المقاربات العسكرية تضع المنطقة على صفيح ساخن

أي خيارات للبنان لكبح نيات إسرائيل السيطرة على ثروات شرق المتوسط

 

 

أجواء التوتر والاستقطاب والأزمات الدولية في الطاقة التي خلَّفها الصراع المحتدم بين روسيا والغرب والذي أنتج بؤرة صراع جديدة في منطقة شرق المتوسط الغنية بالنفط والغاز التي صارت تجذب اهتمام العالم بالنظر إلى مخزونها البالغ 3.4 ترليون متر مكعب من الغاز و1.7 مليار برميل من النفط بقيمة تراوح بين 700 مليار دولار و3 تريليونات دولار ما جعلها موضعاً لإعادة الحسابات الاقتصادية للدول المشاطئة والدول الكبرى وسط مخاوف من احتمالات تفجر نزاع مسلح بدأت تفاعلاته للتو في النزاع الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل.

الثورة  / أبو بكر عبدالله

في ظل أجواء قلقة من مخاطر التصعيد العسكري في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، تترقب دول المنطقة وصول المبعوث الأمريكي آموس هوشستين إلى لبنان لاستئناف المفاوضات المتعثرة مع إسرائيل بشأن النزاع الحدودي البحري بين البلدين والتي عادت مؤخرا إلى الواجهة مع استئناف إسرائيل نشاطاتها في التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الحدودية البحرية المتنازع عليها وتحديدا في حقل كاريش الغني بالنفط والغاز، الذي تقول لبنان إنه يدخل ضمن حدودها البحرية على الخط 29 بينما تقول إسرائيل إنه يقع في مياهها الاقتصادية على المتوسط.
الخطوة الإسرائيلية أثارت ردود فعل واسعة بداخل الشارع اللبناني المطحون بأزماته الاقتصادية خصوصا وهي جاءت من طرف واحد في وقت لم تنته فيه المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة والوسيط الأمريكي آموس هوشستين بشأن ترسيم الحدود البحرية منذ العام 2020م، ما أثار ردود فعل لبنانية غاضبة على المستويات الرسمية والأهلية حيال ما اعتبر “استفزازا وعملا عدائيا”.
ورغم إعلان دوائر لبنانية وإسرائيلية أن وحدة التنقيب والإنتاج اليونانية العائمة “انرجيان” التي استأجرتها تل أبيب للعمل في حقل كاريش لم تبدأ العمل بعد في المنطقة المتنازع عليها إلا أن الشركة اليونانية أكدت في بيان أن سفينتها المسجلة في لندن وصلت إلى حقل “كاريش” للغاز، لمباشرة عملياتها وأن أول تدفق للغاز من الحقل سيكون في الربع الثالث من عام 2022م، ما دعا الرئاسة اللبنانية ورئاسة الحكومة إلى دعوة المبعوث الأمريكي إلى بيروت لبحث استئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية للبنان” ناهيك عن استباقهم التحركات الإسرائيلية بالتأكيد على أن أي أعمال استكشاف أو تنقيب أو استخراج تقوم به إسرائيل في المناطق المتنازع عليها يشكل استفزازا وعملا عدوانيا”.
وما أثار القلق من الخطوة الإسرائيلية هو أنها جاءت بعد أيام على انتهاء تل أبيب من مناورات عسكرية جوية وبحرية وبرية في قبرص تحاكي الحرب مع لبنان بالتزامن مع أخرى أجرتها في البحر الأحمر.
زاد من ذلك أنها جاءت مع نذر أزمة عالمية في الطاقة في ظل مساع أمريكية حثيثة للبحث عن مصادر بديلة للطاقة الروسية المحاصرة بالعقوبات فضلا عن تداعيات الانفجار الكبير الذي وقع في أكبر مصانع الغاز الأمريكية في ساحل خليج تكساس، ما أدى إلى توقف نحو 20% من قدرات التصدير الأمريكية للغاز.
هذه العوامل عززت المخاوف من أن تحظى التحركات الإسرائيلية بدعم أميركي ما، قد يؤدي إلى مواجهات عسكرية خصوصا في ظل التوتر المتصاعد مع إيران في الملف النووي، ومحاولات تل أبيب للحصول على دعم من إدارة الرئيس جو بايدن المنهمكة في البحث عن بدائل للغاز الروسي يقي حلفاءها الأوروبيين برد الشتاء القادم بعدما أقرت أوروبا خطة مرحلية لوقف استيراد الغاز من روسيا.
استفادت إسرائيل من التعاطي اللبناني المتأخر مع هذا الملف، حيث كان يفترض على الحكومة اللبنانية تقديم إحداثيات جديدة بشأن المناطق المتنازع عليها إلى الأمم المتحدة ليكون ذلك بمثابة أرضية قانونية تستند عليها المنظمة الدولية لاعتبار أي عمل في هذه المنطقة تعدياً على لبنان عوضا عن الإحداثيات القديمة التي كانت قد قدمتها للأمم المتحدة وتبين أنها بنيت على أخطاء تم تصحيحها تاليا من الجانب اللبناني.
لكن دعوة لبنان إلى وساطة أمريكية لاستكمال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية مع إسرائيل والعمل على إنهائها في أسرع وقت ممكن، كانت خطوة أرادت فيها بيروت قطع الطريق على أي تداعيات سياسية داخلية أو عسكرية محتملة في منطقة ملتهبة، وهو موقف تماهى مع مواقف إسرائيلية عبَّر عنها وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس عندما اكد أن الخلاف مع لبنان بشأن احتياطيات الغاز الطبيعي البحرية مسألة مدنية يتعين حلها بطرق دبلوماسية بوساطة أمريكية ناهيك عن تأكيده أن “كل ما يتعلق بالنزاع سيتم حله في إطار المفاوضات بيننا وبين لبنان بوساطة الولايات المتحدة”.
مسار المفاوضات
حتى العام 2011م كانت منطقة النزاع الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل محددة بـ 860 كيلومترا مربعا، وفقا للخرائط المودعة من جانب لبنان وإسرائيل لدى الأمم المتحدة، غير أن لبنان قدم في العام 2011م إلى الأمم المتحدة دراسات أجرتها قيادة الجيش اللبناني وأظهرت أن الخريطة المتعلقة بـ 860 كيلومتراً مربعاً استندت إلى “تقديرات خاطئة، مطالبا بمساحة إضافية تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً وتشمل أجزاء من حقل “كاريش” باعتبار أن المساحة المتنازع عليها هي 2290 كيلومترا، كون الحدود البحرية اللبنانية تقطع البحر بزاوية أوسع جنوبا، في حين تمتد الحدود التي تطالب بها إسرائيل أبعد شمالا مما يشكل مثلثا من المياه المتنازع عليها وهو ما رفضته إسرائيل وأدى إلى توقف المفاوضات بعد انسحاب الوفد الإسرائيلي.
استنادا لذلك بدأت الأمم لمتحدة بمشاركة وساطة أمريكية إجراء مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين في عام 2000م لتسوية الخلاف.
بعد ذلك استأنف البلدان مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بوساطة أمريكية في خمس جلسات للتفاوض رعتها الأمم المتحدة واستمرت حتى مايو 2021م، أملا في حل الخلاف حول الحدود البحرية، بما في ذلك حقول الغاز المحتملة في البحر المتوسط، غير أن المفاوضات تعثرت بسبب إعلان بيروت أن الخريطة التي استخدمتها الأمم المتحدة في المحادثات تحتاج إلى تعديل وتقديمها خرائط جديدة تطالب بإضافة 1430 كيلومترا للبنان تضم جزءا من حقل “كاريش” النفطي.
في كثير من جولات المفاوضات لم تمسك الوساطة الأمريكية العصا من المنتصف، بل بدت بالنسبة للعديد من اللبنانيين جزءا أساسيا من المشكلة بسبب انحيازها لمطالب إسرائيل وتعاميها عن الحقوق السيادية للبنان وخصوصا بعد مطالبة المبعوث الأمريكي لبنان بالتخلي عن مطالبته بالخط الحدودي رقم 29 والاكتفاء بالخط 23.
فوق ذلك استفاد الإسرائيليون من معطيات الأزمة في الداخل اللبناني التي تسببت كما يقول بعض اللبنانيين – في تراخ رسمي لمعالجة الملف منذ بدء تفاعلاته قبل حوالي عقدين من الزمن.
ففي العام 2002م كلفت حكومة لبنان مركزاً بريطانياً بإعداد دراسة حول كيفية ترسيم حدود المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وعملية المسح الجيولوجي للبحث عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، لكن المساعي اللبنانية كانت مترددة وتفاعلت بصورة بطيئة نظرا لأزمات الداخل اللبناني المتتالية، في ظل عدم توفير الجهات الحكومية خرائط بحرية تحدد بصورةٍ واضحة الحدود البحرية مع إسرائيل.
ومع حكومة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة خلصت التحركات الحكومية بين عامي 2007 و2009م لتحديد الحدود الجنوبية البحرية للبنان، باتفاق مع قبرص، جعل الخط 23 خطا للحدود البحرية اللبنانية الجنوبية.
ساعد تراخي الساسة اللبنانيين إسرائيل على التشبث بموقفها، إذ لم يوقّع الرئيس اللبناني المرسوم 6433 القاضي بتثبيت الخط 29، على الرغم من المطالبات الداخلية بذلك، بل إنه أعلن في فبراير الماضي أمام وسائل إعلام محلية، أن “الخط 23 هو حدودنا البحرية، وأن البعض طرح الخط 29 من دون حجج برهنته”.
هذا الأمر أضعف تحركات السلطات اللبنانية الأخيرة عندما أودعت لدى الأمم المتحدة قبل أسابيع رسالة طالبت فيها بتعيين الخط 29 بدلاً من الخط 23، ما يعني مطالبة لبنان بمساحة إضافية لحدودها البحرية باتجاه إسرائيل تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً، بما يجعل حقل كاريش حقلا مشتركا بين لبنان وإسرائيل.
السلطات اللبنانية عممت رسالتها على كل أعضاء مجلس الأمن الدولي كوثيقة من وثائق المجلس، كما طالبت مجلس الأمن العمل من أجل وقف أعمال التنقيب الإسرائيلية في المنطقة المتنازع عليها خصوصا بعدما منحت تل أبيب شركة “هاليبرتون” الأمريكية، عقداً للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة، وذلك لتجنب خطوات قد تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين.
هذه التحركات رغم أنها جاءت متأخرة، إلا أنها كانت ضرورية بالنسبة للبنان لإعادة النظر في ترسيم الخط الحدود البحري 23 واعتماد الخط 29 بما يعطي لبنان المزيد من الأراضي جنوبا، بما في ذلك أجزاء من حقل كاريش الذي يمكن أن يمنح لبنان مزايا قياسية لتجاوز أزمة الانهيار الاقتصادي الوشيكة.
مخاوف التوتر العسكري
رغم تقديم لبنان شكاوى للمحاكم الدولية لمنع التنقيب الإسرائيلي في حقل “كاريش” المتنازع عليه، إلا أن الموقف الأمريكي المصر على تخلي لبنان عن مطالبتها بالخط الحدودي رقم 29، نقل الخلاف إلى مستويات معقدة بعدما أعلنت أطراف لبنانية أن بدء إسرائيل التنقيب عن الغاز في المنطقة المتنازع عليها سيكون بالنسبة للبنانين ” شرارة حرب” لن تقتصر على إسرائيل ولبنان، بل ربما تشمل تركيا وسوريا وإيران.
الخيارات العسكرية
يصعب فصل التحركات الإسرائيلية في المناطق الحدودية المتنازع عليها مع لبنان في هذا التوقيت عن التعثر في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني، ومن غير المستبعد أن إسرائيل أرادت الآن أن يكون حقل “كاريش” سببا لانطلاق شرارة حرب مع إيران، بالنظر إلى التهديد الإسرائيلي الأخير بالتدخل بشكل منفرد في حال عدم التوصل إلى اتفاق يضمن امن إسرائيل.
ومع إعلان إسرائيل تمسكها بالتنقيب عن الغاز في حقل “كاريش” رغم الاحتجاجات اللبنانية، فإن التهديدات العلنية التي اطلقها مؤخرا الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أثارت المزيد من القلق بشأن الأمن في هذه المنطقة الاستراتيجية بعد إعلانه “أن هدف المقاومة المباشر هو منع العدو من استخراج الغاز والنفط من حقل كاريش” وتأكيده أن “المقاومة تمتلك القدرة المادية والعسكرية والأمنية والمعلوماتية واللوجستية والبشرية لمنع العدو من استخراج النفط والغاز من حقل كاريش باعتبار أن الثروة البحرية هي الأمل الوحيد للبنان للخروج من وضعه الصعب اقتصاديا وماليا”.
ورغم أن أمين عام حزب الله أعلن أن قضية الحدود البحرية شأن يخص الدولة اللبنانية، إلا أنه أكد أنه يراقب ما ستفعله وفي حال عدم اتخاذها أي موقف جدّي، فإنه قد يلجأ إلى ما يراه مناسبا خصوصا إذا ما تخطت باخرة الحفر المنطقة المتنازع عليها في تصعيد أضاف معطيات جديدة للأزمة خصوصا أن أي عملية عسكرية سينفذها حزب الله على المنشآت الغازية الإسرائيلية في حقل “كاريش” ستفهم على أنها تدخل إيراني بالنظر إلى العلاقة الوطيدة بين حزب الله وطهران.
أجواء دولية مواتية
وسط كل التقاطعات في ملف الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية، يراقب اللبنانيون ما ستسفر عنه زيارة المبعوث الأميركي آموس هوكشتين بعد مطالبة السلطات اللبنانية واشنطن والغرب بالتدخل لحلحلة هذا الملف تجنبا لخروج الوضع عن السيطرة خصوصا في حال قرر حزب الله التدخل عسكريا لمنع إسرائيل من استخراج الغاز والنفط من حقل كاريش.
وذلك لم يعد تخمينا بعد التعهدات التي أطلقها أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله بأن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما سماه نهب ثروة لبنان وتأكيده إلى أن كل الخيارات مطروحة على الطاولة دون أي تردد، ومطالبته إسرائيل بوقف أي أنشطة في هذا الحقل وتوعده الشركة اليونانية التي استأجرتها إسرائيل بتحمل المسؤولية الكاملة ماديا وبشريا عما قد يحصل لها بوصفها شريكة في الاعتداء فإن أي خطوة إسرائيلية ستكون بمثابة إشعال حرب في المنطقة يصعب التكهن بحدودها أو مآلاتها.
مع ذلك فإن الظروف الدولية هذه المرة تبدوا مهيأة لإسرائيل لإحداث اختراق مهم في ملف النزاع الحدودي البحري مع لبنان، ففي الضفة الشرقية من العالم أظهرت إسرائيل دعما لأوكرانيا والموقف الأميركي الغربي بالتزامن مع انخراطها المباشر في التحركات التي تقودها واشنطن بحثا عن المناطق المؤهلة لتكون مصدرا بديلا لإمدادات الغاز البديل نحو دول أوروبا، والذي جعل منطقة شرق المتوسط البحرية ورقة هامة من أوراق معركتها الكبرى مع روسيا.
تدرك واشنطن حجم الضرر الذي يتهدد الدول الأوروبية جراء مقاطعة الغاز الروسي والذي يتوقع أن تتوسع أثاره في فصل الشتاء القادم بمنحى سياسي قد يقود العديد من الدول الأوروبية إلى تقديم تنازلات لموسكو بما يعنيه ذلك من هزيمة مدوية للمشروع الأميركي.
وعلى أن التحرك الإسرائيلي الأحادي للتنقيب عن النفط في منطقة حدود بحرية متنازع عليها في هذا التوقيت سيضع منطقة البحر المتوسط فوق صفيح ساخن، إلا أنه في المقابل سيخلط الأوراق الدولية، حيث سيؤثر بلا شك على تحركات تركيا وروسيا في هذه المنطقة التي يجري استثمارها من دول عدة سوى لبنان وسوريا.
على الضفة الأخرى المتعلقة بالتهديدات الإيرانية فإن المرجح أن إسرائيل التي تسعى لحسم سريع ونهائي لملف النزاع الحدودي البحري مع لبنان، قد وضعت في حسبانها كل الاحتمالات بما في ذلك تفجر النزاع المسلح، وهو ما عبَّرت عنه تحركات البحرية الإسرائيلية التي نشرت قطعا تابعة للبحرية الإسرائيلية قبالة ساحل رأس الناقورة تحسبا لهجمات محتملة.
هذا الحسابات بدت واضحة في لجوئها إلى استخدام السفن الأجنبية والشركات الأميركية كدروعٍ دولية للمضي بمشروعها في استثمار ثروات شرق المتوسط أملا في خلق أمر واقع جديد تحظر فيه المصالح الدولية المتماهية مع المصالح الإسرائيلية، والتي بدت واضحة في الترخيص الذي منحته لشركة هاليبرتون الأميركية التي بدأت فعلا عمليات حفر بئر رابع في الجزء الجنوبي من حقل كاريش، ثم التفاهمات مع الشركة اليونانية التي سارعت إلى تصنيع وحدة استخراج وإنتاج بحرية عائمة خصيصا للمنطقة المتنازع عليها مع لبنان.
خيارات الضرورة
رغم كل التقاطعات الداخلية والإقليمية والدولية، ما يزال لدى لبنان اليوم هامش كبير للتحرك ضمن ثلاثة خيارات للتعاطي مع هذه الملف، تطال ملف المفاوضات وجهود الوساطة الأميركية وكذلك الرد العسكري:
الخيار الأول وهو ما بدأ فعلا بدعوة لبنان المبعوث الأميركي إلى زيارة بيروت لاستئناف جهود الوساطة الأميركية بالتزامن مع إرجاء اصدار المرسوم الخاص باعتبار الخط 29 أساسا للحدود البحرية، أملا في ان تفضي جهود الوساطة إلى اعتراف من إسرائيل بأحقية لبنان في الحصول على حصة من المساحة المتنازع عليها في حقل كاريش بصورة سلمية تحفظ امن منطقة شرق المتوسط وتمنع وقوع مواجهات مسلحة كبرى في هذه المنطقة.
والراجح أن لدى الولايات المتحدة الأميركية اليوم حسابات جيوستراتيجية تسعى إلى تهدئة الأوضاع في منطقة شرق المتوسط باعتباره نقطة إمداد بديلة للطاقة، يتوقع أن تنعكس على الرؤية التي سيحملها الوسيط الأميركي خلال زيارته المرتقبة إلى المنطقة.
وفي كل الأحوال فإن المرجح أن تبذل واشنطن جهودا من أجل إيجاد تسوية ترضي البلدين ويمكنها أن تقلل مخاطر التهديدات التي يمكن أن تنشأ في منطقة شرق المتوسط في حال مضت إسرائيل في مشروعها للتنقيب عن الغاز دون اتفاق مع لبنان على ترسيم نهائي للحدود.
ذلك أن واشنطن لا تحتاج إلى أي توترات جديدة في شرق المتوسط يمكن أن تجلب لها المتاعب في ظل انهماكها في المواجهات مع روسيا والصين، كما أن المرجح أنها لن تتعامل مع أي خيارات يمكن أن تفسح المجال لأي دولة لتقوم بالتنقيب في هذه المنطقة قد تقود إلى توتر عسكري.
والخيار الثاني هو التصعيد السياسي وقطع الطريق على الذرائع الإسرائيلية من خلال توقيع الرئيس اللبناني على المرسوم الوزاري بشأن اعتماد الخط 29 كخط للحدود البحرية الجنوبية للبنان وإيداعه في الأمم المتحدة واتخاذه أساسا وحيدا للتعاطي المستقبلي مع هذا الملف وإلغاء كل ما سواه.
وهذا الخيار بدأ يُطرح على الطاولة ضمن مسارات مختلفة تدعمها العديد من الأوساط السياسية اللبنانية التي دعت مؤخرا الرئاسية اللبنانية إلى التوقيع على المرسوم لتحسين الموقف التفاوضي اللبناني، مع تلويحها ببديل من خارج القصر الرئاسي يقضي بتقديم اقتراح قانون معجل مكرر إلى البرلمان لتعديل القانون رقم 163 تاريخ 2011/8/18 بغية اعتماد الخط (29) كخط رسمي لتحديد الحدود الجنوبية للمناطق البحرية اللبنانية”.
وهذا البديل يثير قلق البعض كونه سيربك مشهد المفاوضات بين خط مفاوضات وخط حدودي، كما قد يشكل أساسا لاحتمال الانخراط في الخيار الثالث من جانب المقاومة، خصوصا بعد إعلان أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أن “المقاومة جاهزة للدفاع عن السيادة اللبنانية متى ما حدّدت الدولة اللبنانية الحدود البحرية.
ومع ذلك فإن هذا الخيار هو الأكثر كلفة والأبعد حتى الآن بالنظر إلى المواقف الرسمية اللبنانية التي تحاول تجنبه، خصوصا أن إفساح المجال لحزب الله التدخل عسكريا لإرغام إسرائيل على وقف إجراءاتها في التنقيب عن النفط والغاز في المناطق الحدودية المتنازع عليها، قد يفتح الباب لصراعات إقليمية كبيرة سيكون من الصعب السيطرة عليها مستقبلا.

قد يعجبك ايضا