“جنوب” المرتزقة يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت نعال الرعاة

من قوارب الهروب الليلية إلى مقصلة الحل:

 

 

قـــراءة
تشريحية في سقوط “الأدوات” وصعود “الوصاية المتصهينة”ا

الثورة / زينب عبدالوهاب الشهاري

لم يكن فجر الجمعة، التاسع من يناير 2026م، مجرد توقيت زمني لحدث عابر في يوميات الحرب على اليمن، بل كان اللحظة الفاصلة التي سقطت فيها آخر أوراق التوت عن “عورة” المشروع الانفصالي، وتكشفت فيها الحقيقة المجردة التي طالما حذرت منها صنعاء: “المحتل لا يصنع وطناً، والمرتزق لا يبني دولة”. فبين قرار الرياض بحل “المجلس الانتقالي” سياسياً، وفضيحة هروب رئيسه عيدروس الزبيدي ميدانياً، تكتمل فصول التراجيديا الجنوبية، حيث يتحول من ادعى يوماً أنه “رئيس” إلى مجرد “طريد” يتسلل في جنح الظلام عبر قوارب التهريب، وتتحول المكونات التي صم آذاننا ضجيجها إلى مجرد “أرشيف” يُلغى بجرة قلم من ضابط استخبارات سعودي. إننا أمام مشهد بانورامي شديد التعقيد، يستدعي تفكيكه لفهم مآلات هذا “الكي الوعي” الذي تمارسه دول العدوان بحق الجنوب، ولماذا قررت الرياض الآن بالذات “حرق” بيادقها القديمة واستبدالها بأدوات أكثر طاعة وخطورة.
تراجيديا السقوط.. الهروب الكبير وإهانة “الكفيل”
لعل أخطر ما في المشهد ليس هروب الزبيدي بحد ذاته، بل “الطريقة” التي أخرجت بها السعودية هذا الهروب إلى العلن. فعندما يخرج المتحدث باسم التحالف، تركي المالكي، ليسرد للعالم بأسلوب التشفي تفاصيل الرحلة المهينة من ميناء عدن إلى “بربرة” الصومالية، ثم “مقديشو”، وصولاً إلى مطار “الريف” في أبوظبي، مع فضح التنسيق مع الضابط الإماراتي “أبو سعيد”، فهو يرسل رسالة سادية مركبة؛ الأولى للزبيدي نفسه مفادها: “أنت مجرد بضاعة مهربة، انتهت صلاحيتها، ونحن من نملك قرار فضحك أو سترك”. والثانية للشارع الجنوبي المغرر به، ليروا “صنمهم” وهو يفر بجلده تاركاً إياهم لمصيرهم المجهول.
هذا السلوك السعودي يكشف عن “عقيدة الاحتقار” المتجذرة في تعامل الرياض مع عملائها، وهو تكرار تراجيدي لسيناريو “الدنبوع” هادي، الذي سُلمت له اليمن على طبق من ذهب، فانتهى به المطاف سجيناً في قصر بالرياض، واليوم يلحق به الزبيدي هارباً عبر البحار، ليثبت التاريخ مجدداً أن “لعنة الخيانة” لا تستثني أحداً، وأن من يبيع وطنه في سوق النخاسة الإقليمي، لا يقبض ثمنه إلا ذلاً وعاراً يلاحقه إلى القبر.
هندسة البديل.. من “فوضى القرية” إلى “عسكرة العقيدة”
إن قرار حل “المجلس الانتقالي” وكافة هيئاته لم يأتِ من فراغ، ولم يكن مجرد رد فعل غاضب، بل هو خطوة مدروسة بعناية ضمن مخطط “إعادة هندسة الجنوب” ديمغرافياً وعسكرياً. السعودية أدركت أن “الانتقالي” بتركيبته المناطقية (الضالع – يافع) وبنزعته الفوضوية، لم يعد صالحاً للمرحلة القادمة التي تتطلب “انضباطاً حديدياً”. لذا، نرى اليوم الدفع بقوات “درع الوطن” و”ألوية العمالقة” إلى الواجهة.
الخطورة هنا تكمن في طبيعة البديل؛ فنحن لا نتحدث عن فصائل سياسية، بل عن “مجموعات سلفية عقائدية” (بقيادة أمثال أبو زرعة المحرمي)، تم تجميع عناصرها من خارج السياق الاجتماعي للجنوب، وتدين بالولاء المطلق للممول المالي (الريال السعودي) وللمرجعية الدينية الوهابية، لا للأرض ولا للقضية. إن السعودية تستبدل “مرتزقة القرية” بـ “مرتزقة العقيدة”، لتضمن ولاءً عابراً للحدود، ولتؤسس لكانتونات عسكرية معزولة يسهل تحريكها بالريموت كنترول لضرب أي حراك وطني مستقبلي، وما الصدامات الدموية الأخيرة في أبين وتنازع الصلاحيات إلا “بروفة” للحرب الأهلية المصغرة التي تريد الرياض إبقاء جذوتها مشتعلة.
البعد الدولي.. “الجنوب” كدرع لحماية “إسرائيل”
لا يمكن لعقل سياسي راجح أن يفصل ما يجري في عدن وحضرموت عن الزلزال الإقليمي المتمثل في “طوفان الأقصى” والموقف اليمني التاريخي المساند لفلسطين. الولايات المتحدة وبريطانيا، ومعهما الكيان الصهيوني، وصلوا إلى قناعة تامة بأن بقاء الجنوب في حالة “السيولة الفوضوية” التي كان يديرها الانتقالي يشكل ثغرة أمنية قد تستغلها صنعاء، أو قد تخرج عن السيطرة.
لذلك، جاء التوجيه الأمريكي للرياض بضرورة “توحيد البندقية” في الجنوب تحت قيادة مركزية واحدة (سعودية)، لإنهاء حالة الشتات، وتشكيل “جيش وظيفي” منضبط تكون مهمته الأساسية والوحيدة: حماية المصالح الصهيونية في البحر الأحمر وباب المندب، وتأمين الممر البري الذي تسعى السعودية لشقه عبر المهرة إلى بحر العرب لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز. إن “حل الانتقالي” وهروب الزبيدي هما قرابين قُدمت على مذبح “الأمن القومي الإسرائيلي”، لتتحول المحافظات المحتلة إلى “منصة متقدمة” للعدوان على اليمن، ولحماية ظهر الكيان المؤقت.
وهم الصراع الإماراتي السعودي.. تقاسم الغنيمة لا تنازعها
قد يظن البعض للوهلة الأولى أن ما حدث هو هزيمة للإمارات وانتصار للسعودية، لكن القراءة المتأنية تشي بغير ذلك. نحن أمام “إعادة تموضع” وتقاسم خبيث للأدوار. الإمارات، التي ورطت السعودية في المستنقع، انسحبت تكتيكياً إلى الخلف، مكتفية بالسيطرة “الناعمة” على المفاصل الاستراتيجية (موانئ عدن والمكلا، جزيرة سقطرى، جزيرة ميون، ومنشآت بلحاف الغازية)، وتركت للسعودية عبء الإدارة اليومية المكلفة ووجع الرأس السياسي والعسكري.
إن التنسيق الذي فضحه المالكي بين الزبيدي والضابط الإماراتي “أبو سعيد” يؤكد أن الخيوط لا تزال متشابكة، وأن الضحية الوحيدة في لعبة الأمم هذه هو “المواطن الجنوبي”؛ الذي يُطحن بين سندان الأطماع الإماراتية في الثروات، ومطرق الهيمنة السعودية على القرار والسيادة.
أكذوبة “الحوار الجنوبي”.. شرعنة الاحتلال تحت عباءة الوفاق
أما الحديث المخادع في بيان الحل عن “رعاية المملكة لحوار جنوبي شامل”، فهو النكتة الأكثر مرارة في هذا المشهد العبثي. فكيف لقاتل أن يرعى حواراً بين ضحاياه؟ وكيف لمحتل يقتطع أراضي حضرموت والمهرة أن يكون وسيطاً نزيهاً؟
إن ما تحضّر له الرياض ليس حواراً وطنياً، بل “حفلة مبايعة” جديدة على غرار مؤتمر الرياض سيء الصيت، تهدف من خلالها إلى “غسل” وجوه عملائها الجدد، وإضفاء صبغة شرعية زائفة على وجودها العسكري، وتمرير مشاريع التقسيم والأقلمة التي رفضها الشعب اليمني بدمائه. إنه حوار لتوزيع الحصص بين اللصوص، وليس لاستعادة الحقوق.
الخاتمة: اللحظة الحقيقة والرهان الوحيد
اليوم، وبعد أن سقطت كل الأقنعة، وفرّ “الزعيم” المزعوم بجلده في قارب ليلي، يجد أبناء المحافظات الجنوبية أنفسهم أمام الحقيقة العارية التي لا تقبل التجميل: لقد تم بيعهم في مزاد المصالح الدولية، واستُخدموا كوقود لمعارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
إن الدرس القاسي الذي سطره الزبيدي بهروبه، وقبله هادي بخنوعه، يؤكد أن لا كرامة لمرتزق، ولا عهد لمحتل، ولا أمان لمن يرتمي في أحضان الأجنبي. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تتجه الأنظار نحو صنعاء.. القلعة التي رفضت أن تبيع قرارها، أو ترهن سيادتها، أو تساوم على مبادئها. إن الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الجنوب هو الكفر بهذه الأصنام الوظيفية، والعودة إلى “المشروع الوطني الجامع” الذي يحفظ لليمن سيادته، وللأرض كرامتها، وللإنسان حريته. فما حدث في عدن ليس نهاية المطاف، بل قد يكون بداية “صحوة الوعي” التي ستكنس المحتل وأدواته إلى مزبلة التاريخ، حيث يقبع الخونة والهاربون.

قد يعجبك ايضا