وجوب الإيمان بعصمة الرسول الأكرم وتنزيه جنابه الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)

العلامة/ عدنان أحمد الجنيد

إنَّ كل مؤمن ومؤمنة مطالب بتنـزيه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – من كل ما يتنافى مع صفاته الكريمة، أو يحط من رتبته العظيمة -صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا سيما وأن الله -سبحانه وتعالى- أمرنا بذلك، فقال جلّ شأنه: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)[الفتح : 9] أي : لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حق الإيمان، إيماناً عن دليل وبرهان، لا يخالطه شك ولا ارتياب، (وَتُعَزِّرُوهُ )، أي : تفخموه وتعظموه، ( وَتُوَقِّرُوهُ ) أي : تحترموا وتجلُّوا أمره مع التعظيم والتكريم، (وَتُسَبِّحُوهُ ) أي : تمجدوه وتنـزهوه عما لا يليق به من صفات النقص ، (بُكْرَةً وَأَصِيلاً) أي : بجميع الأوقات ، لأن (بكرة وأصيلا ) كناية عن استيعاب الأوقات بتنزيهه – صلى الله عليه وآله وسلم – حتى يكون القلب متصلاً به صلى الله عليه وآله وسلم..
فالضمائر في الآية – ( ..وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ً …) – تعود كلها إلى كلمة (ورسوله)
لأن القاعدة اللغوية تنص على: أن الضمير يعود على أقرب مذكور ، ولا إشكال في عودة ضمير (تسبحوه ) إلى الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – لأن التسبيح في اللغة هو التنزيه ،ونحن مطالبون بتنزيهه صلوات الله عليه وآله..
فمن هذه الآية الكريمة نعلم بأن تنزيه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – واجب شرعاً ، لأنه معصوم من الوقوع في المخالفات..
ونعني بالعصمة : حفظه -تعالى- وصيانته ووقايته وحمايته ولطفه بأنبيائه من أن يقعوا في المعاصي والذنوب ،كبيرها وصغيرها ،عمدا أو سهوا -مع قدرتهم عليها- عصمة تامة مستمرة قبل النبوة وبعدها… ولا يسري إليهم الخطأ والسهو والنسيان.
وإلا لما حصل الاطمئنان والثقة بصحة كلامهم ، وبكل ماجاؤوا به من الشرائع والأديان والأخبار وأحكام الدين ، لأن من يقع في الأخطاء ويسري إليه السهو والنسيان جاز عليه أن يزيد أو ينقص بأخباره وبما جاء به ..
فهم – عليهم السلام -معصومون حتى من الغفلة ومن التفكير في اقتراف أي فعل يحط من مكانتهم ومروءتهم، فضلاً عن التفكير في اقتراف الذنوب والمعاصي ..
كما لا يجوز أن يقع منهم ما ينفر الناس عنهم ، فظواهرهم وبواطنهم معصومة من أن يتسلط عليهم أحد من الإنس أو من الجن ، لأنهم محل نظر الله من خلقه فهم في حفظه وكفالته ورعايته ، والعصمة لا تفارقهم طرفة عين، ولا تظن أن العصمة مضطرة لهم – عليهم السلام – إلى فعل الطاعات ، ومانعة لهم من القدرة على اقتراف المعاصي والذنوب والوقوع في الأخطاء.. بمعنى لولا منع الله لهم لوقعوا في الذنوب..
فهذا ظن الجاهلين بمعرفة وقدر الأنبياء – عليهم السلام – بل العصمة ملكة نفسانية في نفوس أنبيائه ، تمنعهم عن الوقوع في المخالفات وكل مايشين من مقامهم..
فالله تعالى ما أفاض عليهم بلطفه وعصمته وكمال معرفته إلا لوجود أرضيات صالحة في نفوسهم- عليهم السلام ..
وإذا كان أولياء الله يصلون في ترقيهم مدارج التقوى إلى مرحلة تصير الغفلة عن الله شركاً ، كما روي عن شبيلهم حيث قال : “الغفلة عن الله طرفة عين شرك عندنا ”
وذلك لأنهم يراقبون الله حتى في أنفاسهم ، ويعدون مابين النفسين وقتاً يجب مراقبة الله فيه ، وإلا كان غفلة.. فكيف نتصور أن يقع هؤلاء في المعاصي والذنوب ؟!!
إذا كان هذا حال كبار الأولياء – وهم دون الأنبياء – فكيف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟!.
كذلك نجد أن الناس عادة لايثقون – في معاملتهم المالية والحياتية – بمن يكون عرضة للأخطاء والسهو والنسيان، فضلا عن وقوعه في المعاصي والذنوب فكيف سيعتمدون عليه في أخذ دينهم عنه الذي هو سبيلهم إلى الآخرة والفوز بالجنة !!!
إن الأنبياء – عليهم السلام – أكمل الخلق معرفة بالله تعالى وأرجحهم عقلا وأطهرهم قلبا وألطفهم روحا وأصفاهم نفسا ، أصطنعهم الحق لنفسه (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)[طه : 41] وجعلهم في رعايته وحمايته ( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا )[الطور : 48]
وآتاهم الرشد منذ صغرهم وأوحى إليهم وألهمهم كذلك قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ)[الأنبياء : 51].وقال (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)[يوسف : 15]
فهم عباده (المخلصون) – بفتح اللام – (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلَصين ) ولهذا لايستطيع إبليس أن يغويهم باعترافه هو، فقد قال الله حاكيا عنه (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)[ص : 82]
لقد وصفهم الله بكتابه بصفات عظيمة، وخصال كريمة، واثنى على أعمالهم وإفعالهم بالثناءات الفخيمة، ولو ذكرناها لطال بنا المقام فعليك بالقرآن وسوف تعرف خصائصهم العظيمة – عليهم السلام –
هذا ومن يستقرئ كتاب الله الكريم سيجد أن هناك آيات كثيرة تثبت العصمة للأنبياء وعلى رأسهم إمامهم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كقوله تعالى: ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر : 7] ،وقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)[النساء : 80]، فهاتان الآيتان دالتان على العصمة المطلقة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَيُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيْماَ شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لاَيَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)[النساء : 65] ، قال الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية ما نصه: ” دلت هذه الآية على أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- معصومون عن الخطأ في الفتوى، وفي الأحكام؛ لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم، وبالغ في ذلك الإيجاب، وبيّن أنه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم”( 1).
وقوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)[النجم : 2 – 4]، فالله تعالى يقول للمشركين ما ضل صاحبكم الذي عاش بين ظهرانيكم فأنتم تعرفونه منذ صغره فلم تجدوا ضلالا له لا في قول ولا في رأي فأعماله كلها سديدة وأفعاله رشيدة، وأقواله صواب وألفاظه منزهة عن الخطأ والارتياب
….
فلو كان المشركون يعلمون بأن له أخطاء أو وجدوا فيه صفات مشينة لا تليق به لما سكتوا ولسوف تكون حجتهم في ذمه وتنفير الناس منه لكنهم لم يجدوا فيه إلا صفات الكمال حتى كانوا يلقبونه بالصادق الأمين – صلوات الله عليه وآله أجمعين –
أما ما ورد في القرآن الكريم ما ظاهره يخالف عصمة الأنبياء فإنَّ له محامل وطرقاً لغوية وتشريعية تدرك بالعقل، فمثلاً قوله تعالى: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ )[الأحزاب : 1] لا يفهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم مال إلى طاعتهم، أو أحب موافقتهم على ما هم عليه من نفاق وضلال، وإنما هو تحذيرٌ للأمة جاء في صورة خطاب للرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ، فهو المخاطب في الظاهر والأمة هي المقصودة في الواقع، ومما يدل عليه قوله تعالى بعدها: (إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)[الأحزاب : 2] ، جاء بصيغة الجمع، فافهم.
والأئمة من آل البيت عليهم السلام، وكذا فطاحل علماء أهل السنة والجماعة، يؤلون الآيات القرآنية، التي يفهم ظاهرها أنهَّ سبحانه عاتب نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – أو التي في بعضها، إقرار بالذنوب كقوله تعالى: (عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ )[التوبة : 43] ، وغيرها من هذه الآيات، وكل هذه الآيات لا تخدش في عصمته – صلى الله عليه وآله وسلم – ، فبعضها لم يكن هو المقصود بها وبعضها الآخر يحمل على المجاز، لا على ظواهر الألفاظ، وهذا كثير الاستعمال في لغة العرب وقد استعمله سبحانه في القرآن الكريم…
فالعصمة واجبة للأنبياء، ولهذا كل أعمالهم وحركاتهم تشريع لمن بعدهم من الأمم..
ونحن مأمورون بالتأسي والاقتداء بهم، فلو جاز عليهم الوقوع في المعاصي لما كنا مأمورين باتباعهم، لذلك عصمهم الله عزَّ وجل من الذنوب والآثام، وعن كل ما يُخل بأحوالهم، أو يتنافى مع أخلاقهم الفاضلة لأنهم مطبوعون على مكارم الأخلاق العالية والصفات الحالية.. فهم محل نظر الله من خلقه فلا يدانيهم أحد لدوام حضورهم بين يدي الله..
وإذا كان الشيطان ليس له أي تأثير على المؤمنين الصادقين المتوكلين ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[النحل : 99] فكيف بسيد المتوكلين ونور المؤمنين ؟!
قلتُ: مما سبق بيانه يظهر لكل إنسان محمدي بطلان تلك الروايات المثبوتة في كتب الأحاديث والتي لا تليق بقداسة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم – حيث جعلته كأحد الناس يقع في الأخطاء ، ويسحر حتى لايعرف أنه أخذ أم أعطى ، ويبول قائما وينسى ، ويعشق ويهوى ، ويعبسُ بوجهه على ذلك الأعمى ….إلى آخر ماقالوه من هذه الطامات التي لايقبلها عقل أي إنسان عرف مقامه – صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم يقفوا عند ذلك، بل راحوا يثبتون أسطورة الغرانيق التي تقدح في عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بأنه زاد في القرآن ما لم يوح به إليه، وقد أبطلتها ـ أي رواية أسطورة الغرانيق ـ سنداً ومتناً بأدلة علماء أهل السنة والجماعة، وسيأتي ذلك في المقالات القادمة، ولقد وجدت تساهلاً كبيراً في كتب التفاسير بنقل ما لم يثبت من روايات كاذبة مفتراة فيها طعنٌ وغمز في مقام الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – ، لا سيما شخصية الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – الذي تجسدت فيه كمالات الكمَّل، وأخلاق العظماء، ونبوات الأنبياء، فقد نسبوا إليه الأخطاء الفادحة، كخطئه في أسرى بدر، وخطئه في تأبير النخل، و.. و..
وأخيرا، يجب أن تعلم أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – معصومٌ عن الخطأ والنسيان والسحر والهذيان ووسوسة الشيطان، كما هو صلى الله عليه وآله وسلم مُنـزهٌ عما يتنافى مع المروءة والأخلاق الحميدة، كتقطيب الوجه وتكليحه، وسب المؤمن وتقبيحه، أو الأكل في الطريق، أو البول قائماً، أو أي فعل يستهجن عمله في العُرف العام، فضلاً عن أن يضع خدَّه على خد زوجته أمام الناس، ويتفرج معها على رقص السودان، أو أن يخرج زوجته في غزوة فيتسابق معها فيغلبها مرة وتغلبه أخرى، فيقول لها هذه بتلك، فكل هذه الروايات التي رويت بهذا المعنى كلها موضوعة من قبل الأمويين وأنصارهم، وذلك لسببين:
أولاً: لتشويش الصورة الأصلية لشخصية النبي -صلى الله عليه وآله وسلم – حتى يظهر بصورة هزيلة لا تليق بعظمته الجليلة.
ثانياً: لكي يلتمسوا عذراً لأعمالهم القبيحة وأخطائهم الشنيعة التي سجلها لهم التاريخ.
هذا وقد أوردت في المقالات القادمة بعض الآيات التي ظاهرها مخالفة للعصمة ـ والتي من خلالها تمسك بعض العلماء في نسبة الذنوب والأخطاء إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقمتُ بتفسيرها بالمعنى الصحيح وبالبيان المريح، وأبطلت أيضاً الروايات من ذلك القبيل ونسفتها نسفاً، وجعلت أقوال من قلدوهم قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ، مستدلاً بأدلة نقلية وعقلية ولغوية.
وكذلك ذكرتُ بعض الأحاديث التي تتنافى مع قداسة وعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبطلتها بحجج دامغة وأدلة ساطعة، مدعمة بأقوال بعض علماء الأمة.
فمثل تلك الاحاديث التي تتنافى مع مقام وأخلاق وعصمة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أو تتعارض مع كتاب الله والنواميس الكونية والعقل فهي قطعا مرفوضة ليس في كتب الأحاديث السنية فحسب، بل مرفوضة حتى في كتب الأحاديث الشيعية سواء كانت زيدية أو جعفرية أو…، ونحن ما ذكرنا كتب الصحاح إلا لأن تقديس الناس لها قد بلغ ذروته حتى جعلوها مثل كتاب الله تعالى .
ونحن لا نقول إن الصحاح كلها موضوعة، بل قد تراني أستدل ببعض أحاديثها، فالحديث الذي لا يتصادم مع القرآن، ولا يتنافى مع عصمة الأنبياء، ولا مع النواميس الكونية ولا مع العقل وفيه دلالة على خير أو بيان لمجمل، فهذا نأخذه أينما وجد في الصحاح أو في غيرها.
وبعض هذه المقالات التي ستأتي – إضافة إلى هذا المقال – قد تم نزولها في صحيفة الأمة سنة 98 – 99م وتم ضمها في كتابنا الموسوم بـ” إرشاد الأتقياء إلى تنزيه سيد الأنبياء” ونظرا لأهمية هذه المواضيع الخاصة بتزيهه – صلى الله عليه وآله وسلم – ولأن الكثير لم يتابعها ولم يحصل على كتابنا والذي نفذت طباعته في تلك السنوات فهانحن سنعيد نشرها وقد تصرفنا فيها من حيث الاختصار وتهذيب بعض الالفاظ ..
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الهامش:
(1) التفسير الكبير [المجلد الرابع ص : 128 – 129] طبعة جديدة مصححة وملونة، إعداد مكتب تحقيق دار إحياء التراث العربي – الطبعة الثانية / 1420هجرية – 1999م.

قد يعجبك ايضا