سيناريوهات زمن الهدنة في اليمن

يكتبها اليوم / عبدالرحمن مراد

منذ بدأت الهدنة – التي تجاوزت العام بين اليمن ودول العدوان – لم يشهد الواقع السياسي حراكا كالذي يحدث اليوم، فالحوار الذي تم حول تجديد الهدنة ربما فرض واقعا جديدا حاولت دول العدوان أن تسد فراغاته, فالحديث الذي يدور حول الانسحاب العسكري من الجنوب اليمني تعاملت معه دول العدوان بطريقتها، فهي تقول إن الجنوب لديه قضية منذ 94م وتواجدهم هناك بناء على رغبة شعب الجنوب اليمني وحتى الوصول إلى تسوية سياسية للقضية الجنوبية, وتبعا لذلك سارعت دول العدوان بالإفراج عن قيادة الانتقالي بعد وضعهم تحت الإقامة الجبرية خارج اليمن, ومع عودة قيادة الانتقالي إلى عدن برز النشاط الذي خفت خلال زمن اعتقال الزبيدي في الإمارات, وبدأ الخطاب يتعامل مع سقف المطالب بشكل ملفت للنظر, ويبدو أن السعودية تحاول أن تضع سيناريو محتملا من خلال إعادة ترتيب النسق السياسي، حيث استدعت مجلس القيادة الذي شكلته قبل فترة, وأرسلت لهم طائرات خاصة، كما استدعت رئيس حكومة المرتزقة وبعض قيادات الجيش .
السيناريو المحتمل تنفيذه ينبثق من تجليات حوار تجديد الهدنة، ومن خلال الشروط التي وضعتها صنعاء, فالقضية لدى دول العدول تسير في اتجاهات واضحة ومحددة من خلالها يمكن القياس, فالعدوان يرفض أن تشعر صنعاء بأي تقدم أو نصر في ملف القضية الوطنية, ولذلك يصر على التعنت في الملف الإنساني، وملف المرتبات، بالرغم من أن ذلك ليس أمرا سياسيا، ولا يندرج ضمن أي شروط أو تفاوض كون الموضوع قضايا حقوقية وإنسانية تخص عموم الناس ولا تخص مكونا سياسيا بعينه، إلا أن هذا الإصرار على إفراغ المواضيع الإنسانية من مضامينها يأتي ضمن فكرة إفراغ النصر العسكري من محتواه بالقياس على الأهداف المعلنة للعدوان, فالنصر يمكن قياسه من خلال الأهداف التي أعلنها العدوان في مارس من عام 2015م وقياس مدى تحقق تلك الأهداف في الواقع السياسي اليمني، فصنعاء التي راهن العدوان على تحقيق أهدافه فيها في ظرف زمني وجيز لا يتجاوز الأيام صمدت ثمانية أعوام كاملة، وها هي تلج العام التاسع وقد قالت الأيام أنها أصبحت رقما صعبا لا يمكن تجاوزه .
الاتجاه الآخر الذي تسلكه دول العدوان – كما يدل الواقع عليه – هو القضية الجنوبية, فالجنوب أصبح مرتعا خصبا للعدوان، وبه ومن خلاله تحقق الدول الكبرى غاياتها وأهدافها, فالتوازن الدولي يرى في الشواطئ والموانئ اليمنية مواقع استراتيجية, وبعض مصالح دول العدوان ترى في الشواطئ والموانئ اليمنية مواقع اقتصادية مهمة لها للسيطرة على سوق الطاقة العالمي, وتجار القضية في الجنوب يخرجون من السجون الإماراتية لتنفيذ ما يطلب منهم من تهيئة المناخات أو صناعة فرص ومخارج سياسية حتى تستمر ثنائية الخضوع والهيمنة على الجغرافيا اليمنية في الجنوب, ويظل الجنوب بدون قضية، وبدون هدف .
ما نتوقعه أن يتم فصل الجنوب وهو سيناريو متوقع وتدل عليه رموز الواقع وإشاراته, لكن الجنوب اليمني لن يكون موحدا, فالعلم الحضرمي بدأ يرفرف ويعلن عن نفسه في أكثر من مناسبة, وحالة التنافر بين أبين والضالع, وبين عدن وأبناء القرية شديدة الوطأة يقول التاريخ أن ذلك التنافر ينتهي بموجة عنف مدمرة, وبذور الصراع والتنافر قابلة للنمو في شعب الجنوب, ولذلك يسهل على المستعمر فرض أجنداته من خلال دعم المكونات والفصائل حتى يضيع الهدف وتتلاشى الغاية كي تتشكل في واقع هش تصبح فيه مسخا مشوها لأرذل نماذج التاريخ .

خلال سوالف الأيام افتتح قادة الإمارات مركزاً ثقافياً كبيراً للشيعة مجهزاً بأحدث التقنيات المعاصرة ويمكنه ممارسة كل الأنشطة الثقافية والطقوس التي يعتقدها أهل الشيعة الجعفرية, وسارع النظام السعودي إلى التقارب مع النظام الإيراني واتفق الطرفان على عودة العلاقات بين البلدين السعودي والإيراني, ومثل ذلك أمر مستحسن وقد يخدم استقرار المنطقة, بيد أن الخطاب الموجه إلى اليمن والذي يرى في اليمن دولة صفوية فارسية لا يمكن قبولها في المنطقة حتى تعود إلى الصف العربي، كما يقول الخطاب الاعلامي والسياسي لدول العدوان, وعملوا تحت شعار العودة الى الصف العربي على تدمير كل مقدرات اليمن وساهموا في تفكيك البنى الثقافية والاجتماعية وأحدثوا شرخا في الجدار النفسي بين أبناء الوطن الواحد وبعد كل الدمار الذي أحدثوه في اليمن فتحوا أبوابهم ومدنهم للثقافة والعقائد الفارسية الصفوية وتقاربوا مع إيران, هذا الاختلال في النسق العام يدل أن أهداف العدوان لم تكن الفارسية ولا الصفوية في اليمن بل كانت تلك المفاهيم لافتات للتضليل للوصول إلى مرحلة الدولة الفاشلة في اليمن حتى تقوم الدول الكبرى باحتلال اليمن وتحقيق التوازن الاستراتيجي مع الصين في إطار حرب عالمية تدور رحاها بشكل خفي بين النظام الدولي القديم والنظام الدولي الذي يتشكل بفكرة تعدد الأقطاب وتقوده روسيا اليوم .
كل الرموز والإشارات التي يقول بها الواقع اليوم، أن دول العدوان لم تعد تفضل الخيار العسكري في اليمن لكنها سوف تدير الشأن اليمني بالحرب الناعمة وبخيارات السلام وبحركة الاضطرابات والقلاقل والتنافر والنزاعات، فالسعودية بدأت تدرك أهمية تلك الوسائل القذرة وتوسع من دائرة اهتمامها فيها وتعمل على التحرك في المساحات المتصدعة مع ضمان حيادية محور المقاومة من خلال التخدير الموضعي للقضايا حتى يخلو لها الجو في اليمن فتبيض وتفرخ.

قد يعجبك ايضا