أُورُوبا وأمريكا أمام محاكمة التاريخ

شاهر أحمد عمير

 

مرور أكثر من عامين على الإبادة الجماعية المُستمرّة في قطاع غزة لم يكن كافيًا لدفع البرلمان الأُورُوبي إلى اتِّخاذ أي موقف عملي أَو إجراء حقيقي بحق كَيان الاحتلال الإسرائيلي، رغم حجم الجرائم الموثقة التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني، والتي تجاوزت كُـلّ ما عرفه العالم من انتهاكات في العصر الحديث.

أكثر من سبعين ألف شهيد، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وأكثر من مئة ألف جريح ومعاق، ومدينة كاملة حُوِّلت إلى ركام، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، ومع ذلك بقي الموقف الأُورُوبي أسير البيانات الباردة والتصريحات الشكلية التي لا تُترجم إلى أفعال.

هذا الصمت الأُورُوبي لا يمكن فصله عن منظومة سياسية دولية باتت تتعامل مع الدم الفلسطيني كرقم قابل للتجاهل، ومع الجريمة الصهيونية كأمر واقع لا يستدعي العقاب.

فبينما تُرفع شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي في كُـلّ مناسبة، تتعطل هذه القيم فور وصولها إلى فلسطين، وكأن القانون وُضع ليُطبَّق على الضعفاء فقط، بينما يُمنح القتلة حصانة سياسية وأخلاقية بحكم التحالفات والمصالح.

ولم تتوقف الجرائم عند حدود فلسطين، بل امتدت إلى لبنان، حَيثُ تعرّض الشعب اللبناني لعدوان متواصل أوقع أكثر من ثلاثين ألف شهيد وجريح ومفقود، وسط تدمير واسع للبنى التحتية وتهجير قسري للسكان، في ظل صمت دولي مشابه، ومواقف أُورُوبية لا تتجاوز حدود القلق والدعوة إلى التهدئة، دون أي إشارة جدية إلى محاسبة الجاني أَو تحميله مسؤولية ما ارتكب.

وفي السياق ذاته، لم يسلم الشعب اليمني من هذا المشهد الفاضح لازدواجية المعايير.

فاليمن، الذي حاول أن يؤدي دورًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا في نصرة الشعبين الفلسطيني واللبناني، تعرّض لعدوان مباشر وغير مباشر، أسفر عن استشهاد وإصابة أكثر من عشرة آلاف يمني نتيجة الاستهداف الإسرائيلي والأمريكي، إضافة إلى حرب شاملة شنّها التحالف السعوديّ–الإماراتي بدعم أمريكي، راح ضحيتها ما يقارب نصف مليون يمني ما بين قتيل وجريح ومفقود، ودمّـر خلالها كُـلّ ما له علاقة بالحياة من بنى تحتية ومقومات العيش، ولا يزال الحصار الخانق مفروضًا على أكثر من ثلاثين مليون مواطن يمني حتى اليوم.

والمفارقة الصادمة أن بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا يزال يتحَرّك بحرية كاملة، ويحلّق في الأجواء الأُورُوبية دون أي مساءلة، في مشهد يختصر حقيقة الموقف الغربي من العدالة الدولية.

فالملاحقة القضائية تبقى حبرًا على ورق عندما يتعلق الأمر بقادة كَيان الاحتلال الإسرائيلي، بينما تُفعَّل العقوبات بسرعة قياسية ضد دول أَو أطراف أُخرى لمُجَـرّد خلافات سياسية مع الغرب.

وفي خضم هذا الصمت، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتهديدات علنية بالتدخل في حال استُهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من وصفهم بالمتظاهرين الذين أحرقوا المؤسّسات وقتلوا عناصر الأمن الإيراني، في إعادة إنتاج فجّة لسياسة الهيمنة والابتزاز العسكري.

هذه التهديدات لم تكن معزولة عن السياق العام، بل جاءت لتؤكّـد أن أمريكا لا تزال ترى في القوة العسكرية أدَاة لحماية الكيان الإسرائيلي وفرض المعادلات بالقوة، متجاهلة حجم الكارثة الإنسانية التي تسببت بها سياساتها في فلسطين ولبنان واليمن، ومتناسية أن التدخلات الأمريكية السابقة لم تجلب للمنطقة سوى الفوضى والخراب وسفك الدماء.

وفي المقابل، أظهر البرلمان الأُورُوبي سرعة لافتة في الرد على الأحداث الداخلية في إيران، حَيثُ صدرت تهديدات واضحة بحق القنصلية الإيرانية، بينما لم نسمع له أي إدانة بحق الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي بحق الشعب الفلسطيني واللبناني واليمني.

هذا التباين الصارخ يكشف بوضوح أن الموقف الغربي ليس مرتبطًا بالقيم أَو حقوق الإنسان، بل بموازين القوى والمصالح السياسية؛ فحيثما يكون الحليف هو الجاني تُدفن الضحايا تحت ركام الصمت، وحيث تتعارض المصالح تُرفع راية العقوبات على الفور.

إن ما يجري اليوم لا يمثل مُجَـرّد فشل أخلاقي للمؤسّسات الدولية، بل سقوطًا كاملًا لمنظومة ادّعت لعقود أنها حامية للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

نحن أمام عالم تُقاس فيه الجرائم بالسياسة لا بالدم، وتُمنح فيه العدالة وفق المصالح لا وفق القيم، ويُكافأ فيه القاتل بالصمت، بينما تُدان الضحية لأنها ترفض الخضوع والاستسلام.

إن استمرار هذا النهج لا يعني فقط تبرئة المجرمين، بل يشجع على تكرار الجرائم، ويؤسس لعالم أكثر وحشية، تُفرَّغ فيه القوانين من مضمونها، وتتحول المؤسّسات الدولية إلى أدوات انتقائية تخدم الأقوياء وتُدين الضعفاء.

وأمام هذا الواقع، تبقى الشعوب الحرة وحدها القادرة على كسر هذا الصمت، وفضح هذه الازدواجية، وكتابة شهادة إدانة تاريخية بحق عالم اختار أن يكون شريكًا في الجريمة بالصمت والتواطؤ.

 

 

قد يعجبك ايضا