اعتقال أمريكا للرئيس مادورو .. عملية خارقة أم خيانة داخلية؟
نظام كاراكاس لا يزال متماسكا والجميع يستعد للمواجهة:
تعيش العاصمة الفنزويلية كاراكاس حالة غليان غير مسبوقة بعد عملية الاعتقال الخاطفة التي نفذتها فرقة من قوات النخبة في الجيش الأمريكي للرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من مقر إقامته بداخل قاعدة عسكرية حصينة وسط العاصمة كاراكاس في ظل انتشار واسع للجيش والمليشيا البوليفارية في العاصمة وأكثر المدن، وسط مطالبات بالإفراج عن مادورو الذي أفلحت واشنطن الإطاحة به دون ان تتمكن من الإطاحة بنظامه.
تحليل / أبو بكر عبدالله
في مؤتمر صحافي بدا أشبه بعملية استعراض للقوة قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية اعتقال الرئيس اليساري نيكولاس مادورو وزوجته على أنها عملية خارقة لقوات النخبة الأمريكية أنهت النظام السياسي في فنزويلا، غير أن الواقع على الأرض كان مختلفا كليا، حيث بدا النظام والحكومة والجيش الفنزويلي بعد ساعات من العملية متماسكا ومتجاوزا لصدمة الاعتقال التي استهدفت واشنطن من خلالها إحداث انهيار داخلي لنظام الرئيس مادورو وحكومته.
صبيحة اليوم التالي في كاراكاس بدت الحكومة الفنزويلية مسيطرة على الوضع بالكامل وشوهدت وحدات الجيش في محيط القصر الرئاسي والمباني الحكومية، وانهمكت السلطات الفنزويلية بملء الفراغ من خلال تنصيب المحكمة العليا الفنزويلية نائبه الرئيس دالسي رودريغيز قائماً بأعمال رئيس البلاد فيما أعلن البرلمان أنه سيعاود نشاطه بصورة طبيعية يوم ٥ يناير.
هذه التفاعلات وغيرها حملت في الواقع رسالة للإدارة الأمريكية بفشل خطتها بانهيار النظام، خصوصا بعد أن تعهدت الرئيسة المنصبة ومعها وزير الدفاع بعدم الاستسلام ورفض أي مفاوضات مع الولايات المتحدة.
وخلافا لكل ما ذكره ترامب في مؤتمره الصحفي، أظهرت الحكومة الفنزويلية تماسكا كبيرا، تكلل بإعلان رفضها «العدوان العسكري» ودعوتها المواطنين إلى الهدوء والثبات، ناهيك بوصفها عملية اعتقال الرئيس بأنها «عمل إرهابي دولي» واتهامها واشنطن بالسعي إلى الاستيلاء على النفط والمعادن الفنزويلية بينما أعلن وزير الدفاع فلاديمير بادرينو حالة الطوارئ والتعبئة العامة، مؤكداً أن الجيش سيقاوم ما وصفه بـ»العدوان الأجنبي».
رغم أن الغارات التي شنتها المقاتلات الأمريكية على مقر إقامة وزير الدفاع، حملت رسالة ضغط أمريكية مباشرة لدفعه نحو الانشقاق أو التزام الحياد، إلا أن نتيجتها كانت معاكسة تماما إذ أعلن بادرينو إن بلاده لن تتفاوض مع الولايات المتحدة « والاستعداد للدفاع عن الأراضي الفنزويلية و»مواجهة الخطر الإمبريالي».
تزامن ذلك مع خروج الملايين من الفنزويليين إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم «العدوان الأمريكي» ودعما للرئيس مادورو.
وشهدت العديد من المدن احتجاجات شعبية عفوية رفضا لاختطاف مادورو فيما أعلن حكام الولايات ثباتهم بالدفاع عن بلادهم ومطالباتهم بالإفراج الفوري عن رئيسهم الشرعي.
هذه التفاعلات عكست بقوة الواقع الذي حاول المؤتمر الصحفي للرئيس ترامب إخفاؤه، وعززته اكثر تلميحات ترامب المرتبكة بأن المشهد في فنزويلا لم يكتمل تماما ما اضطره إلى التهديد بجولة أخرى من العمليات الجوية والبرية للسيطرة على فنزويلا بشكل كامل في حال لم تؤد عملية خطف الرئيس إلى حصول انهيار شامل للنظام والحكومة والجيش دون حرب.
هذا الأمر دعا ترامب إلى التأكيد مرارا أن الأسطول الأمريكي سيبقى في موقعه في البحر الكاريبي وأن الولايات المتحدة تحتفظ بجميع الخيارات العسكرية حتى يتم تلبية جميع مطالبها، ناهيك عن توجيهه تحذيرا إلى الشخصيات السياسية والعسكرية الموالية لنظام مادورو بإمكان أن يواجهوا مصير الرئيس وتأكيده بأنه «لا يزال أمام الموالين لمادورو مستقبل سيئ إذا ظلوا على ولائهم له».
سر »المفتاح الداخلي«
التماسك الذي ابداه النظام في كاراكاس، لم يكن يعني أن الحدث كان سهلا أو يمكن تجاوزه بسهولة، فاعتقال الرئيس على النحو الذي شهده العالم، مثل بلا شك زلزالا سياسيا وأمنيا غير مسبوق في الأزمة مع الولايات المتحدة، ووضع فنزويلا والعالم في حالة صدمة وترقب لتداعيات مفتوحة على كل الاحتمالات.
في المقابل اثار الحدث الكثير من الجدل والتساؤلات، حول ما إن كانت عملية اعتقال مادورو تمت بخيانة داخلية أم نتيجة مفاوضات بالاستسلام، في ظل التقديرات العسكرية والمخابراتية والتكتيكية التي افترضت أن تنفيذ عملية لخطف رئيس دولة من مقر اقامته المحصن بداخل قاعدة عسكرية أمر يستحيل تنفيذه من دون خيانة الدائرة المحيطة بالرئيس أو المكلفة بحمايته.
وفرضية «الخيانة الداخلية» كانت واحدة من أقوى الفرضيات المطروحة لتفسير سهولة وصول وحدات النخبة الأمريكية إلى قلب العاصمة كاراكاس وتنفيذ عملية الاعتقال خلال 30 دقيقة، خصوصا وان واشنطن كانت أعلنت سابقا مكافأة مالية بـ 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى اعتقال مادورو.
ما دعا إلى ذلك أن عملية الاعتقال تمت في مقر اقامة الرئيس المحصن تحت الأرض بداخل قاعدة «فورتي تيونا» العسكرية، التي تمثل أكبر مجمع عسكري في البلاد والمقر الرئيسي لوزارة الدفاع وتتمركز فيها عدد من التشكيلات العسكرية من قوات النخبة، ما جعل الوصول الأمريكي إلى هذا العمق يُرجح وجود اختراق استخباراتي كبير أو انشقاق غير معلن في الصفوف الأولى للدائرة المحيطة بالرئيس أو المتحكمين بأنظمة الحماية والانذار أفضت إلى تقديم تسهيلات للقوات الأمريكية لتنفيذ العملية والعودة بخسائر قليلة.
عزز ذلك المقاومة المحدودة داخل القاعدة العسكرية، وعدم اندلاع أي معارك كبيرة ما يشير إلى أن الوحدات المسؤولة عن الحماية إما أنها «غضت الطرف» أو أنها كانت جزءاً من ترتيبات مسبقة.
ومحاولات الاختراق الأمريكية للدائرة المحيطة بالرئيس مادورو لم تتوقف خلال الشهور الماضية وآخرها ما كشفته تقارير استخباراتية نُشرت أواخر العام الماضي وكشفت عن محاولات أمريكية مكثفة لاستقطاب الطيار الخاص لمادورو وضباط في الاستخبارات العسكرية، لتحويل مسار طائرته أو تحديد موقعه بدقة، وهي المحاولات التي أثمرت عملية الخطف للرئيس وعقيلته.
وخلافا لرواية البيت الأبيض، كشفت الصحافة الأمريكية بأن «مصدرا من وكالة المخابرات المركزية الفنزويلية ساعد في تعقب موقع الرئيس الفنزويلي» في حين استخدمت المخابرات الأمريكية المصادر البشرية في العملية مقابل مكافأة قدرها 50 مليون دولار، أنهى ترامب قصتها بالقول لا أحد يستحق الجائزة وأن إدارته فقط من يستحقها.
يشار هنا إلى أن بعض العواصم شككت بعملية الاعتقال السهلة لمادورو، حيث وصفت روسيا ما حدث بأنه عملية اجبار للرئيس مادورو وزوجته على مغادرة فنزويلا، واعتبرت ذلك انتهاكاً لسيادتها، في حين تحدثت المعارضة الفنزويلية عن فرضية «الاستسلام المبني على التفاوض» والتي انتهت باستسلام طوعي من مادورو وزوجته استنادا لمفاوضات تم الترتيب لها مع قيادات أمنية داخلية لتجنب حرب شاملة.
بين مشهدين أمريكي وفنزويلي
منذ الساعات الأولى لتنفيذ عملية الاعتقال، تعاملت واشنطن مع نظام الرئيس مادورو وكأنه انتهى فعليا، حيث اعتبر ترامب في مؤتمره الصحفي أن لا أحد سيتولى السلطة في فنزويلا، وأنه ليس لدى نائبة مادورو أي خيار سوى تنفيذ ما تريده الإدارة الأمريكية، معلنا تنصيب قيادة أمريكية لإدارة الدولة الفنزويلية إلى جانب «فريق من الفنزويليين» خلال فترة انتقالية لم يُحدّد مدّتها.
لكن هذا السيناريو بدا خياليا بالنسبة للسلطات الفنزويلية التي تجاهلت تصريحات ترامب وشرعت بتنصيب نائبة مادورو كرئيسة للبلاد، وهي الخطوة التي حظيت باعتراف مباشر من روسيا، بعد الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية سيرغي لافروف مع رودريغيز وأعلن فيه تضامن موسكو مع الشعب الفنزويلي «في مواجهة العدوان المسلح».
هذه الخطوة وغيرها قدمت رسالة شديدة الوضوح للإدارة الأمريكية بأن النظام في كاراكاس لم ينهَر تقنياً بعد، وأن المؤسسات الحكومية المدنية العسكرية والأمنية لا تزال قائمة وألا أحد من كبار المسؤولين يمكن أن يعلن استسلامه أو انشقاقه عن النظام رغم الضربة الأمريكية القوية التي جعلته مقطوع الرأس.
هذه التداعيات دفعت الرئيس ترامب في اليوم التالي إلى توجيه تحذيرات للرئيسة ديلسي رودريغيز بدفع ثمن باهظ في حال لم تفعل ما هو صحيح، ربما أكبر من مادورو.
وفي حين كانت توقعات واشنطن تذهب إلى احتمال انشقاق بعض من قادة الجيش ويشكلون حكومة عسكرية للتفاوض مع واشنطن لتجنب حرب شاملة، إلا أن هذا السيناريو بدا بعيدا أيضا بعد التصريحات النارية للمسؤولين الفنزويليين ومنهم وزير الدفاع الذي أعلن رفض بلاده التفاوض مع الولايات المتحدة بصورة قاطعة.
وعلى أن العملية الأمريكية حققت أهدافها بالإطاحة بالرئيس مادورو، إلا أنها فشلت في إسقاط النظام الذي ظل متماسكا كما فشلت في تفكيك المؤسسة العسكرية التي ظلت صامدة، وخصوصا مع معاودة وزير الدفاع فلاديمير بادرينو الظهور ببزته العسكرية لقيادة الجيش وقيادة عمليات «التعبئة العامة».
وتهديد الرئيس ترامب بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية ثانية أكبر من الأولى في الأراضي الفنزويلية بدت غير واقعية مع وجود الكثير من المعطيات المرجحة لعدم وجود أي إجراءات عسكرية أمريكية تالية بعيدا عن التفويض المباشر من الكونغرس، خصوصا بعد تصريحات ترامب المتضاربة التي أشارت ضمن أشياء أخرى إلى أن هدف العملية الرئيس كان الإطاحة بمادورو والرهان على انهيار تلقائي لنظامه.
سيناريوهات مرجحة
موقف الجيش الفنزويلي ومدى تماسكه وما إن كان سينحني لعاصفة الضغوط الأمريكية أم سيمضي في مواقفه المعلنة بالتصدي للهيمنة الأمريكية والدفاع عن السيادة، يبدو اليوم حاسما في رسم ملامح المستقبل القريب لفنزويلا.
واستمرار الضغوط الأمريكية سيقود بلا شك إلى انشقاقات قد تقسم القوات المسلحة الفنزويلية إلى ثلاث أقسام، الأول سيمثله العسكريون الموالون بشدة لنظام مادورو الذين يتوقع أن يتحصنوا في العاصمة وبعض الولايات لخوض مقاومة مسلحة وحرب عصابات لفترات طويلة.
والقسم الثاني سيمثله المترددون الذين يمثلون الأغلبية، وهؤلاء سينتظرون رؤية «من سيسيطر على الأرض» قبل إعلان الولاء، في حين سيمثل القسم الثالث وهو الأخطر في المعادلة، المنشقون الذي يمكن أن يحصلوا على دعم من الولايات المتحدة لفرض واقع جديد.
والتوجهات الأمريكية التي أعلنها ترامب في مؤتمره الصحفي بشأن استعداد القوات الأمريكية لعمليات جديدة بعد الإطاحة بالرئيس مادورو وتهديده قادة الجيش الموالين بمواجهة المصير نفسه، ستضع الجيش الفنزويلي أمام خيارين، إما دعم النظام القائم حاليا بما يعنيه ذلك من احتمالات تعرضه لعمليات قصف جوي وربما حرب برية مع القوات الأمريكية، أو الاستجابة للضغوط بإعلان نهاية حقبة مادورو وبداية حقبة سياسية جديدة تديرها الولايات المتحدة وتجنب البلاد الحرب.
وكلا الخيارين سيكونان مرهونين بمدى تماسك النظام وقدرته على الصمود وصناعة تحولات جديدة تكسبه تعاطف المجتمع الدولي والحلفاء، ومدى قوة الموقفين الروسي والصيني وما إن كانا سيكتفيان بالإدانة والمراقبة للتطورات أم ستقدمان الدعم لما تبقى من نظام مادورو لتمكينه من الصمود امام العاصفة الجديدة.
وفقا لذلك يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات مرجحة في الأيام القادمة، الأول: يقضي بحصول انتقال للسلطة بالتفاوض وهو الأكثر ترجيحاً سياسيا، استنادا إلى وجود تفاهمات سرية أو ضغوط تمارسها واشنطن حالياً على القادة العسكريين في الجيش الفنزويلي، بحيث تتولى نائبة مادورو السلطة مؤقتاً، لإدارة مفاوضات مع المعارضة تُفضي إلى انتخابات مبكرة برعاية دولية مقابل منح الحصانة للقيادات العسكرية الحالية لتجنب ملاحقتهم قضائياً مثل مادورو.
والسيناريو الثاني المرجح هو حصول تفكك سريع أو انهيار شامل للجيش كنتيجة لتداعيات الصدمة التي أحدثها اعتقال مادورو وحملة الضغوط الأمريكية القوية على الحكومة وقادة الجيش والتي قد تؤدي إلى موجة انشقاقات واسعة في الصفوف المتوسطة والصغيرة من الجيش، وهروب كبار المسؤولين إلى دول حليفة، ما سيقود بلا شك إلى انهيار مؤسسات الدولة بشكل كامل وبالتالي فرض الولايات المتحدة رؤيتها لحكم فنزويلا.
غير بعيد عن ذلك حصول انقلاب داخلي على نظام مادورو بإعلان قادة في الجيش السيطرة الكاملة على البلاد وتقديم قيادة عسكرية جديدة تسعى لتهدئة التوتر مع واشنطن، قبل تسليم السلطة للمدنيين باشراف مباشر من الولايات المتحدة.
السيناريو الثالث، يتمثل باستمرار الجيش بمواقفه المستعدة للمواجهة العسكرية والدفاع عن السيادة وهو أمر سيكون مرهونا بقدرة الجيش الفنزويلي على التماسك دون حصول انشقاقات، وحصول الحكومة الفنزويلية على دعم دولي يمكنها من ممارسة مهامها، وعدم الاعتراف بالمحاكمة التي يخضع لها الرئيس مادورو، مع حشد أطراف دولية أخرى للمشاركة في رسم المشهد السياسي القادم في فنزويلا.
والمؤكد أن أي سيناريو سيكون على ارتباط وثيق بمدى تماسك «هيكل النظام» وقدرته على الصمود، أمام الضغوط الأمريكية، وهي ضغوط ستركز عليها الإدارة الأمريكية خلال الفترة القادمة وستحشد لها موارد مالية ومخابراتية كبيرة كون نجاحها سيجنبها كلفة شن حرب شاملة للإطاحة بنظام مادورو وإنجاز مهمة السيطرة الكاملة على الموارد النفطية.
