في كل انتصار يُكتب بدماء الشرفاء. كيف لا يعتصرنا الألم، وقد غابت العمامة التي كانت تظلل جباه المقاومين، وانطفأت البسمة التي كانت تبعث فينا الأمل رغم أنف المستكبرين.
وهل كان لمثله أن يترجل إلا فارساً؟
وهل كان لمثله أن يغادر هذه الدنيا على فراشٍ وثير، وهو الذي طلق الراحة والدنيا ثلاثاً منذ نعومة أظفاره؟ وهل ننسى يوم تبرع بيمينه الشريفة في محراب مسجد «أبو ذر»؟ لقد عاش أربعة عقودٍ «شهيداً حياً»، يحمل نصف شهادةٍ بيمينه المبتورة، مقدماً إياها قرباناً في سبيل الله، وينتظر بلهفةٍ وتوقٍ نصفها الآخر. وهل كان لمثله أن يختم مسيرته إلا بدمٍ قاني اللون، يفوح بمسك الشهادة وعطر كربلاء؟
لم يكن مجرد قائد يوجه من غرف مغلقة، بل كان أباً حانياً، ومرشداً بصيراً، وروحاً تسري في جسد المقاومة. ثائراً في الميدان، وقف شامخاً كالطود الأشم حين تهاوت الإرادات، وبقي صامداً حين تراجعت الخطوات، فكان وحده أمةً في رجل، يمشي على الأرض وهامته تلامس نجوم السماء. وهل كان لروحه المحلقة في سماء العشق الإلهي أن ترضى بغير غارةٍ غادرة من شياطين الأرض لتصعد بها إلى مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر؟
آهٍ على فراق من كان صوته أماناً، وصمته حكمةً، ونظرته أفقاً يتسع لأحلام المظلومين.. آهٍ من يتم الأمة حين يغيب حادي ركبها.
يا سيدي، لقد رحل الجسد المثقل بهموم الأمة في فجر طهران الدامي، لكن روحك باقية ترفرف فوق مآذن الأقصى وتسري في دماء الثائرين. ستاً وثمانين عاماً لم تدخر منها لحظةً إلا لله وفي سبيله؛ من ثائرٍ معتقل، إلى رئيسٍ وقائد، إلى شهيدٍ يختم السفر العظيم بالدم.
نبكيك بدموعٍ تحرق الوجنات، وبقلوبٍ يعتصرها اليتم، لكننا في أوج نشيجنا وانكسارنا، نستمد من دمك الزكي طاقةً لا تنضب. نم قرير العين يا «أمين» الأمة، فدمك الذي سفكوه سيكون الطوفان الذي يطهر الأرض، والزلزال الذي يدك حصون الطغيان. سلامٌ عليك يوم ولدت في ذاك السرداب الفقير، ويوم قُبضت قابضاً على جمر القضية، ويوم تُبعث حياً لتشهد أن غرسك قد أثمر تحريراً ونصراً عبيقه يملأ الآفاق.
