تواري بوتين لن يعفيه من امتحان الخيارات الصعبة:

الانسحاب الروسي من خيرسون.. هزيمة أم إعادة تموضع؟

يكاد العالم ينقسم إلى قسمين في قراءته التداعيات الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية التي أفضت إلى انسحاب روسي مفاجئ من العاصمة الإدارية لإقليم خيرسون وفرض الجيش الأوكراني السيطرة عليها بين من يرى في ذلك “انتصار استثنائي” لأوكرانيا يضعف فرص الجيش الروسي لتحقيق انتصار في حربه مع الغرب وبين من يراه انسحاباً تكتيكياً لم يغير كثيرا من المعادلة ولن يمنح الغرب فرص تسجيل انتصار.

الثورة / أبو بكر عبدالله

ووفقا لمعطيات ميدانية عدة، خلا توصيف انسحاب الجيش الروسي من مناطق تمركزه في الضفة الغربية لنهر دنيبرو، بأنه “تكتيكي” من الموضوعية، فقد عانت القوات الروسية طوال الأشهر الماضية من مشكلات في الامدادات، زاد منها الهجمات المضادة للجيش الأوكراني التي حولت القوات الروسية من وضع الهجوم إلى الدفاع، ما فسر التصريحات الروسية التي بدت داعمة للموقف الصعب للرئيس فلاديمير بوتين بقولها إن القرار كان عسكريا اتخذته وزارة الدفاع.

وعلى الضفة الأخرى كان المشهد مضطربا، فبعد الانسحاب الروسي كانت السلطات الأوكرانية متفاجئة من الخطوة الروسية، بل ومشككة وسط اعتقاد بأن موسكو تحاول “جرهم إلى فخ” وهو ما عبرت عنه تصريحات الرئيس زيلينسكي بالقول” العدو لا يعطينا هدايا” قبل أن يعلن الكرملين رسميا اكمال سحب قواته من هذه البلدة الاستراتيجية وإعلان منطقة أخرى على الضفة الشرقية من نهر دينبرو عاصمة مؤقتة للإقليم.

وطبقا لإعلان وزارة الدفاع الروسية فقد تم نقل نحو 30 ألف جندي روسي ونحو 5 آلاف وحدة تسليح ومركبة عسكرية من عاصمة اقليم خيرسون في الضفة الغربية لنهر دنيبرو إلى ضفته الشرقية، بالتزامن مع نقل عشرات الآلاف من المدنيين بواسطة القوارب إلى الضفة الشرقية للنهر، حيث أعلنت هناك منطقة غينيشيسك الواقعة على بعد 200 كيلو متر عاصمة مؤقتة للإقليم.

وفقا لذلك يصعب اعتبار الانسحاب الروسي من هذه المنطقة هزيمة لروسيا وانتصارا عسكريا لكييف، وهو ذات التقييم الذي ذهب اليه الجنرال جون بول بالوميرو القائد الأعلى السابق لحلف شمال الأطلسي بإشارته إلى ان الروس تراجعوا بشكل اختياري ومرتب ونجحوا في تحقيق تراجع استراتيجي وهو تحرك لصالحهم حافظوا به على جيشهم، في حين لا يزالون يسيطرون على 60 % من خيرسون، كما أصبح نهر دنيبرو حاجزا أمام الاوكران ودرعا للروس غير قابل للاختراق.

ومع ذلك فقد رآه البعض انتصارا معنويا للجيش الأوكراني كون هذه المدينة كانت من أوائل المدن التي سقطت بأيدي القوات الروسية قبل أن تواجه القوات الروسية فيها مشكلات كبيرة في الإمداد حتى بعد اعلان الرئيس بوتين استكمال المرحلة الأولى من خطة التعبئة الجزئية لقوات الاحتياط.

أهمية خيرسون:

لإقليم خيرسون أهمية استراتيجية كبيرة، هي من دعت القوات الروسية للسيطرة عليه في بداية العملية العسكرية وتاليا تنظيم استفتاء بضمها رسميا للسيادة الروسية، نظرا لقربها من شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا لاراضيها العام 2014.

وعدم السيطرة الروسية على هذا الإقليم كان سيجعل شبة جزيرة القرم معزولة في ظل عدم توفر ممر بري اليها، كما سيجعل المدفعية الأوكرانية تصل إلى القواعد العسكرية الروسية في شبه الجزيرة المطلة على البحر الأسود.

وهذا الأقليم يعتبر المصب لنهر دينيبرو الذي يقسم أوكرانيا إلى قسمين شرقي وغربي وهو المزود الرئيسي للإقليم وكذلك لشبه جزيرة القرم بالمياه العذبة عبر قنوات متفرعة من النهر كانت السلطات الأوكرانية قطعتها خلال السنوات الماضية، قبل أن تعيدها القوات الروسية بعد السيطرة على الاقليم مطلع العام الجاري لتزويد السكان المحليين وقاعدتها العسكرية في شبه الجزيرة بالمياه العذبة.

وخلال الأشهر الماضية عززت القوات الروسية تواجدها في العاصمة الإدارية للإقليم، غير أنها واجهت صعوبات كبيرة في الطبيعة الجغرافية القاسية للمنطقة وكذلك في نقل الامدادات عبر الجسور القليلة التي تربط ضفتي النهر والتي دمرت القوات الأوكرانية أكثرها قبيل سيطرة الجيش الروسي عليها.

وبحسب التقديرات العسكرية كانت سيطرة القوات الروسية على هذه المنطقة مهمة من جهة أنها تمثل حائط الصد الدفاعي عن إقليم زابوروجيا، ناهيك بدورها في تأمين المعبر البري الوحيد إلى شبه جزيرة القرم.

هذه الأهمية جعلت الخبراء يؤكدون أن فقدان الجيش الروسي السيطرة عليها سلبهم ميزات عسكرية مهمة، بل ومثل ضربة معنوية كبيرة للشعب الروسي الداعم للعملية العسكرية، وكذلك على سكان هذا الأقليم الذين شاركوا في استفتاءات أدارتها موسكو وانتهت بضمها إلى السيادة الروسية.

ومن ناحية أخرى فإن فقدان الجيش الروسي السيطرة على الضفة اليمنى من إقليم خيرسون، شكل أيضا ضربة معنوية للجيش الذي لا يزال يواجه مشكلات في السيطرة على منطقتي أوديسا وميكولايف الواقعتين على الغرب من خيرسون، خصوصا وأن الانسحاب تزامن مع تصعيد القوات الأوكرانية هجماتها المضادة، في حين قدم انتصارا معنويا للقوات الأوكرانية التي حصلت على ميزات عسكرية ومدنية، باستعادة سيطرتها لها نظرا لرمزيتها السياسية من جهة ولما ستوفره لكييف من ميزات في السيطرة على بعض المناطق على ساحل البحر الأسود المغلق منذ 10 اشهر أمام حركة الملاحة الأوكرانية.

قرار الضرورة

خلافا لوجهة النظر الغربية والأوكرانية التي رأت في انسحاب الجيش الروسي مؤشر على الهزيمة وعدم القدرة على مواجهة المقاومة الأوكرانية، كانت العملية من وجهة النظر العسكرية الروسية مختلفة باعتبارها فقط “عملية تغيير مواقع من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية للنهر”.

وكانت هناك تقارير تتحدث أيضا عن أهمية خطوة الانسحاب في حماية القوات الروسية والسكان المدنيين المهددين بالفناء في حال اقدمت القوات الأوكرانية على ضرب السد المطل على المدينة والذي يمكن أن يؤدي تدميره إلى غمر المدينة بالمياه خلال ساعات.

مع ذلك يصعب التعامي عن حقيقة أن الانسحاب، شكل انتكاسة لموسكو من الناحية السياسية، خصوصا وأن الخطوة جاءت بعد أن كانت موسكو تخلت عن منطقة خاركيف في سبتمبر الماضي، وهي الخطوة التي دفعت الرئيس بوتين إلى إعلان التعبئة العسكرية الجزئية لتكشف تداعيات الانسحاب عن اختلالات واخطاء متتالية منحت السلطات الأوكرانية والداعمين الغربيين دعما معنويا لجهة تغيير قواعد اللعبة.

كان من الواضح أن القرار الروسي بالانسحاب جاء في ظل انقسام بداخل الكرملين بين جناح يخشى التأثير على معنويات الجيش والحلفاء وعلى الشعب الروسي وآخر يرى أهمية تصحيح الأخطاء وتجنب كوارث أكبر قد يتكبدها الجيش الروسي، وهو ما فسر موقف المسؤولين في وزارة الدفاع الذين شرعوا بتنفيذ هذه الخطوة بثقة دون الالتفات للنقد، مقابل الطرف الآخر الذي فضل التواري والاكتفاء بإلقاء مسؤولية القرار على قيادة الجيش.

تطمينات واحباط

غياب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن مشهد الانسحاب، لم يقدم رسالة اطمئنان للجمهور الروسي، إذ عبّر الغياب عن حالة انقسام في الكرملين الذي أعلن رسميا أن الانسحاب من الضفة الغربية للنهر لا يمثل هزيمة، وأن خيرسون ستبقى أرض روسية.

هذا الموقف تطابق مع موقف حليفين رئيسيين لموسكو كانا ينتقدان الأداء العسكري الروسي في هذه المنطقة هما مجموعة “فاغنر” العسكرية والرئيس الشيشاني رمضان قديروف، حيث أكد يفغيني بريغوزين، مؤسس مجموعة مرتزقة “فاغنر” أن القرار رغم انه “لم يكن خطوة تدل على الانتصار إلا أن الأهم هو العمل على تصحيح الأخطاء” بينما اعتبر الرئيس الشيشاني أن الجنرال سوروفكين تصرف “كجنرال عسكري حقيقي، لا يخشى النقد”.

وثمة تيار واسع يدعم هذه الفرضية ويرى أن الجيش الروسي تجنب الوقوع في فخ الموانع المائية الذي وقع فيه الجيش المصري بعد العبور في السويس خلال حربه مع إسرائيل، كما يشيرون إلى صوابية قرار الانسحاب من الناحية العسكرية بالتذكير بـ “مناورة كوتوزوف” التي تشير إلى ما فعله القائد الروسي الشهير خلال الحرب الوطنية عام 1812 بسحب قواته من موسكو دون قتال محققا بذلك نصرا كبيرا بإنقاذ الجيش.

ورغم ذلك لم يستطع جمهور روسي واسع إخفاء مشاعر الإحباط من جراء الانسحاب بل انهم اعتبروه ضربة معنوية للروس، قد تُفاقم حالة الإحباط الناتجة خسائر الجيش الروسي خلال الشهور الثلاثة الأخيرة والتي اظهر فيها قدرات عسكرية منخفضة رغم تغيير القيادات العسكرية وإجراءات التعبئة الجزئية التي جعلت القوات الروسية في النهاية مضطرة للانسحاب من مناطق استراتيجية، في وقت لا تزال فيه العديد من المناطق التي أعلنت موسكو ضمها للسيادة الروسية غير محررة وغير مؤمّنة بالكامل.

بمقابل ذلك كان ثمة مشهد مغاير يتحدث عن إنجازات حققها الجيش الروسي خلال ستة أشهر في تحرير وضم مساحات شاسعة من أوكرانيا تعادل مساحة بريطانيا، في ظل دعم غربي غير مسبوق لأوكرانيا بالأسلحة والتدريب والدعم اللوجيستي والمخابراتي، ناهيك بالنجاحات التي حققتها موسكو في جبهة الحرب الاقتصادية، وامتصاص آثار العقوبات الدولية، في وقت شهدت أمركيا والغرب هزات اقتصادية لا يزال الشارع الأوروبي يعيش اصداءها في تظاهرات واضرابات غير مسبوقة.

وفي الجانب الميداني يشير هؤلاء إلى أن موسكو لم تفقد حتى الآن الكثير من الميزات العسكرية، فانسحابها من الضفة الغربية لنهر دينيبرو إلى ضفته الشرقية، مكنها من الاحتفاظ بالمعبر البري نحو شبه جزيرة القرم، كما حافظ على امدادات المياه العذبة لشبه الجزيرة، وجنبها خوض تجارب مريرة في إمكانية إبادة عدد هائل من الجنود الروس بضربة واحدة من طريق السد المطل على العاصمة، في حين لا تزال تمتلك السيطرة النارية من خلال طائرات الكاميكازي الروسية التي استمرت في شن هجماتها على مناطق تمركز الجيش الاوكراني.

هل تتخلى موسكو عن خيرسون

يصعب التكهن بأن روسيا قد تتخلى على خيرسون وسكانها بعد أن شاركوا بعملية استفتاء علنية انتهت بتقريرهم الانضمام إلى السيادة الروسية، فضلا عن اعلان الرئيس بوتين من الساحة الحمراء في موسكو أن هذه المناطق ستكون روسية إلى الأبد، ومباشرة موسكو إجراءات منح سكانها جوازات سفر روسية، ما يجعل التراجع عن هذه الخطوات خطيرا على مستقبل الرئيس بوتين الذي قد يفقد ثقة الشارع الروسي وتأييده.

والمرجح أنه في حال فشل الحكومة الروسية بمعالجة هذه المشكلة، أو على الأقل إبعاد الرئيس بوتين عن ملف الانسحاب، فإن القيادة الروسية قد تواجه تحديات كبيرة خصوصا وأن الكثير من المواطنين الروس يرون الانسحاب هزيمة قد تؤثر على سمعة الجيش الروسي وقدراته وعقيدته.

لن يلتفت الشارع الروسي إلى المبررات الواقعة للانسحاب من عاصمة إقليم خيرسون، ولا المحاذير لدى القيادات العسكرية في تصحيح الأخطاء وتقليل الخسائر وتجنب حرب الإبادة، فالآلة الإعلامية الروسية كرست لديه شعورا عميقا بأنه يواجه حلف “الناتو” في هذه الحرب وهي المواجهة التي تبدوا لكثيرين ثأرية وينتظرونها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، والهزيمة فيها ستعنى تقويضا كاملا للقيادة الروسية من الداخل.

وبافتراض صحة التقديرات التي ترى أن الانسحاب من عاصمة خيرسون لن يكون له تأثير في الجانب العسكري في الوقت الراهن، إلا أن آثاره السياسية القادمة في الداخل الروسي ستكون فادحة، تزيد منها الآثار السلبية المتراكمة التي خلفتها أعمال التعبئة العسكرية بما رافقها من أخطاء.

ولأن الآثار السياسية المزعزعة للاستقرار الداخلي لا تقف عند حدود فإنها حتما ستقود إلى تدهور متوالٍ في مؤشرات الاقتصاد الروسي الذي ظل صامدا طوال الشهور الماضية من الحرب أمام أعتى عقوبات اقتصادية في التاريخ.

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا