الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

التكفير .. الأهداف والدوافع

عبد الرحمن مراد 
ندرك أن موضوع التكفير ليس جديداً فقد حضر بجلاء في فترات تاريخية مختلفة من حقب التاريخ الإسلامي وكانت تفرضه الضرورة السياسية الرامية إلى استمرار ثنائية الهيمنة والخضوع وتتبع تلك الحالات في كل حقب التاريخ من الصعوبة بالمكان الذي لا يحتمله المقام، ولكني سأبدأ من القرن الماضي وتحديداً من مطلعه حين بدأت النواة الأولى للحركة الإسلامية السياسية «الإخوان المسلمون» ،إذ مع هذه الحركة ظهرت كثير من الفرق «كالهجرة والتكفير» وجماعة الجهاد والجماعات القطبية وغير أولئك من الجماعات التي اشتغلت على مبادئ جاهلية المجتمعات والتكفير والحسبة.
ومشكلة تلك الجماعات هي في ثنائية النقل / والعقل وما يترتب على ذلك من العلائق النصية في المستويات المتعددة ، وفي الغايات القائمة على مبدأ تحقيق حاكمية الله ، وتلك الغايات تتناقض تناقضاً كلياً في وسائلها وأساليبها الإجرائية مع الكليات الخمس التي حددها علماء الفقه الإسلامي ، وعند تلك النقطة تبرز إشكالية المثقف الديني في العصر الحديث في التفاعل مع تطورات الحياة ، إذ وقف عاجزاً، العجز كل حين عمل على تعطيل قدراته الذهنية والابتكارية والإبداعية ولم يسعه إلا الوقوف عند التراث بكل تناقضاته وطيفه المتعدد ليسقطه على إشكالات اللحظة الحضارية الجديدة ، فلم يكن إلا غريباً عنها ، وظل عاجزاً في التعبير عنها فقال بجاهلية المجتمع المعاصر وقال بضرورة جهاده حتى يعود إلى فطرته الأولى التي كان عليها في صدر الإسلام عند الرعيل الأول من المسلمين.
وتداخل البعد العقائدي مع البعد السياسي في أربعينيات القرن الماضي وكان أكثر ظهوراً بعد اصطدام حركة «الإخوان» مع قيادة (ثورة 23 يوليو) بمصر وبالتحديد مع جمال عبد الناصر وقد نتج عن ذلك ظهور أول فتوى تكفيرية في مطلع الستينيات من القرن الماضي في مؤتمر دعت إليه السعودية بعد موسم حج عام 61م ، وصدر بيانه بتكفير عبد الناصر بإعلانه تطبيق الاشتراكية وقوله بالعدالة الاجتماعية، وكان ذلك المؤتمر بداية الاتصال المباشر بين الحركة الوهابية في نجد وحركة الإخوان في مصر ، وهو الاتصال الذي كانت نتائجه نشوء الجماعات التكفيرية والجهادية والجماعات القطبية وكان محور نشاطها ومركزه هي جمهورية مصر العربية ووصل بها الحال إلى تهديد حياة الأبرياء العزل بعد أن كان مركّزاً على القيادات السياسية وقادة الرأي من المفكرين والأدباء ومثقفي الأمة الطلائعيين .
ظل يقين الإخوان يتمحور حول مبدأ : «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن “لذلك ظل نشاطهم يتركز حول هدف واحد وهو السلطة وعملوا على تسخير كل إمكاناتهم الذهنية والمادية لتحقيق مثل ذلك الهدف وعلى أسس مبدأ الغاية تبرر الوسيلة الميكافيلي لذلك ظل تعاملهم مع النص المقدس تعاملاً انتقائياً ، فمثلاً نجد القرآن يؤكد حرية الاعتقاد في كثير من النصوص الواضحة وبدلالات قطعية غير قابلة للتأويل ، ويدعون كل تلك النصوص وراء ظهورهم ولا يقولون إلا بما ورد في التراث الثقافي والفقهي الذي كان نتاج ظروف سياسية محددة كما في موضوع الردة الذي أودى بحياة كثير من المفكرين والكتاب كفرج فوده وغيره ، ويلتبس لديهم مفهوم الردة بين السياسي – كما حدث في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه ) – والاعتقادي الذي كفله وضمن حريته النص المقدس (القرآن الكريم) كما نجد ذلك في الآية (105) من سورة المائدة التي تنص على قوله تعالى : ــ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، وفي الآية (99) من سورة يونس يقول تعالى : (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ99)، فالقرآن قضيته في قدرة الذات التفاعلية وتكاملها الإيماني ولم يقل بإكراه الناس على خيارات محددة سلفاً، بل قال بضرورة البيان والبلاغ والجدال الحسن وبما يفضي إلى حياة سوية وإلى روح التكامل والتطور والتحديث لا الثبات والاستقرار عند نقطة مضيئة من التاريخ دون القدرة على الانتقال والتفاعل الثقافي والحضاري وبما يساعد على تجاوز طبيعة الهدم والتوحش، وهي طبيعة متأصلة في الإنسان العربي حسب مقدمة ابن خلدون ــ ونحن نلحظ في تفاصيل الواقع مظاهرها العامة في العمليات الانتحارية والتفجيرات.
علينا الاعتراف أن المثقف الديني وقع تحت تأثير الحالات القهرية من الأنظمة السياسية، فكتاب « معالم في الطريق» للسيد قطب خرج من بين جدران السجن، وهو يشكل المرجعية الفكرية لكل الجماعات الجهادية والإرهابية وجل الحركات كالقطبية والجهادية والتكفيرية كانت نتاج حالات قهرية ، وقد ساعدت الضرورات السياسية على تنمية تلك الروح المتمردة والمستغرقة حتى النخاع في تراثها كما في حرب أفغانستان في الثمانينيات وكما في موضوع “القاعدة” التي أصبحت ذريعة أمريكا والمجتمع الدولي في بسط سيطرتهما وهيمنتهما على منابع النفط وخط الملاحة والتجارة الدولي.
وليس بغريب على المجتمع الدولي أن  يدرك تأثير   الخطاب الديني في السيطرة والهيمنة على الوجدان العام في المجتمعات العربية كبير، فطبيعتها مائلة إلى العصبية العرقية ولا يمكنها الانتظام إلا بعصبية دينية، لذلك نرى الجنسيات المتعددة المنتمية إلى القاعدة مثلاً ــ باعتبار القاعدة هي الإطار التنظيمي الجامع لكل الجماعات الجهادية والتكفيرية التي ظهرت منذ القرن الماضي ــ ولذلك نلاحظ أن هذا المجتمع الدولي الذي أملت ضرورته السياسية عليه تنمية المنظومة الإرهابية في المجتمعات المسلمة يضغط جاهداً في سبيل إضعاف الفكر التنويري المناهض بل أحياناً يجعله هدفاً لتلك الجماعات تكفيراً واغتيالاً، والشواهد كثيرة وأساليبه في ذلك كثيرة قد تدركها تلك الجماعات أو لا تدركها لكنها تعتبرها ضرورة جهادية.
ولعل استهداف الفكر القومي وضربه في عمقه هو تمكين للجماعات الإرهابية وهو المبرر الأساسي لنا في القول بضغط المجتمع الدولي بإضعاف الفكر التنويري المساند لقيم الخير والحق والعدل والسلام ، ولعل الظاهرة الأخطر التي تهدد أمن واستقرار المجتمع المسلم في الحاضر والمستقبل القريب هي نشوء ما يسمى فقه الواقع ، وفقه الثورات، فالمثقف الديني يعمل تحت غطاء فقه الواقع لتصدير فتاوى تخل بالقيم الأخلاقية للمجتمع المسلم كزواج المسيار والزواج السياحي، وسمعنا مؤخراً تحت غطاء فقه الثورات فتوى «جهاد المناكحة» ومثل ذلك، كما لا يخفى – لا يخلو من استهداف البنية الاجتماعية والعمل على تفكيكها كما أنها تعمل على تشويه الصورة المثالية للمنظومة الدينية في تصورات عامة الناس ، فالإسلام في بعده العقائدي وبعده الأخلاقي لا يقر ذلك التوحش والهيمنة على خيارات الناس ويرفض الإكراه ، كما أنه يحترم إنسانية الإنسان ويقول أنه مكرَّم ومخلوق في أحسن تقويم ويأنف أن تغتصب الحرائر تحت مبرر جهاد المناكحة..
وما يندى له الجبين أن مواقع التواصل الاجتماعي تناقلت صورة امرأة من القطر السوري اغتصبت تحت مبرر تلك الفتوى فأقدمت على إحراق نفسها، إذن ما يحدث في سوريا اشتغال ديني في بعدين هما البعد العقائدي، حيث ترى الفتاوى وجوب جهاد طاغية الشام نصرة لأولئك المستضعفين واشتغال في البعد الأخلاقي ويتمثل في جهاد المناكحة والمعاملات اللادينية واللاإنسانية التي تواجه النازحين السوريين، ومثل هذا الاشتغال حدث ما يماثله في العراق في مطلع الألفية وهو يحدث بذات الآلية والأدوات في سوريا ، والأغرب في جل الفتاوى هو التناقض، فالذين أفتوا بكفر صدام حسين تراجعوا وقالوا بإيمانه حسب كثير من المدونات والمواقع الالكترونية ، وما وجده الإنسان العراقي من انتهاكات يجده الإنسان السوري والذين يقولون بالجهاد في سوريا تتحدث وسائل الإعلام عن ممارساتهم اللا إنسانية،  فالجرحى يؤخذون إلى مزارع في تركيا وتؤخذ منهم أعضاء قابلة للمتاجرة وما تبقى من أجسادهم يتم حرقها.. والمتأمل في الحالتين العراقية ومن بعدها السورية يجد أن الخطاب الديني خرج من مقاصده النبيلة وأصبحت الفتاوى الصادرة عنه تعبيراً عن حالة دنيوية أكثر انحداراً وابتذالاً.
وما نخلص إليه خوف الإسهاب أن الفتاوى لها ضوابطها في الفكر الديني العربي ولكنها أصبحت في حاضرنا تأخذ صيغة انفلاتية ولسبب ذلك أحدثت تدميراً في البنية العقائدية والأخلاقية والمنظومة الثقافية وأحدثت تشوهاً عاماً في المجتمع وفي القيمة والمعنى الحضاري والثقافي للإنسان العربي المسلم.
لقد هدف المثقف الديني من خلال العصبية الدينية أن يفرض هيمنته ويحقق غاياته وأهدافه ولكنه وقع تحت حوافر السياسي الذي جعل منه أداة سيطرة ومبرراً لاستمرار ثنائية التسلط والخضوع.
ما نحمده للربيع العربي أنه استطاع التقليل من تأثير الفتاوى ولو بشكل نسبي وكشف لنا حقيقة ما يجري وما يعتمل في الخطاب الديني ، إلى الدرجة التي أدركنا فيها أن الفتاوى لم تكن إلا تعبيراً عن ضرورات سياسية دنيوية كفتاوى حرب صيف 94م وفتاوى الانفصال وفتاوى الجهاد والتكفير التي صدرت مؤخراً في مناخات الربيع وجل تلك الفتاوى وقعت في التناقض ذلك لأن مقاصدها دنيوية، فالذين أفتوا مثلاً بضرورة الجهاد في حرب صيف 94م في اليمن هم  أنفسهم من أفتوا بعدم جواز الوحدة مع الشيوعي الملحد في 90م ، والذين أفتوا بالقول أن الدعوة إلى الانفصال كمن يدعو إلى الكفر هم أنفسهم من كان يقولون بمشروعية مطالب الحراك وبحقهم وحريتهم في تقرير مصيرهم كنوع من المناكفة في أيام النظام السابق .
ومثل ذلك التناقض وقع ما يماثله في العراق وفي لبنان في حرب تموز 2006م مع إسرائيل وفي فلسطين مع حركة حماس.
وزبدة القول أن الفتاوى الرائجة في الخطاب الديني عند بعض الجماعات لم تكن إلا سلاحاً فتاكاً تستخدمه تلك الجماعات لتصفية حساباتها السياسية مع الآخر ولتحقيق أهدافها السياسية في ذاتها، وبعد قدرتها على الهيمنة على السياق الثقافي وعلى الوجدان العام استطاع الربيع العربي أن يكشف مقاصدها المبتذلة ويحد من فاعليتها، وعلى المثقف الفرد والمثقف العضوي الطلائعي أن يستشعر دوره في هذا المنعطف الخطير من تاريخ الأمة ويعيد الاعتبار للقيمة الثقافية والحضارية للإسلام ولمقاصده الإنسانية النبيلة.
قد يعجبك ايضا