الثورة نت
موقع صحيفة الثورة الرسمية الأولى في اليمن، تصدر عن مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة صنعاء

الوحدة باقية ومشروع التفكيك إلى زوال

افتتاحــــــــــــــــية الثـــــــــورةِ


منذ الاستقلال الوطني الذي أنجزه الثوار في عدن في 30 نوفمبر 1967، والحركة الوطنية تناضل من أجل تحقيق الوحدة اليمنية ، وقد ظلت الزعامات الوطنية تسعى لحقيق هذا الحلم الكبير ، في المقابل ظلت قوى وأدوات الاستعمار التي تملك المال والثروة تحبط كل تلك الجهود، فبقي التشطير قائما ضمن صيرورة المشروع الاستعماري ونفسه الطويل ، ليلتئم اليمن شماله وجنوبه في 22 مايو 1990 في إنجاز مثّل تحولا كبيرا ، أعاقت مفاعيله الحسابات السلطوية للقوى التي حكمت حينها.
وقد كانت الوحدة اليمنية خلاصة المشروع الوطني المتراكم على مراحل وتتويجا لنضال وطني طويل ، والوحدة هي إحدى تعريفات الهوية الوطنية الواحدة ، وهي إحدى أدوات القوة التي تخشاها مشيخات الخليج المتخلفة سياسيا والمتردية أخلاقيا وإنسانيا ، والوحدة اليمنية هي أهم ركائز النضال في مواجهة الاحتلال والغزو الأجنبي فلن يكون اليمن حرا إلا وحدويا ، ولن يكون وحدويا إلا حرا مستقلا عن الإرادات الخارجية.
غير أن حرب 94 التي مولتها السعودية ودفعت إليها أوجدت نتوءات وجروح في ما أنجزه اليمنيون في الثاني والعشرين من مايو 1990م ، وعقبات أمام تجذير عرى الوحدة السياسية الراسخة اجتماعيا وثقافيا ونضاليا ، إذ يروي الصحفي الراحل الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل عن أحد ملوك السعودية بأن والدهم، أي الملك عبدالعزيز أوصى أبناءه ، وهو على فراش الموت، قائلا “احذروا من يمن موحد، فهذا خطر عليكم وعلى المملكة” ، وأضاف، إلى ذلك، قول الملك المؤسس لأبنائه الأمراء المتحلقين حوله “عليكم أن تتذكروا دوما أن ضمان رخائكم مرهون ببؤس اليمن”.
روى محمد حسنين هيكل، هذه الشهادة سنة 1994 في سياق زمني مناسب، ضمن مقال كتبه حينها، عن حرب صيف 94، لصحيفة “يابانية” شهيرة ، واليوم تواجه الهوية الوطنية الواحدة والكيان الوطني الواحد أخطر تحد إذ تخضع أجزاء واسعة منها -عدن الباسمة وحضرموت والمهرة وسقطرى ولحج وأبين وجزر اليمن ومياهه- ليس لإرادة يمنية، ولكن لإرادة خارجية ، حيث تدار تلك الأجزاء من خارج الوطن وعبر مرتزقة تجندوا في صفوف الأجنبي البغيض ، ومواجهة الوضع السائد اليوم يتطلب بدرجة أساسية، لغة وطنية جامعة وخطاباً وطنياً أوسع من لغة المناطق والمذاهب والقبائل والجهات والأحزاب والكانتونات.
مصدر هذا الخطر هي الكيانات الوظيفية في الخليج التي تتجنّد للمشروع البريطاني الأمريكي الذي يعتمد على قاعدة (فرّق تسد) في احتلال اليمن لقد حارب الملوك السعوديون اليمن وهي ملكية، ثم حاربوها جمهورية، وتصدوا لها جنوبية وشمالية، وموحدة ، ولم تكن السعودية إلا ممزقة ومفككة لهذا البلد وخصما لوحدته وألفته واستقراره وحريته واستقلاله ، ففيم كانت الحركة الوطنية تسعى ليمن مستقل وحر وموحد كانت السعودية على الجانب الأخر تشعل الحروب وتضع الإعاقات في طريق أجيال حركة التحرر الوطنية، سواء في الشمال أو الجنوب، فقد وقفت السعودية دائما على الضد في وجه أي تحول يجري في اليمن ، حتى شنت أبشع الحروب في 26 مارس 2015 م ، على اليمن.
قبيل شن الحرب العدوانية على اليمن في مارس 2015 جاء في كلمة تنصيب الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز ، هذه الجملة القطعية الحاسمة “إن المملكة لن تحيد عن النهج القويم الذي رسمه لها الملك عبدالعزيز” ، وإذا كان هذا التأكيد من ملك لبلد لا يحكمه نهج دستوري ولا تقاليد ملكية حديثة، فإن النهج القويم الذي قصده سلمان هي وصية والده “احذروا يمنا موحدا”
يراجع الملوك المتعاقبون، أبناء الملك عبدالعزيز، وصية والدهم دائما، ويحتكمون إليها، ليس فقط كالتزام يضبط الضمير الأخلاقي للعائلة المالكة، ويستأنسون بها، ولكن الأهم من ذلك؛ كاستراتيجية ثابتة يحكمون بها، وكـ”يقين” وتلك هي بذرة الشر وأساس العداء السعودي لليمن شعبا وبلدا وحضارة وتاريخ وهوية.
لقد صارت الوحدة اليمنية بعد نضال طويل من أجيال الحركة الوطنية تاريخا حافلا ومليئا بالتضحيات والقيم والثقافات وصارت من الثوابت الوطنية ، وهي القيمة التي يتكئ عليها اليمنيون في تحديات وجودهم ، وقد استهدف العدوان الأمريكي السعودي بالدرجة الأولى هذه القيمة التي ترسّخت في الوعي والضمير والوجدان والقلوب والجغرافيا ، ما يحتم على اليمنيين الحفاظ على هذه الوحدة كمكتسب وطني مصيري يندرج ضمن الحق الأصيل لهذا الشعب العظيم ، ويقتضي من كل اليمنيين من المهرة إلى صعدة ومن ميدي إلى عدن الحفاظ على التراب الوطني ووحدة الكيان.
منذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة، على يد عبدالعزيز آل سعود، وجغرافية هذا الكيان الاستعماري الناهض من وسط صحراء الجزيرة العربية، يتمدد ويتسع ومنذ ذلك الحين عصفت باليمن عشرات الحروب والنزاعات، وظلت بائسة طوال العهود ، لم تستقر اليمن في عهودها الملكية ولا في العهد الجمهوري ، ومن المعلوم انها تؤدي هذا الدور التخريبي والتفكيكي لصالح بريطانيا التي لم تنهزم في الستينيات إلا حين توحد الثوار والمناضلون من الشمال والجنوب في سياق المعركة الوطنية (تحرير الوطن وتوحيده) وتدافعت موجة الحركة النقابية والاتحادات والأحزاب في سياق هذا المشروع.
سعى الرئيس المقدم إبراهيم الحمدي والرئيس سالمين إلى توحيد اليمن في كيان وطني واحد ، لكن السعودية قررت التخلص من الرئيس الحمدي في “صنعاء” ، بالموازاة الزمنية نفسها التخلص من الرئيس “سالمين” في “عدن” ، وعلى الإثر بدأت مرحلة جديدة، ملتهبة بين اليمنيين جنوبا وشمالا كانت السعودية فاعلا أساسيا في إضرام نار الحرب بين أبناء الوطن الواحد وتأجيج الاقتتال الداخلي بين الشطرين من خلال دعمها لما عرف بـ”الجبهة الإسلامية” التي أنشأها الإخوان المتأسلمون ، في مواجهة الجبهة الوطنية التي سعت إلى توحيد اليمن منذ الوهلة الأولى.
ومع اشتعال الحروب الشطرية كانت السعودية تغذي لغة التحريض على العنف واستنهاض الهويات المناطقية والفئوية والشطرية ، على الضد من وعي الهوية الوطنية الجامعة التي كانت وما زالت رغم ذلك توحد الوجدان الرسمي والشعبي لليمن ، وحين توقفت الحرب ظلت السعودية تعبث بالهوية الوطنية من خلال المعاهد التي أنشأتها للإخوان والقوى السلفية التكفيرية المدعومة من قبل هيئات رسمية وغير رسمية سعودية، واستمرت هذه المملكة المارقة في نهجها التجريفي حتى اليوم.
وكان من الملاحظ أن اليمن التي افترقت بنادقها بفعل الانقسام وتركت السلاح في 22 مايو 1990، وذهبت إلى الوحدة قد أزعج السعودية ، استنادا إلى منطق الوصية “احذروا يمنا موحدا”، وقد عبرت عن رفضها لهذا التحول، من خلال سياساتها أولا، وأيضا من خلال دفعها لتحالف القوى الرجعية التي قادها عفاش والزنداني بالتآمر على الوحدة منذ عشية إعلانها التاريخي، وانفجرت حرب صيف 1994، لتجد المملكة نفسها في خندق الانفصال وفي خندق تدمير وتقويض الوحدة في آن ، هي بالمعنى ضد يمن موحد ، وعلى طول مراحل التحولات الكبيرة التي شهدتها اليمن، كانت تعترض وتواجه التحولات الوطنية كما عملت في مواجهة ثورة 21 سبتمبر ، غير أن الثابت من جهة اليمن أن هذه السياسة السعودية تلتزم بنص الوصية لملكها المؤسس ، غير أنها ودوما كانت تنهزم أمام تصميم اليمنيين وإرادتهم، بل أمام قانون حركة التأريخ.
يظل اليمن هو القلب الديمغرافي لشبه الجزيرة العربية، وفقا لـ”روبرت كابلان”، وحتى لو صار الخوف الذي تضمنته وصية الملك السعودي مبدأ أصيلا من مبادئ سياسة هذه المملكة المارقة تجاه جارها الجنوبي فإن اليمن لم تعد معنية بارتدادات هذه الهواجس الخائفة ، بل هو اليوم يعصف بتاريخ طويل من المؤامرات السعودية والحروب والإعاقات في طريق الوحدة والحرية والاستقلال ويواصل اليمنيون معركتهم حتى التحرر والاستقلال والوحدة.
سيبقى اليمن كهوية سياسية وكجغرافيا وأمة وشعب وتاريخ هو اليمن الواحد الموحد ، والمؤكد أن الشعب اليمني اليوم لا يمكنه التفريط في مكتسباته وفي ثوابته الوطنية ووحدته المقدسة واستقلاله المنشود وحريته الأصيلة ، فتلك قيم صار المساس بها بالنسبة لليمنيين في مستوى المسِّ بالكرامة الشخصية .. والله غالب على أمره.

قد يعجبك ايضا