الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

مشاريع التحلية.. فرص استثمار تنتظر توافر الموارد المالية والبنية التحتية المناسبة

في مواجهة عجز الموارد المائية

هكذا تبدو مشكلة توفير المياه لملايين الأسر اليمنية مشكلة مركبة من حيث الكم والكيف، فهناك مشكلة في كمية المياه التي يتم الحصول عليها والتي لا تفي باحتياجاتهم، بالإضافة إلى نوعية هذه المياه ومدى صلاحيتها للأغراض المختلفة كالشرب، والطهي، والنظافة فضلا عن تغطية احتياجات إدارة عجلة الماكينة الزراعية والاستخدامات الفوق زراعية كالصناعات التحويلية وإنتاج الطاقة.
الثورة / يحيى محمد الربيعي

لا خيارات..!
اليمن واحدة من أكثر الدول العربية التي تواجه أزمة مياه خانقة، فموارد المياه العذبة تتضاءل بسبب الضخ المفرط من المياه الجوفية.. ويتزايد الطلب على المياه بفعل الاستهلاك المفرط المقترن بالنمو السكاني السريع المتوقع أن يتضاعف إلى 48 مليوناً بحلول العام 2037م.
ووفق إحصائيات فإن ملايين الأطفال يعيشون في منازل لا يتوفر فيها مصدر مياه نقية أو خدمات صرف صحي ملائمة فيما يعاني الأطفال تحت سن الخامسة من سوء التغذية المزمنة في الكثير من المناطق النائية.
نعم، المياه الجارية متوفرة في بعض من أجزاء البلاد في هيئة عيون وآبار وشلالات ووديان طبيعية تجري طوال العام أو مشاريع مياه ومضخات وآبار ارتوازية، لكن البعض الأكثر، ومعظمه قرى نائية لاتزال دون مشاريع المياه أو حتى حواجز مائية أو سدود عدا القليل من الأحواض الصخرية والبرك واليسير من العيون والآبار.. والنساء في تلك المناطق عادة ما ينقل الماء من أقرب بئر أو عين، وبعض الأحيان يستغرق الوصول للآبار ساعتين ذهاباً وإياباً، بمعدل 4 ساعات في اليوم.. وينقلن الماء في الأواني على رؤوسهن أو على الحمير.
وفي مناطق وفرة المياه كالمدن الرئيسية التي تتوفر في بعضها مشاريع البنى التحتية أو وسائل نقل توصل المياه إلى المنازل، فإن المواطنين ورغم إجراءات الترشيد في استخدام المياه التي يحصلون عليها إلا أنها لا تكفيهم.
هذا من حيث الكم أما من حيث الكيف والرقابة على المياه عدا توفير مادة الكلور لأصحاب الآبار من أجل إضافتها إلى وايتات الماء بصورة إلزامية، وإن كان البعض لا يلتزم أحيانا.

أزمة المياه..!
من المتوقع، حسب الدراسات، أن تنضب طبقات المياه الجوفية في غضون عقد من الزمن نتيجة الاستخدام المفرط.. في أحد التقارير الإحصائية يقدّر مجموع مصادر المياه المتجددة في اليمن بـ 3,4 مليار م3 في السنة، ويتم تغطية 900 مليون م3 منها من طبقات المياه الجوفية.. وكل عام تتناقص مستويات المياه الجوفية من 1-7 م3، مع ندرة إعادة تغذيتها خاصة في مواسم الجفاف.. وهو ما يعني تجاوز معدلات استهلاك المياه معدلات إعادة التغذية الطبيعي بشكل كبير..
أضف إلى ذلك الحفر العشوائي للآبار، والذي يهدد بكارثة مائية خلال السنوات القادمة، يأتي ذلك في ظل غياب التوجهات الجادة بمنع مثل تلك التجاوزات والمخالفات التي تستهدف الأمن القومي من المياه وتهدد الأحواض والمخزون الجوفي بالنضوب.
ورغم تحذيرات المختصين ومناشدات أطلقها ناشطون ومهتمون مناهضون للحفر العشوائي منذ سنوات من قبل الحفارات المخالفة التي تسرح وتمرح، متجاوزة النقاط الأمنية والخطوط الحمراء، ورغم التوجيهات الصادرة من الحكومات المتعاقبة إلا أنها سرعان ما تتلاشى أمام صولجان الحفارات التي تضخ “…” للجهات الرقابية ضخا ينتهي بموجبه مفعول توجيهات وقرارات منع أو تقنين الحفر.

محدودية التمويلات..!
المشكلة لا تكمن في نقص أو شح كميات المياه في الصخور أو في جوف الأرض ولكنها تنحصر في مقدرة مصادر المائية على مواكبة إمداد الإنسان بما يغطي متطلباته من المياه الصالحة للاستخدامات البشرية بسبب محدودية التمويلات والاستثمارات التي تكفل دعم تلك المصادر والمحافظة عليها بسبب فقر حكومات أو فساد أخرى.. ومع ذلك فإن ذلك لا يمنع التذكير بأن جميع الإحصائيات والدراسات تنذر بوجود خطر قادم على المصادر المائية.
لم يكن من الجائز، بأي حال من الأحوال، أن تتجاهل تلك الحكومات والفاسدون بصفة خاصة أن النمو السريع للتعداد السكاني المصاحب للاستنزاف المستمر وغير المقنن للموارد المائية يشكل عبئا ثقيلا على مصادر المياه المحدودة لمواكبة النمو المضطرد والسريع؛ فالمولود الجديد لا يحتاج إلى الماء لأغراضه اليومية من الشرب والنظافة فحسب بل أيضا يحتاج إلى زيادة الموارد الغذائية التي هي الأخرى تتطلب كميات وافرة من الماء لنموها.
الحكومات المتعاقبة فشلت في تطبيق القانون ومنع هدر المياه بشكل كامل.. والسبب الرئيس في هذا الفشل، كما يبرر الكثيرون، هو صعوبة وضع المياه على قمة جدول الأعمال في بلد يواجه الكثير من التحديات إضافة إلى انعدام السياسات والاستراتيجيات الحكومية التي تعزز إيلاء قطاع المياه الأولوية والاستثمار فيه، وتعذر الوصول لموارد المياه والأرض بسبب الصعوبات الجغرافية للمناطق التي تقع فيها بعض تلك المصادر.
ولعل من أبرز الجهود المبذولة للتخفيف من حدة المشكلة ما قامت به تلك الحكومات وبالتعاون مع منظمات دولية من أعمال في هذا المجال هي عبارة عن إنجاز 25 مشروع بنية تحتية، استفاد منها حوالي 4 ملايين مواطن، ويجري العمل في 200 مشروع إضافي في اليمن تتضمن خطة الاستجابة خفض التكاليف وزيادة الكفاءة من خلال إشراك القطاع الخاص، ودعم الوقود لتشغيل منظومات إمداد المياه.

مقترحات ومقاربات..!
أما على المدى القريب فتحكي عدة تقارير عن وجود العديد من المقترحات قدمت من قبل مختصين محليين أو من منظمات دولية أهمها تفعيل العديد من المشاريع تحت إشراف وزارة المياه والبيئة لتقديم خدمات مختلفة، خاصة إدخال تقنيات صيانة المياه وبناء منشآت حصاد المياه وجمع مياه الفيضانات.. وتشمل مجالات العمل الأخرى حماية ضفاف الوديان وإعادة تأهيل المدرجات التي أسيء استعمالها، إضافة إلى إعادة تأهيل وصيانة منشآت الري القائمة.
وبالتساؤل عن ما قد يعيق هذه المقترحات؟ نجد أنها لا تحتاج أكثر من إرادة سياسية قوية تنتقل الحكومة من خلالها بالوضع المائي من حالة الحرج إلى ميادين اتخاذ الإجراءات العملية للتعامل المباشر مع المعوقات.. إرادة تتجاوز مرحلة إعداد الاستراتيجيات والتشريعات والسياسات إلى مرحلة التنفيذ ومعالجة ما يستجد من معوقات أو تعديل ما يتطلب في حينه.
ويتساءل مهتمون؛ لماذا لا يتم البدء في إدخال تنقية المياه وإعادة استخدام مياه الأمطار والمياه العادمة وكفاءة الري وتقنيات الصيانة في اليمن، وخاصة في القطاع الزراعي.. فقد تعالج مثل هذه المنشآت جوانب كثيرة في المناطق المتواجدة فيها، مثل الحد من البطالة والحد من نقص الغذاء، هذا بالإضافة إلى البحث عن حلول للأزمة من خلال مزيج من المقاربات، ووفق طوبوغرافية ومصادر المياه المتوفرة والممكن والمتاح من الاقتصاد المحلي؟.

التحلية فرص استثمار..!
تمتلك اليمن نافذة بحرية بطول 2200 كيلومتر تمتد من البحر الأحمر غربا إلى خليج عدن جنوبا وصولا إلى سواحل المهرة شرقا.. ويمكن الاستفادة من الوصول المباشر إلى مياه البحر إذا توفرت للبلاد الموارد المالية والبنية التحتية المناسبة.. ويمكن لليمن تحلية مياه البحر عبر بوابة الاستثمار في مجال التحلية لتوفير كميات تجارية. من المياه المحلاة لسد احتياجات العملية الزراعية وتوفير المياه الصالحة للاستهلاكات المختلفة وبتكلفة مناسبة.. كما يمكن استيعاب الملح المفصول في المجال الصناعي المناسب بما يضمن عدم إعادته إلى البحر تجنبا لحدوث تأثيرات بيئية على الحياة البحرية في السواحل الهدف.
وإذا قيل أنه في حال إقامة منشآت التحلية، فإن نقل المياه المحلاة إلى المناطق الجبلية والداخلية حيث نضوب المياه مكلف جداً وغير فعال، فإن مد شبكة طرقات وبنية تحتية من ناقلات أو إنشاء شبكة من الأنابيب والخزانات والمضخات كفيل بتجاوز هذه المعوقات.

قد يعجبك ايضا