فوز كاسح للمعارضة قلب المعادلات رأسا على عقب: هزيمة حزب اردوغان بالانتخابات البلدية هل تغيَّر الوجه السياسي لتركيا ؟

 

أفرزت نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة في تركيا التي انتهت مؤخرا بفوز كاسح لأحزاب المعارضة، وهزيمة ساحقة لحزب “العدالة والتنمية” بزعامة الرئيس رجب طيب اردوغان، واقعا سياسيا جديدا فتح الباب لتوابع سياسية قد تكون أشبه بزلزال سياسي يهدد مستقبل الحياة السياسية للحزب الحاكم لصالح المعارضة التي أفصحت عن طموحات سياسية قد تضع نهاية قريبة للهيمنة السياسية للحرب وزعيمه اردوغان المتربع على الرئاسة التركية منذ 22 عاما.
الثورة / تحليل / أبو بكر عبدالله

نتائج الانتخابات البلدية التركية التي انتهت قبل أيام بالفوز الكاسح للمعارضة والهزيمة المدوية لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب اردوغان، فاجأت الجميع بما في ذلك المعارضة بعد أن خلصت إلى بعد أن سجلت أول فشل سياسي كبير للحزب بعد أن خاض 18 عملية انتخابية خلال عقود.
وبعد حملات انتخابية كبيرة قادها الحزب الحاكم، أفضت النتائج إلى استحواذ أحزاب المعارضة على النصيب الأكبر من البلديات وفي الصدارة حزب “الشعب الجمهوري” أكبر أحزاب المعارضة الذي فاز في 35 بلدية بينها إسطنبول وأنقرة، في حين جاء حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في الترتيب الثاني بـ 24 بلدية، تلاه حزب “الرفاه من جديد” بـ 12 بالمركز الثالث، ثم حزب “المساواة الشعبية والديمقراطية” المؤيد للأكراد بـ 10 بلديات ثم حزب الحركة القومية المتحالف مع العدالة والتنمية بـ 8 بلديات وأخيرا “الحزب الجيد” ببلدية واحدة.
هذه النتيجة مثلت أكبر انتكاسة انتخابية وأكبر صدمة سياسية لحزب “العدالة والتنمية” بعد أن خسر جميع البلديات الكبرى ومعظم المدن الحضرية تقريبا في صورة عكست حجم التحول الهائل في الجغرافيا الانتخابية التركية الذي طاول في فترة قصيرة لم تتعد 10 أشهر 57 ولاية تركية صوتت جميعها لمرشحي المعارضة، بما فيها ولايات لم تفز فيها قوى المعارضة منذ 47 عاما.
والمثير للصدمة بالنسبة لحزب “العدالة والتنمية” أنه كان في نسب المشاركة العالية في الانتخابات التي ناهزت الـ 78.11 % وبكتلة انتخابية زادت عن الـ 61 مليون ناخب لعب فيها الدور الأكبر حملة انتخابية مكثفة نظمها الحزب الحاكم والرئيس اردوغان الذي حشد كل أعضاء حكومته للدعاية لصالح مرشحي الحزب، ولا سيما في إسطنبول التي خسرها للمرة الثانية على التوالي.

أسباب الهزيمة
مع أن الرئيس اردوغان استعان بحملته الانتخابية بالإنجازات الكبرى التي حققها في الصناعات التركية الدفاعية والعسكرية ومشاريعه الاستراتيجية الكبرى ومساعيه لإرضاء التيار القومي الذي كان قد حصل على ربع الأصوات الانتخابية في العام الماضي وسحب البساط من تحت أقدام المعارضة برفع رواتب الموظفين، ومحاولاته إبراز مكانة تركيا في الساحة الدولية إلى جانب الأقطاب الدولية الكبرى، إلا أن الشارع التركي تعامى عن كل ذلك أمام الإخفاقات الاقتصادية التي سجلتها حكومته منذ الانتخابات الرئاسية الماضية ناهيك بالسياسات الخارجية التي كانت محبطة لكثير من الأتراك.
تقف المشاكل الاقتصادية في صدارة الأسباب التي أفضت إلى خسارة اردوغان وحزبه في الانتخابات البلدية نتيجة التراجع الكبير في الأداء الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية لليرة التركية مع ارتفاعات كبيرة في الأسعار، في ظل الارتفاع المتواصل لمعدل التضخم الذي ارتفع بصورة كبيرة في الشهور العشرة الماضية ليصل اليوم إلى أكثر من 40 %.
زاد من ذلك رفض حكومة اردوغان تنفيذ مطالب الكتلة التصويتية الكبيرة للمتقاعدين البالغ عددها 10 ملايين ناخب بزيادة الأجور، وتنفيذه برنامجا للتقشف بعد فوزة بالانتخابات الرئاسية العام الماضي وهو البرنامج الذي يعتقد الأتراك أنه أفلح في استرضاء أسواق الغرب في حين أغضب الكثيرين من مجتمع الناخبين المؤيدين لحزب “العدالة والتنمية”.
والعوامل الاقتصادية لم تكن الوحيدة التي تسببت في الهزيمة الانتخابية، فمنذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي استحوذ فيها الرئيس اردوغان على نصيب الأسد، برزت حالة من التراخي السياسي لدى الحزب الذي دخل الانتخابات البلدية بثقة كبيرة في الفوز، في حين أن سياسته في إعادة تدوير الوجوه في المناصب القيادية، أفقدت الشارع الثقة في حصول تغيير في ظل سوء اختيار الوجوه وتنقل الشخصيات القديمة من مناصب قديمة إلى أخرى جديدة دون القدرة على تحقيق أي جديد.
زاد من ذلك الاتهامات المتصاعدة للحزب الحاكم في القيود التي فرضها على الحريات، والعبث بالديمقراطية، والتي انعكست بآثارها على الجميع، بمن في ذلك الأحزاب المتحالفة مع اردوغان في “تحالف الشعب” والتي وجدت نفسها تتحمل تبعات أخطاء الحزب الحاكم، وأدت إلى مسارعة بعضها لتبني مواقف سياسية مغايرة في القضايا الداخلية المهمة مثل قضايا الأجور والتضخم المرتفع.
والقضايا الخارجية لم تكن بعيدة أيضا، حيث أحدثت انشقاقات في التحالف الذي يقوده حزب اردوغان ولا سيما في العلاقات مع العدو الإسرائيلي والمطالبات بوقف التجارة مع إسرائيل، وهي القضايا التي أحدثت تحولا كبيرا في المشهد السياسي والانتخابي وألقت مزيدا من التحديات أمام اردوغان وحزبه، وسط تصاعد حاد في الانتقادات لعدم قطع اردوغان علاقات بلاده مع إسرائيل رغم تصريحاته النارية التي تدين حكومة نتنياهو ووصفه له بأنه “الإرهابي الذي يجب محاسبته دولياً باعتباره مجرم حرب”.

فوز المعارضة
في مقابل الإخفاقات الكبيرة التي مني بها حزب “العدالة والتنمية”، استطاعت أحزاب المعارضة التركية في حملاتها الانتخابية توظيف رزمة من المشاكل المتفاقمة في تركيا في مقدمتها الأزمة الاقتصادية، وتداعيات الزلزال الذي ضرب تركيا في فبراير الماضي وحالة الاحتقان الشعبي الناتجة عن ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار وتدهور القوة الشرائية لليرة التركية.
ولعبت عوامل سياسية داخلية على مستوى أداء الأحزاب المعارضة دورا مؤثرا في تحقيق المعارضة انتصارات انتخابية يتصدرها التحولات والتكتيكات السياسية الجديدة، التي استطاعت من خلالها إحداث تغيير كبير في قناعات الناخبين والتأثير على المشهد الانتخابي التركي بصورة عامة.
يشار في ذلك إلى التحولات التي حصلت بتشكيل قوى المعارضة تكتلا سياسيا جديدا لخوض الانتخابات البلدية ضد حزب “حزب العدالة والتنمية” عرف باسم “الطاولة السداسية” التي ضمت أحزاباً من اليسار وتيارات اليمينية والقومية والإسلامية بينها 3 أحزاب خرجت من عباءة حزب “العدالة والتنمية”.
وأضيف إلى هذا التكتل حزب “الشعوب الديمقراطي الكردي” الذي يعد من المكونات السياسية المؤثرة في المشهد الانتخابي التركي بالنظر إلى نسبة الأكراد من إجمالي السكان البالغة 20 %، والذي خاض الانتخابات تحت اسم جديد هو “اليسار الأخضر” بعد انضمامه إلى أحزاب الطاولة السداسية، بعد أن كان قد حصد في الانتخابات البرلمانية نحو 61 مقعدا.
وكان اللافت أن أحزاب المعارضة التي كانت منخرطة في تكتل سياسي موحد قبل 5 سنوات، خاضت الانتخابات البلدية الأخيرة بصورة منفردة بعد هزيمتها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام الماضي وتمكنت من استيعاب أخطائها وتصويب توجهاتها ولا سيما بعد التهديد الذي أطلقه الرئيس اردوغان بعد فوز حزبه بالانتخابات النيابية والرئاسية بقولة “دعونا نرسلهم إلى التقاعد”.
وعلاوة على ذلك، فقد ساهم رفع المعارضة مطالبها بإعادة إحياء نظام الحكم البرلماني وإسقاط النظام الرئاسي الذي وضعه اردوغان وحزبه الحاكم، في زيادة التأييد الشعبي لها، في ظل الانطباع العام الذي أشاعته خطوة اردوغان بالانتقال للنظام الرئاسي بكونه تكريسا لنظام الاستبداد بالسلطة التنفيذية وسيطرتها على باقي السلطات وبخاصة القضائية ومعظم وسائل الإعلام.

هزات وتغيرات
بعد إعلان نتائج الانتخابات البلدية، لم يخف الرئيس اردوغان البالغ من العمر 71 عاما مشاعر الهزيمة، حيث تحدث للمرة الأولى بوضوح عن ترك منصبه بعد ولايته الثانية التي تنتهي عام 2028م، قائلاً: إن الانتخابات المحلية المقبلة خلال هذا العام وإقراره باحترام ‘إرادة الناخبين وهو خطاب غير مألوف من أردوغان الذي طالما كان يعتمد على سياسة صارمة في شحن ناخبيه بخطابات نارية مليئة بالوعود ولتشفي بخصومة السياسيين.
ورغم أن الرئيس اردوغان تعهد في كلمته بعد إعلان نتائج الانتخابات البلدية بتصحيح الأخطاء التي أدت إلى هزيمة حزبه، باعتبارها نقطة تحول ليست نهائية، إلا أن كثيرين اعتبروا أن نتائج العملية الانتخابية كانت أكبر من قدرته على العودة إلى المشهد السياسي، حتى في ظل المساعي التي تعهد فيها بعض قادة الحزب بتغيير حسابات الحزب وتحالفاته السياسية وخطابه السياسي في المرحلة القادمة.
هذا الأمر فتح باب التقديرات التي تقول إن خسارة حزب “العدالة والتنمية” للانتخابات البلدية، لن تكون نهاية المطاف، في سلسلة تداعيات سياسية منتظرة في المرحلة القادمة قد ترغم الحزب على أحداث تغييرات في هياكله القيادية، بما في ذلك وضع نهاية مبكرة لحكم اردوغان والدائرة القريبة منه في سلم القيادة.
ملامح ذلك بدأت فعلا بالظهور بعد الاتهامات التي أفصح عنها قياديون كبار في الحزب تتهم 6 من نواب اردوغان وتحملهم مسؤولية نتائج هزيمة الانتخابية وسط توقعات بأن تتم الإطاحة بهم في المرحلة القريبة القادمة، ما يرجح حصول تصدعات كبيرة في الهيكل القيادي لهذا الحزب.
يأتي ذلك في ظل تحديات كبيرة تنتظر الرئيس اردوغان خلال ما تبقى من فترة ولايته الرئاسية الأخيرة بموجب الدستور التركي، في مقدمتها وقف التضخم المالي وإنعاش الاقتصاد، وموجة الاستياء السائدة لدى الشارع التركي من معدلات الفائدة المرتفعة البالغة 50 % وتدهور العملة الشرائية لليرة التركية، والمعدل المنخفض لأجور المتقاعدين.
وهذه التحديات يمكن أن تكون موضوعا لمعارك سياسية كبيرة، في ظل التوقعات التي تُرجح تصاعد حدة الصراع السياسي بين الحزب الحاكم والمعارضة، استنادا إلى حالة الشعور بالثقة لدى المعارضة بعد الانتخابات البلدية التي اعتبرتها مؤشرا رئيسيا على حدوث تغير كبير في معادلة التوازنات السياسية في أي انتخابات رئاسية أو تشريعية مقبلة في تركيا.

طموحات كبيرة
تكاد المعارضة التركية تُجمع على أن الفوز الذي حققته في الانتخابات البلدية سيكون نافذة لفرص سياسية قادمة، وهو الموقف الذي عبر عنه القيادي في حزب “الشعب الديموقراطي ” أكرم إمام أوغلو، الذي اعتبر أن تصويت الكتلة الانتخابية الأكبر لصالح مرشحي المعارضة “يعكس الرغبة لدى الشارع التركي في التغيير.
وهذه القراءة تبدو واقعية، حيث أعطت الانتخابات البلدية دفعة معنوية قوية للمعارضة في إنعاش مطالبها تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة تمكن المعارضة من التعبير عن الخارطة الانتخابية الجديدة، وتحقق آمالها بالفوز في الانتخابات الرئاسية وهو الطموح الذي عبّر عنه زعيم حزب “الرفاه من جديد”، الذي جدد هذه المطالبات باعتبار أن النتائج التي خرجت من صناديق الاقتراع في الانتخابات البلدية تؤكد أن إجراء انتخابات مبكرة أمر لا مفر منه.
وتبدو المعارضة في دعوتها لهذه الخطوة تحاول استباق إجراءات كان حزب العدالة والتنمية” وزعيمه اردوغان يخطط لتنفيذها في حال فوز حزبه بالانتخابات البلدية، ولا سيما في ولاية إسطنبول والولايات الكبيرة التي خسرها وتبنى فكرة الانتخابات المبكرة في محاولة لاستعادتها لاستثمار فوزه فيها لتعزيز السلطة السياسية لحزبه.
وبالنسبة للحزب الحاكم والمعارضة، فإن هذا التكتيك يستند إلى القاعدة الانتخابية الأهم في تركيا والتي تقول إن من يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا، ومن يخسر إسطنبول يخسر تركيا، وهي المعادلة التي تحرص كل الأحزاب التركية على الظفر بها في كل موسم انتخابي بالنظر إلى التأثير السياسي والاقتصادي الكبير لهذه المدينة على المشهد السياسي بصورة عامة.
ومع ذلك يصعب إغفال أن الأتراك باتوا اليوم يتطلعون إلى سياسات داخلية وخارجية جديدة تخرجهم من نفق الأزمات الاقتصادية وتلبي قواعد سياسية متوازنة وفي المقدمة تفكيك السيطرة السياسية لحزب العدالة والتنمية” وإفساح المجال لقوى سياسية جديدة والعودة إلى النظام البرلماني وإعادة العلاقات الطبيعية مع دول الجوار ومع الغرب ووقف الدعم العسكري الذي تقدمه الحكومة لفصائل عسكرية بدول أخرى، وأكثر من ذلك العودة إلى إحياء مبادئ مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

قد يعجبك ايضا