انتصارات الروس أشعلت كوابيس الحرب الباردة : أي مستقبل ينتظر أوروبا بعد فك أمريكا ارتباطها بحلف «الناتو»؟

 

ثلاثة متغيرات جيواستراتيجية جديدة أحدثت زلزالا في معادلة الأمن الأوروبي المعتمدة منذ الحرب العالمية الثانية على المظلة الأمنية لـ «الناتو»، الأول تمثل بالانتصارات الروسية في أوكرانيا، ثم فوز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لولاية رئاسية جديدة تمتد لـ 6 سنوت، وأخيرا السياسة الجديدة التي أعلنها المرشح الجمهوري الأوفر حظا في الانتخابات الأمريكية دونالد ترامب بشأن فك الارتباط مع حلف «الناتو» وانتهاء الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
الثورة / تحليل / أبو بكر عبدالله

إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا بأن انتصار روسيا في حربها بأوكرانيا سيقضي على أمن أوروبا وتأكيده أن موسكو لن تتوقف في الحرب عند حدود أوكرانيا، تطابق مع تصريحات زعماء أوروبيين آخرين فيما بدا تفكيراً جماعياً بصوت مرتفع حيال مخاوف تجتاح العواصم الأوروبية من آثار الانتصار الروسي في أوكرانيا على معادلة الأمن الأوروبي.
والمخاوف الأوروبية من روسيا لم تكن جديدة وهي من حركت قبل أكثر من عامين العواصم الأوروبية لمواجهة روسيا في العملية العسكرية التي شنتها في أوكرانيا حيث دعمت كييف بالمال والسلاح والخبراء وانخرطت في أكبر سلسلة عقوبات اقتصادية على روسيا، سعيا إلى هزيمتها أو على الأقل استنزافها، كما انخرطت في أكبر عملية تسليح وتوسيع لحلف «الناتو» لتقليل احتمالات أن تهاجم روسيا أي دولة أوروبية في المستقبل.
لكن المخاوف الأوروبية تحولت إلى هواجس جماعية طرحت بشكل رسمي على أكبر مؤتمر للأمن الأوروبي في ميونخ، بعد الانتصارات الروسية الكبيرة في أوكرانيا والخسائر التي تكبدها الجيش الأوكراني، جراء تقلص الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
زاد من ذلك فوز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالانتخابات لولاية رئاسية جديدة لـ 6 سنوات، بالتزامن مع تزايد فرص المرشح الجمهوري دونالد ترامب للفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، في تحولات بدت أشبه بكابوس بالنسبة للعواصم الأوروبية التي شرعت بإجراءات سياسية وعسكرية وأمنية استعدادا لحرب متوقعة مع روسيا.
هذه التطورات فجرت موجة جدل جيوسياسي في أوروبا بشأن معادلة الأمن الأوروبي ومستقبل حلف الناتو» ومدى كفايته كمظلة أمنية يمكن الوثوق بها ولا سيما بعد الانتقادات النارية التي أطلقها دونالد ترامب، للدول الأوروبية الأعضاء في حلف «الناتو» لعدم التزامها بدفع ما عليها من استحقاقات مالية وتأكيده أن واشنطن لن تحمي أي دولة من دول الحلف تتأخر عن السداد في حال تعرضت لهجوم من روسيا.
والتوجهات الجديدة للإدارة الأمريكية القادمة لم تكن دعاية انتخابية، فقد أكدها أحد المستشارين الكبار في مجال الأمن القومي الأمريكي الذي أعلن أن ترامب سيسعى لإجراء تغييرات الحلف إذا عاد إلى السلطة قد تؤدي إلى فقدان بعض الدول الأعضاء الحماية من أي هجوم خارجي.

خيارات صعبة
بعد عقود طويلة من الأمن المجاني الأوروبي تحت مظلة «الناتو» الذي تقدم الولايات المتحدة الأمريكية 75% من حجم انفاقه العسكري، وجد الأوروبيون أنفسهم فجأة أمام معادلات أمنية جديدة فرضها إعلان مرشح الانتخابات الرئاسية الأمريكية دونالد ترامب سياساته الجديدة التي وضع فيها الأوروبيين أمام خيارين إما تقاسم الأعباء الدفاعية أو فك الارتباط الأمريكي مع حلف «الناتو»، ناهيك عن إعلان عزمه وقف المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن لأوكرانيا وإرغامها على السلام حال وصوله إلى البيت الأبيض.
هذه التوجهات وضعت الحلفاء الأوروبيين أمام خيارات صعبة، إما التوقف عن تمويل أوكرانيا وتوجيه مواردها لتطوير قدراتها العسكرية، بما يعني إفساح المجال لروسيا للانتصار في أوكرانيا، أو تحمل أعباء تمويل أوكرانيا من جهة وزيادة الانفاق الدفاعي تحت مظلة “الناتو» على حساب أمنها القومي والتزاماتها بحماية مستويات الإنفاق الاجتماعي وسط حالة انقسام أوروبي حاد تجاه هذه القضايا.
وتفاقمت المشكلة بالنسبة لأكثر الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو» بعد الكشف عن فجوات في القدرات العسكرية الأوروبية، تسببت فيها الحرب في أوكرانيا، وسط تقديرات تحدثت عن احتياج دول أوروبا إلى موازنات عملاقة وسنوات طويلة لسد هذه الفجوة.
وتنهمك جميع العواصم الأوروبية حاليا بمناقشة الخيارات الصعبة التي يمكن أن توفر لها الحماية الأمنية على شاكلة المظلة النووية الأوروبية البديلة بالتزامن مع شروعها بإجراءات قاسية لزيادة الإنفاق العسكري بالتوازي مع إجراءات تقشفية في خطوات جسدت حجم المخاوف الأوروبية من الانتصار المحتمل لروسيا في حرب أوكرانيا المندلعة منذ أكثر من عامين.
بالمقابل عبرت هذه الخطوات عن اهتزاز ثقة الأوروبيين بالمظلة الأمنية الأمريكية التي تشكلت مع تأسيس حلف «الناتو» في العام 1949م بنظام الدفاع المشترك الذي صار هو الآخر مهددا بفعل السياسات المعلنة لمرشح الانتخابات الرئاسية الأمريكية دونالد ترامب تجاه حلف الناتو» والتزاماته المستقبلية.
بات على أوروبا وفقا لذلك دفع الثمن الصعب، حيث أنها لم تتجاهل فقط المخاوف الروسية بشأن توسع حلف «الناتو» بل إنها انخرطت في الحرب ضد روسيا كما عملت على تحقيق أهداف الولايات المتحدة بتوسيع رقعة حلف «الناتو» الذي ضم إلى عضويته كلاً من السويد وفنلندا، ناهيك عن تعهده بضم أوكرانيا كذلك في حال استوفت شروط الانضمام.
وقدمت أوروبا خلال عامين من الحرب الروسية الأوكرانية كل ما لديها تحت مظلة الغرب الجماعي بقيادة الولايات المتحدة، ما أثار انتقادات داخلية تجاه تعامل أوروبا مع القوة والمبادئ الأمريكية باعتبارها ثوابت لا كمتغيرات تفرضها تقلبات المشهد السياسي الأمريكي لتجد نفسها مضطرة للتعامل مع توجهات جديدة للمرشح الجمهوري ترامب الذي أعلن توجهات مشروطة لبقاء حلف «الناتو» بما اُعتبر متاجرة بأمن أوروبا بصورة سافرة.
هذه المواقف فرضت نفسها بقوة على مداولات مؤتمر ميونخ للأمن الأوروبي، في ظل الشكوك الأوروبية المعلنة حيال التزام واشنطن الدفاع عن حلفائها وما لذلك من تأثيرات دراماتيكية محتملة على القدرة الدفاعية والأمنية في أوروبا التي تواجه مشكلات في تحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها في ظل الانقسامات وغياب النهج المشترك.

رد روسي مرجح
يتوقع الأوروبيون أن يؤدي انقطاع تدفق الأسلحة والمساعدات الغربية وخاصة الأمريكية إلى أوكرانيا في ظل حالة الانهاك والاستنزاف التي تواجه الجيش الأوكراني إلى دفع كييف إلى الانسحاب والتراجع من كثير من الجبهات، بما يفتح الطريق أمام روسيا للسيطرة على أوكرانيا وربما فعل الشيء نفسه مع أي دولة من دول «الناتو» في غضون سنوات قليلة.
ولا تترد بعض الدوائر السياسية الأوروبية من إلقاء اللوم على مراكز القرار الأوروبي التي تبنت سياسات دفاعية وأمنية مفتوحة دون محاذير أدت إلى تورطها برفع سقف الدعم المالي والعسكري المقدم لأوكرانيا بصورة وضعت أوروبا على حافة الحرب المباشرة مع روسيا.
يشار في ذلك إلى الدعم الكبير الذي حظيت به أوكرانيا من 54 دولة، قدمت لكييف مساعدات مالية بلغت نحو 203 مليارات دولار، ونحو 1600 وحدة من الأسلحة الصاروخية والمدفعية، وأكثر من 200 وحدة من أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات، وحوالي 5200 وحدة من الأسلحة المدرعة وأكثر من 23 ألف طائرة بدون طيار، ناهيك عن الدعم الاستخباراتي الفضائي بنحو 500 قمر صناعي وأكثر من 70 مركبة فضائية عسكرية واستطلاعية، وأكثر من 20 ألف محطة من نظام ستارلينك للأقمار الصناعية الأمريكية.
هذا الدعم الذي تزامن مع انخراط أوروبي مباشر في الحرب، كبد روسيا في الواقع خسائر عسكرية هائلة واستنزف كماً هائلاً من ترسانتها العسكرية كما كبدها خسائر اقتصادية هائلة ما كانت لتخسرها لولا الدعم الأوروبي الواسع الذي أطال أمد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا لأكثر من عامين.

أوضاع معقدة
خلال الشهور الماضية أفصحت العديد من الدول الأوروبية إلى أن توريدها السلاح والذخائر إلى أوكرانيا تسبب في استنزاف قدراتها الدفاعية بمعدلات خطيرة، أدت إلى تراجع قدراتها العسكرية والدفاعية، ما عزز المخاوف من أن أي حرب قد تخوضها روسيا مع أي من الدول الأوروبية في «الناتو» سواء بشكل جماعي أو منفرد، ستكون في مصلحة روسيا.
يشار في ذلك إلى محدودية قوات «الناتو» المنتشرة في جناحه الشرقي والتي لا تتجاوز الـ 40 ألف جندي في وضع الاستعداد، في حين أن الخطط التي تبحثها دول «الناتو» لنشر 300 ألف جندي للعمل ضمن قواته تواجه عقبات كثيرة، وهي ذاتها من دفعت بالكثير من الدول الأوروبية للاتجاه إلى تحديث ترسانتها العسكرية وتخزين المزيد من الذخيرة بعيدا عن الحلف واستراتيجياته للأمن الجماعي.
وطبقا لتحليلات أجرتها معاهد دولية رفيعة، فإن دول أوروبا التي استنزفت قدرا مهما من ترسانتها العسكرية في الحرب الأوكرانية «ستحتاج إلى 20 عاما على الأقل لبناء قوات عسكرية قادرة على صد أي غزو روسي محتمل لأي من دول الحلف القريبة منها بكلفة مالية تصل إلى 420 مليار دولار، في حين أن لدى موسكو الإمكانيات الكافية لإعادة بناء جيشها وتعويض السلاح الذي فقدته في الحرب الأوكرانية في غضون سنوات قليلة من انتهاء الحرب.
والأدهى من ذلك أن التقديرات تؤكد أن روسيا قد تستثمر أي حرب مع دول «الناتو» لتحقيق انتصار جيواستراتيجي في مشروعها الكبير بالانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب بمساندة الدول الداعمة لهذا المشروع.

سقوط الرهانات
يدرك الأوروبيون أنه في حال توقف الدعم الأمريكي لأوكرانيا لن يكون بإمكان دول أوروبا تحمل كلفة الحرب لوحدها، بالنظر إلى الموارد الكبيرة التي تستهلكها الساحة الأوكرانية المترامية والتي تفوق قدرات الدول الأوروبية في ظل الأزمات الاقتصادية العاصفة التي تواجهها منذ سنوات، كما يدركون أكثر أن مشروع ترامب لفك الارتباط مع حلف «الناتو» سيضع نهاية للحلف بصورة مبكرة.
ومن جهة ثانية، فإن رهانات الدول الأوروبية، بتحقيق الجيش الأوكراني عبر السلاح الغربي المتطور، انتصارات ميدانية، يمكن أن يحسن وضعها في محادثات السلام، قد تلاشت كليا اليوم، في حين أن رهاناتها على استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية الروسية، لم تعد قائمة بعد أن تمكنت موسكو من تجاوز مشكلة الاستهلاك الكبير للذخائر وآثار العقوبات وأفلحت في إنتاج ترسانة أسلحة متطورة، بكميات كبيرة.
وحتى الرهانات على العزلة الدولية لروسيا سقطت أيضا، فالعلاقات الروسية مع دول العالم تسير بصورة اعتيادية بل وتمضي ببناء شراكات استراتيجية ضخمة مع الدول الصاعدة في العالم بل إنها شهدت تطورا لافتا في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.
وبصورة عامة فإن النخب السياسية الأوروبية لم تعد تثق كثيرا بالالتزامات الأمريكية تجاه الأمن الأوروبي بعد أن ظهرت نبرة المتاجرة بهذا الملف بوضوح، سواء في السياسات التي أعلنها ترامب أم في الوثائق المخابراتية السرية المسربة من وزارة الدفاع الأمريكية والتي تحدثت عن احتمال أن تشن روسيا هجمات عسكرية على دول «الناتو» ودفعت 14 دولة أوروبية في «الناتو» إلى إعلان عزمها شراء مقاتلات الجيل الخامس الأمريكية لمواجهة الهجمات الروسية المحتملة.

فرص نهاية النفق
يصعب الجزم بأن الولايات المتحدة ستتخلى تماما عن حلفائها الأوروبيين، كون خطوة كهذه ستعني لمراكز القرار الأمريكي سقوط النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، ولذلك من المرجح أن تتجه الإدارة الأمريكية أيا كان رئيسها إلى المحافظة على الحلف الأطلسي لبضع سنوات قادمة بالاستفادة من الزخم الذي حظي به الحلف في العامين الأخيرين.
ومن غير المستبعد أن تتجه العديد من الدول الأوروبية في ظل التحديات المصيرية الكبرى التي تواجهها، نحو تلبية الشروط الأمريكية بتقاسم الأعباء المالية لحلف «الناتو» وقد بدأت دول رئيسية مثل ألمانيا بزيادة حجم إنفاقها ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما أعلن الأمين العام للحلف نيس ستولتنبرغ أن 18 من أعضاء الحلف الـ31 هم على مسار تحقيق الهدف المحدد للإنفاق الدفاعي.
لكن الثابت أن دولا كثيرة في «الناتو» لا تزال تواجه مشكلات اقتصادية كبيرة، ولا يتوقع أن تنجح في الوقت الراهن ولا في غضون السنوات القليلة القادمة من بلوغ الهدف المطلوب تحقيقه في ظل المشكلات السياسية والاقتصادية التي قد تهدد استقرار الحكومات الغربية في حال لجأت إلى تقليص حجم الانفاق الاجتماعي لصالح الانفاق العسكري، الذي يعتقد كثيرون أنه لن يستهدف تعزيز الأمن الأوروبي بقدر ما يستهدف تحقيق مكاسب مالية لشركات تصنيع الأسلحة والذخائر في الولايات المتحدة الأمريكية.

قد يعجبك ايضا