بقاع رمادية في جسد الوحدة

 

العدوان السعودي البريطاني الأمريكي على اليمن غداة قيام ثورة 12 سبتمبر 2014 ، يستهدف القضاء على هذه الثورة ومضامينها ، من خلال استقطاب دعم ومشاركة كافة القوى الرجعية والانتهازية التي ارتكبت جرائم بحق الوطن على امتداد القرن العشرين والألفية الثانية من التاريخ الحديث لليمن ، الأمر الذي يضع مواجهة مخاطر العدوان في صدارة حركة التحرر الوطني اليمنية دفاعا عن الوحدة والسيادة والاستقلال في المرحلة الراهنة ، بعيدا عن المراهقة السياسية والأوهام العقائدية والكسل الذهني والعُصاب الكهنوتي والمراهنة على الاستقواء بالأجانب ، مع عدم التفريط بالمصالح الوطنية العليا للشعب اليمني.
شعبنا اليمني أنجز تحرره الوطني من الاستعمارين العثماني والبريطاني ، ومن لصوص وخاطفي الجمهورية والوحدة قبل وبعد العدوان السعودي الأميركي على اليمن.. بيد أنّ هذه الحرية التي تعمدت بالدماء والتضحيات الجسيمة لم تكن مكتملة.. والذين يقولون بغير ذلك منافقون.. لأننا كنا نمارس إرادة الكفاح من أجل الوحدة والحرية في ظل واقع متخلف وعالم مضطرب، وحضارة مأزومة.. ولذلك فقد كان طبيعياً أن يفتقد كفاحنا التحرري كثيراً مما كان يفتقده واقعنا وعالمنا وحضارتنا من مبادئ وقيم الحرية والشراكة.

تأتي الذكرى السنوية الثلاثين لإعلان قيام الجمهورية اليمنية الموحدة في 22 مايو 1990م، وسط طروف معقدة ذات تداعيات ملتبسة ، بدأت عشية وغداة التوقيع على اتفاقية الوحدة في عدن مساء يوم 29 نوفمبر1987م ، مرورا بحرب 1994 التكفيرية الظالمة وقيام وحدة 7/7 الإلحاقية التي شكلت انقلاباً عسكرياً مكتمل الأركان على وحدة 22 مايو 1990م، ثم ألحقت أضراراً مدمرة بالوحدة على الأرض والوعي الاجتماعي ، انتهاءً بالعدوان السعودي الغاشم على اليمن ، والذي انخرطت فيه قوى ونخب وأوليغارشيات متناقضة ، بهدف مصادرة سيادة واستقلال البلاد ، وصولا إلى تفكيك وتقسيم البلاد إلى كانتونات ممزقة ومتناحرة ، بعد وضعها تحت الوصاية الإقليمية والدولية..!!

أحمد الحبيشي

ولعل ما يجري في الجنوب المحتل من صراع واحتراب بين مشاريع غير وطنية، دليل على صحة ما كتبناه قبل وبعد العدوان السعودي حول ضرورة إزالة الآثار المدمرة لحرب 1994م، وتخليص الوحدة والجمهورية والسلطة والثروة من براثن الأوليغارشيات والنخب السياسية والطائفية والمتكلسة القديمة التي تاجرت طويلا بالشعارات الوطنية والوحدوية، ثم ارتمت في نهاية المطاف إلى أحضان دول العدوان والاحتلال.
من هذا المنطلق كان موقفي واضحاً وعلنياً في دعم ثورة 21 سبتمبر 2014م العظيمة، لأنها شكلت محطة تاريخية مهمة في مسار تطور الكفاح التحرري الوطني لشعبنا اليمني العظيم، حيث يقع على عاتق هذه الثورة واجب تصحيح كافة الأخطاء والانحرافات التي شوّهت مسار الحركة الوطنية اليمنية بعد تحرير الوطن من نير الاحتلال الاستعماري العثماني والبريطاني في القرن الماضي.
ولا ريب في أن العدوان السعودي البريطاني الأميركي على اليمن غداة قيام ثورة 21 سبتمبر 2014م، يستهدف القضاء على هذه الثورة ومضامينها، من خلال استقطاب دعم ومشاركة كافة القوى الرجعية والانتهازية التي ارتكبت جرائم بحق الوطن على امتداد القرن العشرين والألفية الثانية من التاريخ الحديث لليمن، الأمر الذي يضع مواجهة مخاطر العدوان في صدارة حركة التحرر الوطني اليمنية دفاعا عن الوحدة والسيادة والاستقلال في المرحلة الراهنة، بعيداً عن المراهقة السياسية والأوهام العقائدية والكسل الذهني والعُصاب الكهنوتي، والمراهنة على الاستقواء بالأجانب، مع عدم التفريط بالمصالح الوطنية العليا للشعب اليمني.
الوحدة في مواجهة أيديولوجيا التشطير
انطوى الخطاب السياسي الوحدوي للحركة الوطنية اليمنية قبل وبعد قيام ثورتي 26 سبتمبر و 14 أكتوبر، وقبل ظهور الدولتين الشطريتين، على قدر كبير من التبسيط والدوغمائية على نحو ما تجسد في بعض الأطروحات السياسية والنظرية بصدد الوحدة اليمنية وسبل تحقيقها خلال السبعينيات والثمانينيات.. وقد استند جزء كبير من تلك الأطروحات إلى قاعدة من التصورات النظرية التي تم نقلها من مراجع خارجية وإسقاطها بصورة تعسفية على الواقع اليمني.
ولا نبالغ حين نقول إن المجتمع اليمني شهد منذ ظهور الدولتين الشطريتين في منتصف القرن العشرين، نوعاً من الاستقطابات الآيديولوجية المحمومة، ما أدى إلى كبح تطور العملية الثورية المعاصرة التي مرت بمخاض عسير وغير طبيعي، نتجت عنه تشوهات واختلالات في الوعي السياسي لأقسام واسعة من الناس بسبب التشوهات الآيديولوجية التي اشتركت – برغم تنافرها – في موضوعة واحدة ترى أن الوحدة اليمنية لا يمكن تحقيقها بين نظامين متمايزين بدون إسقاط أحدهما وتعميم النموذج الآخر!!
ألحقت تلك الاستقطابات أضراراً كبيرة بمسار العملية الثورية المعاصرة في اليمن، حيث انتعشت النزعات المعادية للديمقراطية والحداثة تحت تأثير البنى التقليدية الداخلية والتدخلات الخارجية والاقليمية، فيما شكلت الدعوة الى الأصولية السلفية بيئة مثالية لمعاداة الديمقراطية والحداثة، ومصادرة الدور النقدي للعقل، ومحاصرة منابع التنوع الفكري في المجتمع تحت شعار محاربة الأفكار المستوردة.
وفي الاتجاه نفسه تم تمزيق أوصال الفكر الاجتماعي الجديد، وسد المنابع التي تساعد على إثرائه وتنويعه تحت شعارات ملتبسة تمحورت حول محاربة الأفكار البرجوازية والرجعية والمستوردة، وصولاً إلى تنميط الوعي الإيديولوجي وتعليب الممارسة السياسية في قوالب جاهزة، ما أدى الى فرض الوصاية على العقل ومصادرة الحرية والادعاء بامتلاك الحقيقة واحتكار ميراث الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة، وإلغاء التعدد والتنوع في الحياة السياسية والفكرية.
هكذا برزت التصورات الرافضة للمغايرة كشرط للوحدة التي تراوحت مفاهيمها الآيديولوجية بين الدولة ذات التوجه الديني والدولة ذات التوجه الاشتراكي، فيما كان الواقع الاجتماعي بخصائصه الوطنية والتاريخية غائباً وضائعاً بين هذه المفاهيم التي لم تجد مرجعها المعرفي فيه.
نقول ذلك لأن انغلاق هذه المفاهيم على ذاتها أدى إلى دخولها بشكل دائم وثابت في حالة صدام ليس في ما بينها كما يبدو من ظاهر الأحداث التي شهدتها الساحة اليمنية قبل قيام ثورة 21 سبتمبر 2014م، بل إلى دخولها بشكل مشترك في صدام مباشر مع الواقع من جهة، ومع الميول الموضوعية لتطور الحياة والعالم من جهة أخرى.
ما من شك في أن مفاعيل البنية التقليدية أسهمت بقدر لا يستهان به من آليات الكبح المعيقة للتغيير، بيد أن أقساماً لا يستهان بها من النخب الحزبية والسياسية والدينية وقعت في مستنقع النزاعات الذاتية التي جعلت من السلطة هدفاً لها، حيث سعت إلى البحث عن صيغ جاهزة للتنمية الشطرية المنغلقة وغير المتكاملة، ثم عملت على تحصين تلك الصيغ بسياج كثيف من آليات الدولة التقليدية التي جرى بناؤها وتنميطها عن طريق الاستعانة بخبرات بعض الدول التي تعرضت للتشطير والتبعية بفعل نتائج الحرب العالمية الثانية وأجواء الحرب الباردة التي تلتها.
استغرقت الدولتان الشطريتان زمناً ليس هيِّناً في إعادة انتاج مكوناتهما الموروثة عن العهود السابقة لتطور العملية الثورية المعاصرة التي جاءت كنفي تاريخي ومعرفي لتلك العهود، وثورة على مخلفاتها.. وبتأثير تراكم ذلك الاستغراق المنغلق على الذات الشطرية برزت هوة سحيقة بين الدولتين كأجهزة ومنظومات من جهة، وبين المجتمع بوصفه كياناً بشرياً ينمو ويتجدد في سياق انبعاث وطني تاريخي من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى عجز كل من الدولتين الشطريتين عن تلبية وتجديد احتياجات المجتمع اليمني.
ولئن كانت إنجازات علم الاجتماع المعاصر ترى في أن قيام كيان معين لا بد أن يخلق قوى تتلاءم معه، ويخلق تبعاً لذلك تأقلماً إيديولوجياً محدوداً بفعل قوة العادة التي تجعل الجيل الناشئ في ظل المناخ الخاص للإيديولوجيا متسماً بروح الانتساب إلى ذلك الكيان الذي نشأ فيه، ومنضبطاً في توجيه سلوكه اليومي للتعامل مع منظوماته وأجهزته، فإن تناقض الكيانين الشطريين قبل الوحدة مع اتجاه تطور العملية الثورية المعاصرة للشعب اليمني فرض عليهما السير في اتجاهين : موضعي ومطلق..بمعنى الإيمان بضرورة الوحدة من جهة، وتكريس التشطير بصيغ آيديولوجية من جهة أخرى.. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مأزق وتخلـف الجهـاز المفـاهيمي للآيديولوجـيـا الـتي استمــد منها كل كيان ـ على حدة ـ شرعية تبرير وجوده، وافتعال العوائق لتأجيل الدمج الموضوعي للكيانين الشطريين في دولة وطنية اتحادية تراكمية، تبدأ بإقليمين على أساس حكم محلي كامل الصلاحيات، وهو ما كان يرغب فيه الحزب الاشتراكي في الجنوب، بينما كان يعارض هذا الخيار فرع الحزب في الشمال وما كان يُسمى (التنظيم الوحدوي الناصري المخلافي) وتيّار التجمع اليمني الوحدوي بزعامة عمر الجاوي..!!
لا ريب في أن كلاً من الكيانين الشطريين السابقين برر لنفسه التمسك بعملية الاستغراق في تكريس وتجديد الدولة الشطرية انطلاقاً من الوهم بموضوعة الكيان النموذج الذي سيفرض نفسه بصورة امتداد أو إلحاق عن طريق أفضلياته، ولذلك وصلت المحصلة النهائية لحالة الاستغراق في تنمية وتطبيع التشطير إلى مأزقها الموضوعي بحكم لا تاريخية ولا موضوعية تلك الحالة، لأن الدولة الشطرية استنفدت قدرتها على معالجة أوزار ومخلفات الماضي وإرثه الثقيل، وباتت عاجزة عن مواكبة الميول الجديدة لتطور العالم المعاصر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونموذجه الاقتصادي.
مأزق الدولة أم مأزق الفكر السياسي
استند الخطاب السياسي الوحدوي للدولتين الشطريتين قبل الوحدة إلى ميراث فكري وطني وقومي كان ينظر إلى التشطير من موقف رافض، ويقوم بتعريفه على أنه من صنع الاستعمار ومخلفات القرون الوسطى، لكن هذا الخطاب قام بتكريس التشطير وإنتاج جهاز ضخم من المفاهيم الآيديولوجية التي تبرر بقاءه. وبصرف النظر عما كان يميز بنية ذلك الخطاب من رؤى متباينة لدولة الوحدة، افترضت وجود وجهتي تطور متمايزتين، احداهما تنادي بالتوجه الإسلامي والأخرى بالتوجه الاشتراكي، فإن ذلك التباين لم يكـن يستند إلى الواقع، ولم يتجاوز نطاق صراع الإرادات والأوهام الآيديولوجية القابلة للاختبار والتغير في مجتمع يخوض معركة حضارية ضد التخلف والتشطير والبنى التقليدية الموروثة.
ثمة مصادر فكرية مشتركة لصراع تلك الإرادات والأوهام، وهي أن الخطاب السياسي الوحدوي للدولتين الشطريتين كان ينتسب إلى الفكر القومي العربي الكلاسيكي الذي يربط تحقيق الوحدة العربية بعدد من الشروط، وبضمنها وحدة أداة الثورة العربية، وضرورة قيام قوة ثورية إقليمية تتكون من قطر عربي أو أكثر، وتضطلع بدور مركز الاشعاع والجذب، وتلعب دور ((القاعدة)) التي ينطلق منها التغيير الوحدوي الريادي، وهو ما أوضحه المفكر القومي العربي نديم البيطار في كتابه الشهير (من التجزئة إلى الوحدة)، وفي هذا الكتاب يمكن مراجعة بعض النصوص التي تؤكد هذا المفهوم استناداً إلى مراجع أصلية من أدبيات ووثائق حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب.
ولقد تم تحوير المفاهيم المكتسبة من الخطاب القومي العربي الكلاسيكي بعد إكسابها صياغات آيديولوجية جديدة، وبعد تنميطها في نطاق محلي قطري بل وشطري، الأمر الذي أدى إلى حدوث تعديل في مضمون الخطاب السياسي الوحدوي بعد ظهور الدولتين الشطريتين في اليمن بداية وأواخر الستينيات.. وكانت نتيجة ذلك التحوير وصول عملية الاستقطابات الآيديولوجية الصارمة إلى مأزقها، وتفاقم تناقضات الخطاب السياسي الوحدوي للدولتين الشطريتين، وتكريس التشطير على المستوى الوطني، وهو المأزق نفسه الذي وصل إليه الخطاب القومي الكلاسيكي. وهنا يتطلب الأمر نقد الوعي الآيديولوجي الذي ساد في حقبة التشطير، وكرّس طائفة من المفاهيم التي خلطت بين عملية التوحيد الوطني كضرورة في سياق مشروع التغيير الذي دشنته ثورتا ( 26 سبتمبر و 14 أكتوبر)، وبين فرضيات الانتقال بهذه العملية إلى الوجهة الاشتراكية أو الوجهة الرأسمالية أو تحويلها إلى “ قاعدة“ لاستعادة دولة الخلافة الإسلامية وفق تصورات نظرية مبسطة لا تمتلك مرجعاً معرفياً لها في الواقع اليمني والسياق التاريخي العالمي.
تميزت السنوات الأولى للوضع الناشئ والقائم على أساس دولتين شطريتين في اليمن أواخر الستينيات، بحرص كل منهما على تجميع آليات الأمن الذاتي، وما رافق ذلك من ميول لتكوين وعي سياسي تبريري يكرس التشطير من جهة، ويرفع خطاباً وحدوياً ضده من جهة أخرى. ولم تخل تلك الفترة من الصدامات المباشرة وغير المباشرة على مستوى الشطرين، بالإضافة إلى الصدامات الداخلية داخل كل شطر في مجرى الصراع الداخلي على السلطة.
وعندما استقرت الأوضاع للدولتين الشطريتين، اتجه كل منهما لإنجاز مهمات التنمية الاقتصادية والإجتماعية محكوماً بدور وظيفي للدولة ذي تقاليد ضاربة الجذور في أعماق التاريخ،على النحو الذي أكسب الدولة الشطرية سمات رعوية شرقية.
وبوسع التحليل الموضوعي لمسار التنمية في كل من الشطرين تسليط الضوء على تناقضات التنمية الشطرية وبالتالي اكتشاف حقيقة أن تناقضات الخطاب السياسي الوحدوي في حقبة التشطير يعود مرجعها إلى ذلك الكم من الأعمال النظرية المشوّهة التي تظاهرت بتصوير تلك التناقضات وكأنها انعكاس لاتجاهين متوازيين ومتناقضين على صعيد مفاهيم التطور الاقتصادي والاجتماعي.
وكان طبيعياً أن يترتب على كل ذلك بروز ظاهرة التخندق خلف متاريس تلك المفاهيم عند بحث إشكاليات ومصاعب تحقيق الوحدة اليمنية آنذاك، وذلك من خلال تبرير التشطير آيديولوجياً، ويدخل في هذا الاتجاه اعتراض التيار الإخواني والتيار السلفي الوهّابي في الشطر الشمالي من اليمن على اتفاق 30 نوفمبر 1989 م، ومشروع دستور دولة الوحدة..وكان هذا الاعتراض محكوماً بتصور ايديولوجي يرى أن الوحدة بين دولة الإسلام ودولة الكفر غير جائزة، بحسب ما جاء على لسان الشيخ عبدالمجيد الزنداني في اشرطته ومحاضراته التي عارض بها اتفاق 30 نوفمبر الوحدوي 1989م، ومشروع دستور دولة الوحدة، دون أن يكون الوعي الآيديولوجي السائد في الشطرين قد أستقر على مفاهيم معرفية ناضجة، ناهيك عن كون المرجعية الخارجية لذلك الوعي – بصرف النظر عن تناقض أجهزته المفاهيميه بين شطر وآخر – لم تكن قد وصلت الى استنتاجات وتعميمات حاسمة، على نحو ما حدث في النصف الثاني من الثمانينيات حين بدأ الجهاز المفاهيمي لكل من علم الاجتماع وعلم الاقتصاد السياسي يتأزم ويتحلل بسبب تصادمه مع الميول الموضوعية لتطور التاريخ العالمي سواء على مستوى الفكر الاشتراكي أو الفكر الليبرالي المعاصرين.
والثابت أن الدولتين الشطريتين اتجهتا نحو التنمية لتخفيف ضغط التجزئة على أمنهما الذاتي، وقد ساعدتهما في ذلك حاجة موضوعية هي جزء من الوظائف الشطرية لتلك الدولتين في إطار مفاعيل مشروع التغيير الذي دشنته العملية الثورية اليمنية بعد هزيمة الاستعمارين العثماني والبريطاني، بصرف النظر عن نوع الإرادة السياسية والتصورات الآيديولوجية التي حاول كل من الدولتين الشطريتين توجيه التنمية على ضوئها.
كان البحث عن رؤى وأنماط متباينة للتنمية بهدف تبرير التشطير وتأسيسه على وجهتين متمايزتين لكل من الدولتين الشطريتين، يبدو في بادئ الأمر وكأنه امر سهل، بيد أنه كان ينطوي على تعسف لمبادئ علم الاقتصاد السياسي للتنمية في البلدان المتخلفة، وقد تم ذلك التعسف بوضوح عن طريق الاستعانة بنظريات جاهزة ـ لم تكتمل بعد ـ عن التنمية والتطور الانتقالي.
بالنسبة للشطر الشمالي انحصر التوجـه نحو التنـميـة في أوائـل السبعينيات ـــ وبدوافع سياسية بحتة ـــ في أُطر آليات السوق وتسخير جزء من وظائف الدولة لإعادة إنتاج البنى التقليدية لما قبل الدولة، الى جانب تنمية القطاع الخاص وتقديم مختلف أشكال الدعم والحماية له.. وفيما بعد تبلورت الحاجة إلى تنويع أشكال الملكية وأنماط الاقتصاد، وتوجيه التدخل الحكومي لضبط أسعار المواد الأولية ودعم أسعار المواد الغذائية وإطلاق ميكانزمات التعاون الأهلي. وكان كل ذلك يتم انطلاقاً من فرضيات ترى بأن التنمية ممكنة إذا توافر لها قدر معين من الطاقة الاستثمارية والعمـالة والإدارة والمشاركة في شؤون الحكم، مع تجاهل تام لأهمية تقويم حجم السوق الداخلية، ومعايير الفواعل الاقتصادية الخارجية في منطقة تشكو من تبعية طرفية مطلقة، بالإضافة إلى إغفال معايير توافر الموارد الطبيعية للاقتصاد الوطني والموارد الذاتية لتكوينه الرأسمالي.. وجميع هذه العوامل قادت التنمية في الدولة الشطرية بشمال الوطن إلى مأزق حاد، ووصلت ذروتها بعد تراجع تحويلات المغتربين على اثر انخفاض أسعار النفط في منتصف الثمانينيات.
أما على صعيد الشطر الجنوبي فقد سارت التنمية انطلاقاً من منظور ساذج للصراع الطبقي، جرى بموجبه استبعاد قوى سياسية واجتماعية انطلاقاً من الأوهام التي تؤكد ضرورة (التقليص التدريجي للعوامل المولدة للعلاقات الرأسمالية على طريق تصفيتها نهائياً) حيث تضمن برنامج الحزب الاشتراكي اليمني لمرحـــلة الثورة الوطنية الديمقراطية،هذا المفهوم في مؤتمره الأول عام 1978، كما أكدت ( ورقة العمل ) التي تقدم بها الرئيس الأسبق علي ناصر محمد الى المؤتمر العام الثالث للحزب الاشتراكي الذي انعقد في اكتوبر عام 1985م على ضرورة التمسك بهذا النهج، وقد أقر ذلك المؤتمر ورقة العمل التي قدمها الرئيس الأسبق علي ناصر محمد باسمه في اكتوبر عام 1985 م!!
ولا يحتاج المرء إلى جهد كي يكتشف أن مرجعية ذلك المنظور الساذج تعود إلى الأوهام الآيديولوجية التي كانت تزعم (( بحتمية انتقال المجتمعات المتخلفة إلى الاشتراكية مباشرة بواسطة الدعم الخارجي للبروليتاريا الظافرة، ودون الحاجة للمرور بمرحلة الرأسمالية)).. مع الأخذ بعين الاعتبار أن لينين وليس ماركس هو الذي صاغ هذا المفهوم في ظروف تاريخية محددة، وذات صلة بخصائص جمهورية منغوليا وجمهوريات آسيا الوسطى التي كانت خاضعة للسيطرة الاستعمارية الروسية قبل الثورة البلشفية 1917م، حيث افترض لينين نظرياً وصول البروليتاريا الروسية إلى السلطة. وكان هذا المفهوم قد تعرض للتسطيح لاحقا ً على يد الستالينية التي أعادت صياغته، وقدمت من خلال إعادة الصياغة تصوراً مبسطاً للانتقال إلى الاشتراكية على الصعيد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، اتضحت هشاشته ولا معرفيته في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية الدولية مطلع التسعينيات.
ويمكن القول إن المصدر الأبرز للمأزق الذي أصاب الدولة الشطرية في الجنوب أواخر الثمانينيات، يتمثل في تعريف التخلف بصورة غير واقعية انطلاقاً من ذلك المنظور.. وكان ذلك التعريف يقدم نفسه من خلال برنامج الحزب الاشتراكي كمشروع وطني للتغيير شمالاً وجنوباً، متجاهلاً بعض السمات الجوهرية للتخلف في بلادنا. فالصناعة لم تكن موجودة تقريباً، فيما كانت بنيتها متشابهة في الشطرين باستثناء صناعة تكرير النفط في الجنوب وصناعة الأسمنت في الشمال.. أما الطبقة العاملة في الشطرين فقد توزعت بين صناعات الملح وكبس القطن والورش ومحطات الكهرباء والمياه والطواحين ومدابغ الجلود والحرف اليدوية وخدمات النقل والبناء، بالإضافة إلى صناعة إحلال الوارد، فيما كانت معايير العلاقة بين العمل ورأس المال تعكس الحجم البسيط والمتخلف للعمليات التي تديرها هذه العلاقة.
وكما هو معروف فقد رُفعت بعد استقلال الشطر الجنوبي شعارات غير واقعية طالبت بحسم العلاقة بين العمل ورأس المال من خلال التأميمات والمصادرات والانتفاضات الفلاحية، بالإضافة إلى اتخاذ سياسات استهدفت استبعاد أصحاب رؤوس الأموال وملاك الأراضي والفئات الاجتماعية الوسطى من النشاط الاقتصادي.. كما اتخذت أيضاً إجراءات استهدفت تصفية الشرائح التجارية التي نشطت في مجال الاستيراد.
وقد اتضح فيما بعد أن تلك الإجراءات لم تمس سوى شكل النشاط الاستيرادي، أما محتواه (الكمبرادوري) فقد بقي ثابتاً، بل إنه توسع على يد قطاع الدولة الذي احتكر لمؤسساته التجارية والتسويقية ذلك النشاط بعد أن ازدادت رقعته وعملياته، بالتزامن الوثيق مع تدهور العديد من الفعاليات الاقتصادية المحلية، نتيجة لتعطيل واستبعاد قوى اجتماعية واسعة كانت تسهم بقسط مهم في التداول السلعي من خلال مساهمتها في الإنتاج المحلي.
وبالنسبة للأرياف فقد أدت المصادرات والإجراءات التي عطلت قوانين السوق، ومنعت المزارعين من تملك الأراضي الزراعية، إلى إعادة إنتاج البنى المتخلفة للزراعة التقليدية ذات الكلفة العالية في العمل والعائد المحدود للأجر، مما زاد في إفقار واستغلال الفلاحين، وأدى في نهاية المطاف إلى إفلاس الشعارات الاشتراكية، التي كانت تنـسب التخلف والفقــر إلى “الاستغلال الطبقي” الذي يمارسه ملاك الأراضي ضد الفلاحين!!
الجهل بالواقع والهروب الى المجهول
ربما كان ما تقدم جزءًا بسيطاً من الخطوط والظلال المتداخلة في البقاع الرمادية لصورة التشطير.. وربما كانت تلك البقاع الرمادية تدل بوضوح على أن ثمة محركاً مشتركاً للاتجاهين اليميني واليساري في ايديولوجيا التشطير، وهو الجهل بالواقع اليمني والعجز عن معرفة المحددات الداخلية والخارجية التي تحرك مفاعيله، فيما كان كل من هذين الاتجاهين يتحرك – ايضاً – نحو هدف واحد هو المجهول.. بمعنى أن الاتجاه اليميني في ايديولوجيا التشطير كان يشترك مع الاتجاه اليساري في الجهل بالواقع ويهرب معه إلى المجهول!!
في هذا السياق شهدت السبعينيات استقطابات داخلية حادة وصلت ذروتها باندلاع حرب مباشرة عام 1972م، وحدوث مواجهات مسلحة غير مباشرة عن طريق المعارضات المسلحة. وزاد من حدة تلك الاستقطابات الداخلية تقاطعها مع خط الاستقطابات الدولية والإقليمية خلال الحرب الباردة، حيث تحول اليمن بشطريه إلى ممر للتطرف ومركز لاستقطاب الجماعات المتطرفة التي استخدمتها القوى الدولية في مرحلة الحرب الباردة لخوض مواجهات بالوكالة، بدءًا بجماعات الجيش الأحمر الياباني وبادرأند ما ينهوف الألمانية، وجماعات أبي نضال ووديع حداد وكارلوس، وغيرها من الجماعات المتطرفة التي كانت تنفذ مهمات مسلحة عابرة الحدود بالوكالة عن الاتحاد السوفيتي وتحت رعاية جهاز المخابرات السوفيتية K. G. B، وانتهاء بجماعات التكفير والهجرة والجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية، والجماعة السلفية للدعوة والقتال وجماعة أنصار السنة، بالإضافة إلى قوافل الجهاد الافغاني الضخمة التي أدارتها المخابرات المركزية الأمريكية CIA بالتنسيق مع ما تسمى رابطة العالم الإسلامي، وموّلها صندوق دولي دوّار أنفق على تشغيل تلك الماكنة حوالي45 مليار دولار. (انظر كتاب ” Talban” ” للبروفيســـور الباكستاني أحمد رشيد، وكذلك مقالة “ واشنطن تؤذن للجهاد في كابول “ لمحمد حسنين هيكل – مجلة “وجهات نظر” – فبراير 2002 م ).
صحيح أن ذاكرتنا الجماعية لا تخلو من بقاع سوداء لفصول دامية، ومأساوية شوّهت البيئة السياسية للعمل الوطني الثوري، وأثقلت سيرته بالآلام والأوجاع والأخطاء.. لكن ذلك كان يحدث فقط عندما ينفصل المجال السياسي للعمل الوطني عن العالم الواقعي وينقاد لسطوة الأيديولوجيا وأوهامها، فتكون النتيجة مزيداً من الفصل بين السياسة والأخلاق، ومزيداً من الاغتراب عن الواقع، ومزيداً من الابتعاد عن نظام القيم الأخلاقي، والسلطة المعرفية لثقافة الحرية.
في زمن غير منسي من التاريخ الحديث للتشطير، وحينما كانت الدولتان الشطريتان تقيمان في اللا وعي، تولت الأيديولوجيا مهمة مصادرة السياسة وتأميم الوعي في آن واحد.. فأصبح الدور الوظيفي للمجال السياسي تابعاً للأيديولوجيا السائدة في كل من الدولتين اللتين تموضعتا خارج السياق الموضوعي لجغرافيا الوطن الواحد وضمير الإنسان الحي.. بمعنى أن الثقافة السياسية فقدت مضمونها الوطني الذي يجعل منها ضميراً حياً للوطن المجزأ ومرآة صافية لوجهه الشرعي الواحد!!
وفي زمن غير منسي – أيضاً – اندلعت حرب فبراير 1979م بين الشطرين لتقدم دليلاً إضافياً على عجز ثنائية التشطير والأيديولوجيا عن الخروج من مأزقها الذي يتمثـل بدوره في العجز عن إيجاد حل سحري يمنع وقوع الحروب الشطرية والأزمات الدورية، ويحافظ على التجزئة الكيانية في آن واحد.
ومما له دلالة عميقة أن تكون حرب فبراير 1979م آخر المحطات الخطرة لتلك الثنائية، حيث انتهت تلك الحرب بتحولات نوعية في مجرى العلاقات بين الدولتين الشطريتين من جهة، وكذلك في مجرى العلاقة بين الممارسة السياسية والثقافة السياسية من جهة أخرى.
وكما أن الظروف تتغير باستمرار، فإن الحقــيقة تظل نسبية وليست نهائية، والوصول إلى الحقيقة ليس سهلاً ولا بسيطاً.. ولذلك فإن النخب تعتقد أن الحقيقة النهائية في أيديها، ولا ينبغي التعب من أجل البحث عنها يومياً، بل يكفي تناولها من الملفات الجاهزة، أو تقارير الأجهزة الأمنية والاستخبارية، أو الكتب القديمة أو الوثائق الحزبية أو الشعارات الشعبوية!!
ولا ريب في أن النخب التي تعتقد بذلك، تخاطر بفقدان مقدرتها على التجدد والاستمرار، وتغامر بضياع مستقبلها السياسي وبعدم قدرتها على أن تكون طليعة سياسية في المجتمع،على نحو أضحى فيه العمل الوطني مسكوناً بهموم البحث المستمـر عن الحقيقة، ومحاولة إعادة اكتشاف واقع بحاجة مستمرة إلى المزيد من الكشف.
وبوسعنا القول إن التيارات السياسية والفكرية في اليمن تكاد تكون امتداداً لتيارات مماثلة لها في الساحة العربية التي شهدت تجارب مأزومة ومشوهة أفرزتها المشاريع القديمة بعد أن طبقت على الصعيدين النظري والعملي أفكاراً وشعارات قومية واشتراكية وإسلامية مشوّهة.. والحال أن المشاريع القديمة التي نقصدها كانت قد وصلت إلى سدة الحكم في بعض البلدان العربية بوسائل انقلابية أساسها الاعتماد على عنصر القوة ثم خسرت في نهاية المطاف وهجها وبريقها وقوتها.
لم تتوقف الآثار السلبية لهذه التجارب الخاسرة على إضعاف حيوية المجتمع العربي وتهميش قواه الحية، بل امتدت لتصيب بدائها العُضال مختلف النخب الحاكمة في تلك البلدان التي نُكبت بتجارب شمولية فاشلة، وعجزت عن تقديم نموذج قابل للاستمرار والتجدد وانتهت إلى إفلاس سياسي وفكري وثقافي تكونت على تربته الهشة أزمات وانهيارات مدويّة، مقابل بروز مخاطر وتحديات قوية، لا يمكن مواجهتها بدون امتلاك مشروع جديد للتغيير يقوم بالدرجة الأولى على قاعدة تحرير السياسة من ثقافة الاستبداد والإلغاء والادعاء باحتكار الحقيقة.
ومما له دلالة عميقة أن يكتسب يوم الثاني والعشرين من مايو 1990م أبعاداً وطنية وعالمية جعلته واحداً من أبرز الأحداث الوطنية اليمنية في هذه الحقبة الراهنة من عصرنا الحافل بالمتغيرات والانعطافات الكبرى، وذلك من خلال ارتباط ميلاد الجمهورية اليمنية الموحدة، بالتحول نحو الديمقراطية التعددية التي تشكل اليوم محتوى المسار الراهن لتطور المجتمع المدني في عصرنا.
ولما كانت التعددية الحزبية وحرية الصحافة وحرية الفكر وحرية التعبير تـعد من أبرز سمات التوجه السياسي للجمهورية اليمنية الموحدة، فقد كان من الضروري أن يخوض شعبنا من خلال نهج التوجه الديمقراطي اختبارات شاقة لإثبات أصالة انتمائه إلى تحولات عصرنا الجديد، وتجنيب مسار تطوره اللاحق من المخاطر الناجمة عن اختلال العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهو اختلال تجسّد في كثيرٍ من البقع السوداء التي طفت فوق سطح الحياة البشرية، حين أدى غياب الحرية إلى سيادة الشمولية الاستبدادية، واغتراب المجتمع عن السلطة، واغتراب الإنسان عن الحضارة، وما رافق ذلك الاغتراب من انتهاك لحقوق الإنسان وتشويه صورة الحياة.
من نافل القول أن العودة إلى ميدان إبداع الحضارة لا تعني العودة إلى النقطة التي تجمدت عندها الحضارات الغابرة، بقدر ما تعني العودة للمساهمة في آخر نقطة وصلت إليها الحضارة البشرية المعاصرة، ولا ريب في أن عودة كهذه ــ إلى ميدان إبداع الحضارة ــ من شأنها أن تضع على عاتق شعبنا مهمات صعبة، يُعدُّ إنجازها شرطاً للحاق بحركة العصر، وشرطاً للخروج من أنفاق ودهاليز الماضي المظلمة.
الثابت أنّ الإبداع الحضاري المعاصر لا يقوم بغير الحرية التي كانت وستظل صنواً لتطور الحضارة البشرية منذ أقدم العصور، حيث أثبت التاريخ أنّ انهيار كثير من الحضارات والدول القوية، ارتبط على الدوام بطغيان الشمولية والاستبداد والجمود العقائدي، والابتعاد عن قيم الحرية ومصادرة الدور الطليعي للعقل والتفكير النقدي.
بوسعنا القول إنّ ثمة سقوطاً مدوياً حدث لكثيرٍ من المشاريع الوحدوية المعاصرة التي كانت تدعي انتسابها إلى حضارة العصر بعد أن عجزت عن تأكيد حضورها الحقيقي والفاعل في ميدان إبداع الحضارة.. أما السبب الرئيسي في سقوط تلك المشاريع فقد كان يتمثل في تجاهلها لأهم سنن التطور في حياة المجتمع البشري، وهي الشراكة والحرية واحترام حقوق الإنسان.
وبقدر ما تبدو القوى التي تهيمن على ميدان إبداع الحضارة قويةً بما تمتلكه من نظم وتشريعات ومؤسسات تستمد حيويتها من طاقة الحرية التي تتجدد في أعماقها، بقدر ما تبدو حضارتها مهددة أيضاً بأخطار يصعب السيطرة عليها، إن هي استمرت تقود عالماً لم تكتمل حريته بعد.
بهذا المعنى لا يغدو تصحيح الاختلالات والتشوّهات من أبرز واجبات القوى التي تتفوق في ميدان إبداع الحضارة وتحتكر الحرية والاستقلال لنفسها فقط، ولكن تصحيح مثل هذه الاختلالات والتشوهات هو ــ أيضاً ــ واجب كافة قوى المجتمع البشري المعنية بمستقبل الحضارة الإنسانية ومستقبل العالم.
في سياق تاريخي كهذا يمكن للحرية أن تستعيد حضورها بوصفها القوة الدافعة لمجرى الحضارة المعاصرة.. وفوق كل ذلك تستعيد الحرية قيمها المنسية بوصفها أهم سنن التطور التي يستحيل بدونها ضمان إنقاذ المسار اللاحق لحضارة الألفية الثالثة من آلام وتشوّهات وتناقضات الأزمنة الغابرة والعصور الخوالي.. وبتعبير أدق إنقاذ الحضارة المعاصرة من الموت، والحيلولة دون فنائها والتحاقها بالحضارات الميتة التي أضحت مجرد تاريخ مكتوب بسطور هامدة في بطون كتب الحوليات القديمة.
لصوص الجمهورية والوحدة
يقيناً أن شعبنا تحرر من الاستعمارين العثماني والبريطاني، ومن لصوص وخاطفي الجمهورية والوحدة قبل وبعد العدوان السعودي الأميركي على اليمن.. بيد أنّ هذه الحرية التي تعمدت بالدماء والتضحيات الجسيمة لم تكن مكتملة.. والذين يقولون بغير ذلك منافقون.. لأننا كنا نمارس إرادة الكفاح من أجل الوحدة الحرية في ظل واقع متخلف وعالم مضطرب، وحضارة مأزومة.. ولذلك فقد كان طبيعياً أن يفتقد كفاحنا الوطني التحرري كثيراً مما كان يفتقده عالمنا وحضارتنا من مبادئ وقيم الحرية والشراكة.
لقد انتفض التاريخ ليخلص حضارتنا وعالمنا من التشوّهات والتناقضات التي أرهقت البشرية وكادت أن توصلها إلى حافة الفناء الشامل بفعل الأوهام التي حادت عن سنن التطور، حين تم فرض سلطة الأفكار والأيديولوجيات على عقول الناس بواسطة سلطة الدولة، فيما تم تحويل دور الإنسان في الحياة إلى مجرد خادم وحارس لتلك الأفكار والأيديولوجيات التي كانت تمارس سلطتها على العقل باسم الثورة أو الدين أو القومية أو الطبقية.
ويحق لنا القول: إنّ شعبنا اختار لنفسه موقعاً لائقاً في قلب تحولات التاريخ المعاصر.. فهو من جهة استعاد الوجه الشرعي لوطنه الذي كان مشطوراً.. كما أنه من جهة ثانية وضع أقدامه على الطريق الصحيح الذي يؤمن له استكمال شروط حريته.. بمعنى أن تكون استعادة حرية الإنسان اليمني جزءاً أصيلاً من نسيج عملية استعادة حرية الإنسان في العالم.
من نافل القول أنّ تعلُّم الديمقراطية يبدأ بتعلُّم قواعد ومبادئ الشراكة الوطنية والعيش في ظل الديمقراطية التعددية والاستعداد لقبول اختلاف وتنوع الأفكار والإرادات والمصالح. ولما كان الاختلاف والتنوع والتعدد في الحياة الإنسانية من السنن الطبيعية لتطور المجتمع البشري، فإنّ تعلم الشراكة الديمقراطية يقتضي إضفاء النزعة الإنسانية على حياتنا في ظل التنوع والتعدد والاختلاف، بعيداً عن سنن الغاب القائمة على التسلط والتصيُّد والإبادة، وبعيداً عن سنن الاستبداد القائمة على والانفراد والإلغاء والإقصاء والتخوين والتكفير والإرهاب والادعاء الكهنوتي باحتكار الحقيقة والمعرفة.
والثابت أنّ إضفاء النزعة الإنسانية على حياتنا يتطلب قدراً أكبر من إعلاء شأن القيم الإنسانية واحترام حقوق الإنسان، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه بدون توفير الضمانات الكاملة لتمكين الإنسان من أن يكون حراً في اختياراته واستعداداته وميوله في الحياة.. بدءاً باختيار يقينه السياسي والفكري المستقل بطريقة حرة، وانتهاءً باختيار حكامه وأسلوب مشاركته في إدارة شؤون المجتمع الذي يعيش فيه.
لقد علَّمنا التاريخ أنّ التطور الحر للفرد هو شرط للتطور الحر للجميع.. وعلَّمنا التاريخ أيضاً أنّ هذه الحقيقة لا يمكن تجسيدها بدون توفير الرافعة التي تضمن ــ في آن ٍ واحد ٍ ــ تطور الفرد الحر وتطور المجتمع الحر. وقد تعلمت البشرية على امتداد حوادث التاريخ حقيقة أنّ هذه الرافعة كانت ــ وستظل دائماً ــ تتجسد في شكل ومحتوى العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، وبين المجتمع والدولة من جهةٍ أخرى.

قد يعجبك ايضا