لن يضرونا إلا أذى

يكتبها اليوم / عبدالرحمن مراد


يقول الله تعالى في سورة آل عمران ” لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُون ” (آية 111) في هذه الآية ثلاث محددات، أصبحنا في اليمن نعي تفاصيلها ونعيش معانيها بكل تجرد وصدق، فالتحالف الذي عاد إلى قصف صنعاء بهستيريا وجنون لم يُحدث في حياتنا إلا أذى أصبحنا نراه في حكم العادة التي خامرتنا على مدى ثمان سنين أو تزيد من التآمر والأذى.
نحن منذ عقود نخوض معركة وجود مصيرية ونحمل يقينا مطلقا بالانتصار فيها، وإن طال زمنها، فالحق قد يبدأ أنينا ووجعا، ولكنه ينتهي بزئير ملؤه نقم، وقد قالت الأيام ذلك لمن ألقى السمع أو كان بصيرا، فحين بدأ العدوان في شن غاراته، لم نكن شيئا مذكورا، وبعد ثمان سنين أصبحنا نستطيع الدفاع والوصول إلى عقر دار الطائرات التي تقصفنا ليل نهار دون اكتراث، وفي تحد صارخ للقوانين وحقوق الإنسان، وكأن دماء أهل اليمن أصبحت هدفا مستباحا للمجتمع الدولي وللقوانين الدولية التي تستيقظ، إذا مارس أهل اليمن حق الدفاع المشروع عن أرضهم وعرضهم، ولكنها قد تغط في نوم عميق، إذا قصف العدوان المدن والمساكن واستهدف المواطنين المدنيين الآمنين في بيوتهم ومساكنهم. لم نسمع تنديدا واحدا بجرائم العدوان القديمة ومن المحال أن نسمع عن جرائمه الجديدة، وقد قتل الأسر الآمنة في بيوتها، ومارس طغيان الإبادة الجماعية، فأسرة آل الجنيد لم ينج منها سوى طفلة صغيرة، ومثل ذلك قد حدث من قبل، فسكت العالم، ولكنا سمعنا صراخ العالم حين رددنا دفاعا عن أنفسنا .
أصبح العالم من غير معيارية أخلاقية ثابتة، ولذلك، فهو يستهلك المبادئ التي كان يحكم العالم بها، فالنظام الدولي الجديد يفت في عضد المبادئ التي كانت معيارا يستطيع من خلالها حكم العالم وتنظيم مساراته حتى يكون خاضعا لمصالحه، وبالتالي نستطيع القول “إن اليمن تنتصر وفق وعد الله وسننه وفطرته التي جاء بيانها بكل جلاء ووضوح في سورة آل عمران، فالضرر لن يكون إلا أذى، وسوف يولون الأدبار ثم لا ينصرون .
لقد أصبح الأمر بينا واضحا لكل ذي لب وعقل يستطيع التدبر والتفكر في قوانين الله في محكم الذكر المبين، ولا عزاء للذين غرهم بالله الغرور وأعجبهم زخرف القول وظنوا شركا أن الباطل سوف ينتصر على الحق، وقد جاءتهم آيات الله وكانوا من المعرضين عنها وعن تدبرها.
اليوم، نستطيع أن نقول ما قاله الصماد لهم في سالف الأيام والأعوام، ليس لدينا ما نخسره، فقد قصفوا الحجر والشجر والبشر، ولم نعد نملك من المقدرات سوى الكرامة الوطنية، ومن المستحيل على أهل اليمن التفريط فيها، وسيظل أهل اليمن يقاتلون حتى ينالوا إحدى الحسنين: إما النصر، أو الشهادة، فهم على اتساق تام مع مبادئ أهل بيت النبوة في ذلك اتساقاً ثقافياً وتاريخياً، ولمن لا يعرف أهل اليمن عليه أن يقرأ تاريخهم في جاهليتهم وفي إسلامهم حتى يدرك هذه الحقيقة التي لا مراء فيها ولا ريب أو شك .
لن يمر قصف صنعاء دون رد رادع يشفي قلوب قوم مؤمنين، وقد قرأنا في منصات التواصل الاجتماعي – حين أرسلت صنعاء رسائل التحذير إلى دبي وأبو ظبي – تفاعل الناس وقرأنا في تغريداتهم ومنشوراتهم التفاعلية فرحا عارما، وكان هناك إجماع غير مسبوق من المناصرين لصنعاء، ومن أعدائها بتأييد الضربة التي هشمت أنوف بدو الصحراء، ونالت من كبرياء من يقف وراءهم من الصهاينة والأمريكان وغيرهم، حتى أصبح طيرانهم يمارس جنونا وتخبطا وقلقا نفسيا ووجوديا قرأناه في ردود أفعالهم التي تفتقر إلى أبسط الأسس في التفاعل الأخلاقي التي يتوافق الكل على ضوابطها في الحروب .
قصف الأحياء السكنية يندرج ضمن جرائم الحروب التي لن تسقط بالتقادم وهو ليس تعبيرا عن القوة، بل يدل على السقوط القيمي والأخلاقي ولن يحقق للإمارات نصرا ولا للسعودية، بل سوف يعمل على إعادة رسم الخارطة وتموضع القوى الإقليمية وتحديد مراكز القوة في المنطقة، وهو بذلك سوف يقضي على أوهام الرمال الصحراوية في الحضور والتمكين، وفي المركزيات الاقتصادية والسياسية التي ظنوا – من خلال نشاطهم العسكري – أنهم قادرون على صياغتها في الجزيرة والخليج وفي خارطة الشرق الأوسط، الذي أرادوه جديدا، لكن لن يكون جديدا، وفق ما أرادوه.. بل جديد وفق ما تمليه حركة المقاومة الإسلامية، ومصالح محور المقاومة ومن بعدهم القوة الاقتصادية الجديدة البازغة من بين أنياب التنين الصيني وتحالفاته الجديدة مع الروس، فالصراع اليوم يسير في مسار واحد وهو تفكيك أسس النظام الدولي القديم الذي تشكل بعد انهيار النظام الاشتراكي عام 90م، وأصبح متفردا في صناعة العالم وفي إدارة مصالحه .
اليوم، النظام القديم الممثل بالدول الصناعية الكبرى الست يخوض صراعا جديدا يسعى من خلاله للحفاظ على مكتسباته القديمة، لكن الأمر بدأ يفلت من يده بدليل القدرة للبازغ الجديد على فرض أجنداته، فالصراع بين الاتحاد الأوربي والروس على الطاقة والتحكم بها وممارسة الضغوط بالتنسيق مع الصين يجعل المعادلة غير متوازنة مع مصالح النظام القديم، بل يفرض حالة توازن جديدة، وحالة تموضع جديدة لحركة المصالح الدولية، وهو بذلك يعيد صياغة النظام الدولي بما يتسق ومصالح الكل .
قد يكون نالنا – نحن في اليمن – أذى كثيرا، لكن ذلك الأذى لا نراه إلا صهرا، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، فنحن حملنا منذ ثورة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام همّ التحول في مسارات الأمم وذلك قدر الله لنا، و هو قدر صاحبنا منذ فجر التاريخ، فقد كانت اليمن كدولة ذات عمق تاريخي وحضاري تسابق الأمم إليه مع كل رسالة سماوية تحمل حركة تحولية في مسارات البشرية .
ولذلك لن يستطيع التحالف – مهما تكالب علينا – أن يغير في سنن الله في كونه، ونحن في اليمن واثقون من قول الله تعالى ” ثم لا ينصرون”.

قد يعجبك ايضا