عمران تواجه العطش بصمود..مدير مؤسسة المياه يكشف لـ«الثورة»: مشاريع بالطاقة الشمسية وتراجع خطير في المخزون الجوفي
في زمن تتراجع فيه المياه كما تتراجع الظلال عند المغيب تقف محافظة عمران أمام واحدة من أكبر التحديات البيئية والإنسانية في تاريخها.
فالماء، شريان الحياة الأول لم يعد متاحًا كما كان والمخزون الجوفي الذي غذّى مدينة عمران لعقود بدأ يذوب في صمت.
الثورة / عبداللطيف مقحط
لكن بين هذه الغيوم القاتمة، تلمع جهود بشرية عظيمة تسعى لأن تُبقي الماء جارياً في الأنابيب والآبار، وأن تحمي مستقبل المحافظة من جفاف وشيك.
في هذا التحقيق الخاص لـ«الثورة»، يكشف المهندس نبيل محمد إبراهيم زيد – مدير عام المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بمحافظة عمران، حجم التحديات ومشاريع الإنجاز وخطط الإنقاذ التي تقودها المؤسسة في صمتٍ وصبرٍ جميل.. إليكم التفاصيل:
خدمات تتوسع رغم الصعاب
يقول المهندس نبيل زيد: “نغطي اليوم حوالي 65 % من سكان مدينة عمران بخدمات المياه و42 % من خدمات الصرف الصحي من أصل 120 ألف نسمة.. ورغم الظروف الصعبة فإننا مستمرون في التوسّع خطوة بخطوة”.
ويؤكد أن المؤسسة تعمل بإمكانات محدودة للغاية لكنها تحاول أن توازن بين الطلب المتزايد على المياه وبين محدودية الموارد والطاقة، فالمؤسسة لم تتوقف يومًا، بل تواصل العمل ليلاً ونهارًا من أجل تأمين المياه وتوصيلها إلى أكبر عدد ممكن من السكان.
أمل يتدفق من الضوء
تُعد مشاريع الطاقة الشمسية نقلة نوعية في قطاع المياه بعمران، ففي ظل شح الوقود وارتفاع كلفته، اتجهت المؤسسة إلى استثمار أشعة الشمس لتوليد الطاقة وتشغيل الآبار.
ويقول زيد بفخر: “نفذنا خلال العام الجاري خمسة مشاريع رئيسية في مجال المياه من بينها منظومات طاقة شمسية لعدد من الآبار منها بئر باكر وبئر قرش الصين، وبئر شرارة…إضافة إلى خزان برجي بسعة 250 متراً مكعباً في المجمع الحكومي بتمويل من منظمتي اليونيسف واليونبس.”
ويمضي مدير عام مؤسسة المياه، موضحًا أن المؤسسة تمتلك 18 بئراً عاملة تم تزويد 14 منها بالطاقة الشمسية فيما تنتظر أربع آبار أخرى التمويل اللازم بعد تعليق بعض مشاريع المنظمات.
المخزون الجوفي… خطر يتعمق كل يوم
ورغم الإنجازات إلا أن الخطر الأكبر يظل تراجع منسوب المياه الجوفية في حوض مدينة عمران وهي مشكلة وصفها زيد بأنها “كارثة صامتة تهدد بقاء الحياة في المحافظة”.. ويضيف مدير عام المؤسسة: “في بداية تأسيس المؤسسة كانت أعماق الآبار لا تتجاوز 300 متر واليوم وصلنا إلى أعماق تتجاوز 900 و1000 متر.. هذا يعني أننا نقترب من مرحلة الجفاف الفعلي.”
مضيفاً: ولتدارك الكارثة، أعدت المؤسسة دراسة علمية دقيقة لتحديد حدود الحوض المائي لأبارها بتمويل من منظمة اليونيسف وبمشاركة خبراء من جامعة صنعاء والموارد المائية تمهيدًا لوضع حلول عملية تعيد التوازن بين السحب والتغذية للمياه الجوفية عبر السدود والحواجز المائية ومجاري الأمطار.
وقف الحفر العشوائي… معركة لحماية الماء
لم تكتفِ المؤسسة بالدراسات، بل اتجهت إلى تفعيل لجنة الحوض المائي بعمران برئاسة الأخ محافظ عمران وعضوية مدراء المياه والزراعة وهيئة مياه الريف.
ويشير زيد إلى أن اللجنة تتعامل بحزم مع طلبات تراخيص الحفر بحيث يُمنع نهائيًا الحفر داخل الحوض المائي لآبار المؤسسة ويُسمح فقط بحفر آبار زراعية خارج النطاق المحظور.
ويقول: الحفر العشوائي هو العدو الأخطر للمياه الجوفية، وقد رفعنا مذكرات للجهات العليا لإصدار قرارات صارمة تحد من هذا العبث، لأن كل بئر تُحفر بلا تخطيط تسرق من حياة الآخرين.
مشاريع الصرف الصحي… بنية تتجدد
أما في جانب الصرف الصحي، فقد شهدت محافظة عمران تنفيذ مشاريع مهمة بتمويل من منظمات دولية أبرزها اليونبس اليونيسف كير، الصندوق الاجتماعي للتنمية، والمنظمة النرويجية.
ويؤكد مدير عام المؤسسة أن أهم المشاريع تمثل في إنشاء الخط الناقل الرئيس للصرف الصحي من جولة الجامعة إلى جولة سوق الليل بتمويل من منظمة اليونبس وتنفيذ مكتب الأشغال العامة بقيادة المهندس محمد العمادي.
ويضيف: هذا المشروع سيساعدنا على استيعاب التوسعات المستقبلية وربط الأحياء الجديدة بالشبكة العامة للصرف الصحي ما سيحد من التلوث ويحسن البيئة الحضرية في المدينة.
أزمة الوقود.. معاناة متكررة
تواجه المؤسسة أزمة مالية خانقة بسبب الاعتماد الكبير على وقود الديزل لتشغيل الآبار، حيث ويكشف زيد أن ما يقارب 80% من إيرادات المؤسسة تصرف لشراء الديزل في ظل توقف الدعم الخارجي.
ويقول بأسف: مواردنا بالكاد تكفي لتغطية التشغيل الأساسي .. أحيانًا نؤجل أعمال الصيانة أو التوسعة حتى نحصل على إيرادات إضافية. ومع ذلك نحاول ألا تتوقف الخدمة للمواطنين.
نداء للمجتمع والمنظمات
في ختام اللقاء، عبّر مدير عام مؤسسة المياه بعمران عن امتنانه لكل من ساند المؤسسة في مشوارها خاصة المحافظ والمنظمات الداعمة داعيًا إلى استئناف المشاريع المعلقة للطاقة الشمسية ودعم المؤسسة ماليًا لتجاوز الأزمة.
كما وجه رسالة للمواطنين قائلاً: الماء أمانة بين أيدينا فلنحافظ عليه ولا نهدره. الترشيد مسؤولية الجميع، والتعاون معنا يضمن استمرار الخدمة واستدامتها.
ختام القول
بين ضيق الموارد واتساع الحاجة تمضي مؤسسة المياه بعمران في معركة يومية مع العطش، هناك معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالعزيمة والإرادة والعلم.
وفي وقتٍ يُهدد فيه الجفاف مستقبل الأجيال يبقى الأمل معقودًا على استمرار هذه الجهود المخلصة التي تحوّل التحديات إلى فرص وتجعل من شمس عمران مصدرًا للماء والحياة.
