الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

أنتم الناس أيها الأتقياء

 

حسن سعيد الدبعي
يقول المولى جل وعلا “مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ”.. “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ “الحديد” ويقول سبحانه وتعالى “إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم” التغابن.
ويقول سبحانه وتعالى ” وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا « «المزمل».
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والله لا يؤمن من بات شبعانا وجاره جائع» وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «من فرَّج على أخيه كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب الآخرة» أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد شاء الله عز وجل أن يغرس في حياة الإنسان مجموعة من الدوافع النفسية أو الغرائز تسوقه سوقاً إلى السعي في الأرض وعمارتها، فكان منها حب الذات وحب البقاء وحب التملك وحب المال حتى صار المال مطلب كل إنسان ومعشوقه في كل زمان ومكان ولا حدود يقف عندها الإنسان في طلبه سواء كان هذا المال نقدياً أو عينياً وفي ذلك يؤكد سبحانه وتعالى بقوله جلّ شأنه «وتأكلون التراث أكلاً لما وتحبون المال حبا جما» «الفجر».
كما يؤكد المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك بالقول : «منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال» وكان من آثار ذلك شح الإنسان بما في يده وحبه الاستئثار بالخيرات والمنافع دون الناس.. لذلك كان البخل والشح في بذل المال في سبيل الله ولخير الناس من أبغض الكبائر التي حذر منها الله ورسوله.
وتتحدث الآيات عن صنفين من البشر، صنف أثنى الله عليه ويسَّره لليسرى لأنه أعطى واتقى وصدَّق بالحسنى، وأطلق الله صفة الإعطاء ولم يقل ماذا أعطى ولا كم أعطى ولا نوع ما أعطى، لأن المقصود هنا أن نفسه نفس كريمة معطية باذلة لا لئيمة مانعة، فالنفس المعطية هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها، وصنف آخر ذمَّه الله تعالى ويسَّره للعسرى لأنه بخل واستغنى وكذَّب بالحسنى فهذا هو الصنف الشحيح اللئيم الذي أنذره الله « نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى»، «وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى» فليس للإنسان المؤمن إلا أن ينتصر على نزعة الشح وأن يستعلي على نوازع الأثرة والأنانية في نفسه لضمان فلاحه في الدنيا والآخرة.
وقد دعا الإسلام إلى البذل وحض عليه في أسلوب يستهوي الأفئدة ويبعث في النفس الأريحية ويثير فيها معاني الخير.. كما أكد الله في كثير من الآيات على نشر هذه الفضيلة بقوله: «لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ».. ومنذ فجر الإسلام في مكة عندما كان المسلمون أفراداً معدودين وكانوا مسحوقين بدينهم ومضطهدين في ديارهم وكان للقرآن عناية بالغة بالبر ورعاية المسكين وأداء حق السائل والمحروم.. فالعقبة التي على كل إنسان أن يجتازها حتى يصل إلى مرضاة الله تتمثل في البر بالناس من تحرير للرقيق وإطعام للمسكين واليتيم ووصف الله المتقين بقوله (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) «الذاريات» وفي سورة (المعارج) قال تعالى «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ « وغير ذلك كثير.. إن الانسان السخي قريب من الله تعالى، قريب من الناس، قريب من الجنة.. وإن البخيل بعيد عن الله، بعيد عن الناس، بعيد عن الجنة، قريب من النار، وجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل.
خلال خمس سنوات مضت واليمن تعيش حالة حرب ترفض أن تضع أوزارها.. هذه الحرب أفرزت أوضاعاً غاية في الصعوبة وكرست الأموال التي كانت مخصصة للتنمية واستقرار الأوضاع المعيشية للناس لتمويل هذه الحرب مما تسبب في فقر مدقع طال شرائح كبيرة من المجتمع، وأمراض متنوعة وبطالة عشعشت على كثير من القوى العاملة، وحسب تقارير دولية فإن اليمن وضع في خانة الدول الأشد بؤساً وان 80 % من سكانها تحت خط الفقر.. ومن هنا تتجلى الحاجة إلى قيام فئة 20 %من المجتمع الذين تتوفر لديهم القدرة على مساعدة إخوانهم المعدمين الذين فقدوا مصالحهم المادية وقطعت مرتباتهم وانتشرت رقعة الفقر في أوساطهم وأن يسارعوا في إقراض الله من خلالهم.. فالله مع الفقراء ومن يعطي فقيراً فقد أعطى الله.
فهل من مسابق إلى إقراض الله؟ ويا له من قرض فوائده جمّة يتمنى كل ذي لبٍّ الحصول عليه.. هناك أناس يخزنون القات بعشرات الآلاف من الريالات وبجانبهم أناس لا يستطيعون شراء حبة اسبرين أو برامول أو بنادول ويا لها من مفارقة كبيرة نخشى أن تنقلب الأوضاع في المجتمع إلى مستوى لا يستطاع السيطرة عليه.. ورحم الله شاعرنا الراحل عبدالله البردوني الذي شرح هذا الواقع بالقول: «أمسنا كان كريماً معدما.. وزمان اليوم أغنى وأشح».

قد يعجبك ايضا