سياسة الإغراق واستراتيجية دعم المنتج الوطني الصناعي والزراعي

د. يحيى علي السقاف

 

 

إن سياسة إغراق الأسواق المحلية بالمنتجات المستوردة تزداد بشكل مضطرد سنوياً دون تدخل فاعل أو وضع قوانين تنظم عملية الإدخال للبضائع التي لا تجد من يردعها أو يخضعها إلى أدنى درجة معمول بها من قوانين الفحص والسيطرة النوعية، ومفهوم الإغراق يرتبط بجانب الأسعار حيث أن الإغراق هو قيام منشأة ما ببيع سلعة في الأسواق الأجنبية بسعر أقل من بيعه في الأسواق المحلية، أما الجانب الثاني فهو مرتبط بالتكاليف حيث يمكن الادعاء بوجود حالة إغراق إذا تم بيع سلعة في الأسواق بسعر أقل من تكلفة إنتاجها.
وهنا يجب وقف الإغراق غير العادل للشركات الأجنبية وذلك بفرض ضريبة على الواردات ويطلق عليها (ضريبة مقاومة الإغراق) علماً بأن سياسة الإغراق السلعي ظاهرة ذات أبعاد خطيرة على الاقتصاد الوطني؛ لذلك يتوجب أن تتصدر مهام الدولة حالياً خطط وبرامج عمل قصيرة وطويلة الأمد للحد منها علاوة على ضرورة دعم الصناعة الوطنية من خلال تشجيع الدولة للمؤسسات والشركات والقيام بشراء سلعها ودعمها وبيعها للمستهلك بأسعار مخفضة وأسعار جيدة الأمر الذي يتطلب تكاتف جميع الجهود للتصدي لهذه الظاهرة حيث أن وزارات الصناعة والتخطيط والزراعة هي المعنية أولاً لأن سياسة الإغراق السلعي في معظم أسواق البلدان النامية ومنها السوق اليمنية كانت السبب الرئيسي في تدمير الإنتاج الصناعي المحلي وزيادة في أعداد العاطلين عن العمل.
لذلك يجب التركيز على أهم الطرق والوسائل التي يمكن من خلالها التوصل إلى وضع آليات حمائية لقطاعاتنا الاقتصادية من الإغراق السلعي وإيجاد الأطر التشريعية والقانونية التي من شأنها النهوض باقتصادنا وحماية المنتج المحلي وتحقيق منافسة عادلة بما يعزز آليات السوق، ومن خلال الاطلاع على تجارب الدول في هذا المجال وبناء ثقافة وطنية وبالشكل الذي يجعل المواطن اليمني يسهم في عمليات التنمية بجميع أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيث أن الطرح المعرفي النظري والتحليلي لهذا الموضوع يسهم في تكوين رؤية موضوعية لدى الباحثين والمهتمين في الدولة عن السبل الكفيلة بحماية القطاعات الاقتصادية من الإغراق السلعي
وإذا كان البلد يعاني من محدودية الصناعات فيه أو أن إنتاجه متخصص في إنتاج المواد الأولية ويتسم قطاعه الصناعي بضآلة مساهمته في تكوين الناتج القومي فإن أدوات السياسة التجارية قد تكون وسائل مناسبة لتشجيع قيام الصناعات كما هو الحال في العديد من البلدان النامية وتكررت دعوات الحد من سياسة الإغراق السلعي التي تتعرض لها الأسواق المحلية، وعدها المعنيون وأصحاب المعامل والشركات ورؤساء الاتحادات المهنية وعدد من الأكاديميين من أبرز العوامل التي تستهدف القطاعات الإنتاجية لحرمانها من قوة التنافس.. فيما اعتبرها البعض سياسة تهدف إلى تدمير الإنتاج الوطني وتقويض مرتكزاته وإفشاله وشل قدراته التنافسية، إذ تشهد السوق اليمنية فوضى تجارية نتيجة للإغراق السلعي غير المدروس وغير المسيطر عليه، وتتدفق البضائع والسلع من أغلب المنافذ الحدودية للبلد ومن مختلف دول العالم.
ومن المعروف أن الصناعة من القطاعات المهمة والبالغة الأهمية، وعليه فالاهتمام بها يكتسب أهمية فائقة، فإذا تمكن البلد من تفعيل الواقع الصناعي فسوف يتجه إلى التقليل من استيراد السلع وخاصة ذات المواصفات الرديئة منها، ولا بد من الاعتراف بأن الواقع الحالي للصناعة اليمنية مؤلم وخاصة لمعامل وشركات القطاع الخاص التي حاولت العودة للإنتاج بعد أن تعرضت للتدمير الممنهج من العدوان الغاشم والحصار الجائر الذي يشن على بلدنا منذ ست سنوات إلا أنها واجهت مصاعب كبيرة مما اضطرها للتراجع والعجز عن إيجاد الحلول.
ويمكن تلخيص الأبعاد الاقتصادية للواقع الحالي للنشاط الصناعي في جوانب عدة، أهمها: التأخر في توفير الدعم المالي للشركات الصناعية لتمكينها من إطلاق عملية تطوير وتحديث شاملة وإعادة تأهيل عمالة وتطوير البنية التحتية، ومن قبل لم ترصد في الموازنة أموال كافية لإعادة تشغيل المعامل وتأهيلها وغابت السياسات الحمائية النسبية للصناعات من الاستيراد غير المنظم للسلع والبضائع الأجنبية.
كما غابت التشريعات والقوانين التي تضمن حقوق الملكية الفكرية من الاختراعات والابتكارات، مما أضعف دور القطاعين العام والخاص ومساهمتهما في المشاريع الاقتصادية والتنموية، وإن تفعيل دور السياسة التجارية ضد حالات الإغراق للسلع والمنتجات الزراعية في اليمن، يقضي بتبني سياسة تجارية ثابتة لحماية الإنتاج الزراعي المحلي من منافسة المستورد والسماح بنسبة استيراد تفي بتغطية عجز الإنتاج المحلي وكما هو معمول به في الكثير من البلدان المجاورة فضلاً عن فرض شروط مواصفات صحية في المنافذ الحدودية اليمنية، كما أن تفعيل آليات العمل في القطاع الزراعي تحتل أولوية كونه القطاع المسؤول عن الأمن الغذائي للبلاد، فمن الضروري معالجة المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع الحيوي بغية. إنتاج المحاصيل التي تدخل في صلب احتياجات المواطن اليومية والوصول إلى الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية وخاصة الاستراتيجية منها، وبذلك نقلل من الاعتماد على المحاصيل المستوردة التي غصت بها الأسواق اليمنية، فارتفاع تكاليف الإنتاج وقلة المياه، هي من جملة الأسباب التي تعيق انطلاق هذا القطاع في نظر الخبراء الزراعيين، كل هذه العوامل أسهمت في التراجع الواسع للإنتاج الزراعي وأصبح المستورد من جميع المواد الغذائية يُشكل غالبية البضائع في السوق اليمنية.
ومن التوصيـات التي يجب العمل بها هي إنشاء أو تفعيل العمل بقانون حماية المنتجات المحلية انسجاماً مع المتغيرات التي طرأت على الاقتصاد اليمني وفتح الأسواق أمام التجارة العالمية ولغرض بناء صناعة وطنية ولتفادي حدوث ضرر قد يلحق بها من الممارسات الضارة من سياسات إغراق الأسواق بالمنتجات أو الزيادات غير المبررة في الواردات أو المنتجات المستوردة التي تدعمها الدول المصدرة بما يؤدي إلى فقدان شروط المنافسة العادلة؛ لأجل ذلك يجب تقديم مشروع قانون حماية المنتجات المحلية والعمل على توفير التمويل اللازم للمستثمرين الصناعيين بشروط ميسرة لأغراض التأسيس والتطوير والتوسع سواء من خلال أسعار فائدة منخفضة وتمديد فترة التسديد للقروض الممنوحة لهم وتوفير الضمانات اللازمة للقروض من قبل الحكومة وخاصة للصناعات الصغيرة والمتوسطة وكذلك العمل على دعم القطاع المختلط في اليمن لما يمتلكه من خبرات وقدرات صناعية مهمة تراكمت على مر السنين سيما وأنه يمثل مجالاً للتعاون بين القطاعين العام والخاص والاهتمام بمستوى الجودة والنوعية للصناعات اليمنية من خلال دعم وتطوير الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس ومن خلال التنسيق والتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والصناعات الوطنية ووضع استراتيجية محددة وواضحة للتنمية الصناعية والزراعية.
وذلك جزء من استراتيجية عامة للتنمية الاقتصادية، تستهدف إعادة بناء الصناعة وتأهيلها وتطويرها بما يعزز دورها في عملية التنمية الاقتصادية، مع إعطاء دور فاعل للدولة في هذا المضمار إلى جانب القطاعين الخاص والمختلط، ووضع سياسات صناعية وإجراءات مناسبة لغرض دعم وتشجيع النشاط الصناعي بما يؤمن النهوض بواقع الصناعة وتنميتها ورفع كفاءتها، وتفعيل دور دائرة التنظيم والتطوير الصناعي في وزارة الصناعة بهدف إجراء التدابير لمواجهة الممارسات الضارة.
ومن جملة السياسات التجارية المطلوبة، هي اللجوء إلى وسائل حماية الصناعة الوطنية من المنافسة الأجنبية وخصوصاً في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها الصناعة اليمنية وذلك من خلال فرض الرسوم الجمركية المناسبة على السلع المستوردة والمنافسة للإنتاج المحلي وبما في ذلك القيود الكمية على المستوردات في بعض الحالات لكي تتمكن الصناعة الوطنية من الوقوف على قدميها وتغطية تكاليف إنتاجها المرتفعة وتحقيق مستوى مقبول من الأرباح وتقديم المحفزات المالية بأشكال مختلفة وبما يتناسب مع حاجة الصناعات المختلفة وأهميتها للاقتصاد الوطني ودعم إمكانياتها على التصدير.

قد يعجبك ايضا