من ملفات الشرطة..قاتل بعد‮ ‬غربة خمسين عاما◌ٍ‮…!‬¿


ملخص ما نشر في‮ ‬الأسبوع الماضي
‮> ‬ابلغ‮ ‬مركز شرطة عصيفرة في‮ ‬تعز عن تعرض امرأة محامية أثناء تواجدها بمحكمة شرق تعز لطعنة قاتلة من قبل شخص تم ضبطه والتحفظ عليه بمكتب أمن المحكمة‮ ‬بينما المرأة المجني‮ ‬عليها تم اسعافها إلى مستشفى الثورة بالمدينة‮.. ‬فانتقلوا من المركز عقب ذلك إلى مبنى المحكمة‮ ‬واستلموا من هناك المتهم‮ “‬المضبوط‮” ‬مع أداة الجريمة‮ “‬السكين‮” ‬كما قاموا بجمع ما أمكن من المعلومات حول الواقعة‮ ‬ثم انتقلوا إلى المستشفى لمعاينة حالة المجني‮ ‬عليه‮ ‬وكانت لم تزل على قيد الحياة ولم تلفظ أنفاسها وتفارقها الروح بعد‮ ‬فأخذوا أقوالها التي‮ ‬أفادت فيها أن الذي‮ ‬قام بطعنها هو رجل‮ ‬يدعى هشام‮ ‬وكانت تعرفه من قبل وأنها لا تعرف لماذا فعل ذلك‮..‬¿‮!‬‮ ‬والطعنة التي‮ ‬بها كانت في‮ ‬البطن وعميقة وغائرة جداٍ‮ ‬وقد فارقت الحياة متأثرة بهذه الطعنة فيما بعد‮ ‬لتتحول الواقعة اثنائها إلى جريمة قتل‮ ‬وتبدأ إجراءات شرطة المركز للتتغير وتتفاعل حسب الحالة‮ ‬باعتبارها جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد‮.. ‬وعلى هذا اهتموا وانطلقوا لجمع إفادات الأشخاص الشهود الذين تصادف تواجدهم في‮ ‬المكان وقت الواقعة‮ ‬وجمع التحريات والاستدلالات حول الجريمة وملابساتها وأسبابها وكل ما‮ ‬يتعلق بها‮ ‬واهتمامهم في‮ ‬الحين نفسه بفتح محضر الاستنطاق والاستدلالات مع المتهم‮ “‬الجاني‮” ‬الذي‮ ‬كان رجلاٍ‮ ‬كبير السن‮ ‬وبدا فرحا وصريحا جريئا وغير نادم على ارتكاب جريمته‮ ‬بل ومختلفا كلية عن المتهمين أمثاله في‮ ‬جرائم القتل أو معظمهم من الوهلة الأولى‮.. ‬و‮.. ‬وها هي‮ ‬بقية الوقائع ومع أحداث الحلقة الثانية والأخيرة‮.‬
أكثر ما حير ضباط التحقيق واستغربوا له هو ما لاحظوه على الرجل المتهم الجاني‮ ‬عند مباشرتهم لفتح أول محضر معه واستنطاقه‮.. ‬فقد ظهر هادئاٍ‮ ‬منبسط المحيا‮ ‬وشبه ابتسامة تخرج من فمه‮ ‬كأنه ليس مبالياٍ‮ ‬بالموقف الذي‮ ‬يواجهة وخطورة جنايته التي‮ ‬فعلها وما‮ ‬يترتب عليها من مصير مجهول مخيف‮ ‬ينتظره‮… ‬بل انطلق‮ ‬يعبر عما مر ويشعر به بداخله بنبرة مباشرة وجريئة وبما تعنيه الصراحة بقوله‮:‬
أصدقكم القول أنني‮ ‬في‮ ‬البداية كنت حزيناٍ‮ ‬عندما علمت أن المرأة‮ “‬المجني‮ ‬عليها‮” ‬أسعفت للمستشفى وأنها لم تزل على قيد الحياة‮ ‬ولم تمت‮ ‬وكدت انفطر من الغيظ والقهر بسبب ذلك‮ ‬ولكن بعد أن تبلغت بموتها وتأكدت أنها صارت جثة هامدة مودعة في‮ ‬ثلاجة المستشفى أحسست بالانتشاء وغمرتني‮ ‬الفرحة‮ ‬وذهب عني‮ ‬كل‮ ‬غيظ لأنها في‮ ‬نظري‮ ‬تستاهل القتل‮ ‬وكنت أتمنى لو أستطيع قتلها مائة مرة وليس مرة واحدة لأن ذلك‮ ‬يشفي‮ ‬غليلي‮ ‬ويريحني‮ ‬أكثر وأكثر ولن أشعر بالندم على قتلي‮ ‬لها‮.‬
فكان هذا وغيره ما جعل رجال التحقيق‮ ‬يقفون موقف المستغرب المتسائل والمتحير تجاه الرجل‮ “‬المتهم‮” ‬ويضعون في‮ ‬تفكيرهم حوله أكثر من افتراض‮ ‬وذلك أنه ربما وصل في‮ ‬اقتهاره من المجني‮ ‬عليها لدرجة لم‮ ‬يعد‮ ‬يستطع الصبر عليها‮ ‬وأنها لا شك فعلت به شيئاٍ‮ ‬جعله‮ ‬يتغير نحوها ويتحول بوجدانه وكيانه إلى كتلة من نيران الحقد والكراهية لها‮ ‬ثم‮ ‬يحصر كل أمنيته وتفكيره في‮ ‬أن‮ ‬يتخلص وينتقم منها كرد فعل على ما فعلته به‮.‬
وقد سألوا الرجل المتهم عن فحوى ذلك وسره‮ ‬والسبب الحقيقي‮ ‬لإقدامه على ارتكاب الجريمة وبصيغة الكيفية ومفردات القصة الخفية لما حدث بينه والمرأة‮ “‬المجني‮ ‬عليها‮” ‬ومعرفته وعلاقته بها من البداية‮.‬
فأجاب المتهم كمن‮ ‬يلخص الأحداث ويفتح الأبواب المغلقة لسرد كل ما هو مكبوت ويختزنه بداخله‮ ‬معترفاٍ‮ ‬وقائلاٍ‮.‬
لفترة خمسين عاماٍ‮ ‬أو تزيد قضيتها من عمري‮ ‬في‮ ‬الغربة وفي‮ ‬بلاد المهجر‮.. ‬تركت أرض الوطن إلى إحدى البلدان العربية الشقيقة وأنا في‮ ‬مقتبل الصباح وانفتاح الشباب الصغير‮.. ‬هاجرت بطموح الرؤية كأي‮ ‬فتى‮ ‬يتطلع لشق طريقه في‮ ‬الصخر من أجل بناء نفسه ومن أجل صنع مستقبله‮.. ‬ولم‮ ‬يكن الطريق هذا‮ “‬طريق الغربة‮” ‬معبداٍ‮ ‬بالورود ولا بحدائق الزهور‮ ‬ولكنه كأي‮ ‬مسلك للاغتراب المجهول كان مليئاٍ‮ ‬بالأشواك والأسلاك الشائكة التي‮ ‬لا ترحم‮ ‬ومعايشتها تعني‮ ‬المكابدة ومواجهة كل أصناف المشقة والتعب والمعاناة‮ ‬وعذاب الافتراق والاحتراق‮ ‬وكذا الم الشوق والحنين إلى الأهل وتراب الوطن البعيد‮.‬
عملت في‮ ‬الأعمال الصغيرة والثقيلة‮ ‬واشتغلت في‮ ‬عديد من المهن التي‮ ‬أجورها كانت ضئيلة ومجحفة‮.‬
أيام وليالُ‮ ‬مرت كأنها قرون‮.. ‬البعد عن الأهل والأحباب ومكابدة الأمرين في‮ ‬بلاد المهجر ليس بالسهل ولا بالهين‮.. ‬ومع ذلك على مدى خمسين عاماٍ‮ ‬هي‮ ‬أحلى سنين الشباب والعمر ضاعت من حياتي‮ ‬في‮ ‬بلاد الغربة‮ ‬تحملت خلالها الكثير والكثير‮ ‬وواجهت فيها مختلف أنواع البؤس والشقاء والعناء‮ ‬وصرير الجوع‮ ‬والسهر‮ ‬والصبر على كل عسير‮.. ‬ولم أتذمر‮ ‬يوماٍ‮.. ‬كنت متحمساٍ‮ ‬ومصراٍ‮ ‬على صنع المستحيل‮.. ‬على تحقيق كافة أحلامي‮.. ‬كل همي‮ ‬كان أن أجمع أكبر قدر من المال‮ ‬وأعود إلى الوطن في‮ ‬نهاية المطاف وقد حققت وامتلكت ما حلمت به في‮ ‬تلك السنين الطويلة‮ ‬وهو أن أبني‮ ‬منزلاٍ‮ ‬وأسرة‮ ‬وأصنع مستقبلاٍ‮ ‬عن طريق الاستثمار في‮ ‬أي‮ ‬شيء لكي‮ ‬أستقر في‮ ‬الوطن وأعيش كأمير أنا والعائلة‮.. ‬وهذا كان طموحي‮ ‬وحلمي‮.‬
وما تطلعت إليه خلال سنوات الغربة‮.. ‬ولكن‮.. ‬وآه من لكن‮..!‬¿
فلقد حدث في‮ ‬السنوات الأخيرة أن اختلفت أنا وأحد الأشخاص الذي‮ ‬خانني‮ ‬وقام وأخذ علي‮ ‬عمارة أو عقاراٍ‮ ‬يقدر ثمنه بالملايين مقابل شيكات‮ ‬غير مقبولة الدفع‮.. ‬ووصل هذا الخلاف بيني‮ ‬وبينه إلى النيابة والمحاكم‮ ‬وقمت من أجل ذلك بعمل تفويض للمرأة المحامية لتكون وكيلتي‮ ‬وتتولى الترافع بإسمى في‮ ‬قضية النزاع بيني‮ ‬وغريمي‮ ‬بالنيابة والقضاء‮.. ‬وكنت مؤمنا لها وواثقاٍ‮ ‬فيها بأنها ستكون وفية لي‮ ‬ومخلصة معي‮ ‬وعند حسن الظن كونها ممثلة لي‮ ‬في‮ ‬القضية حتى النهاية‮.. ‬وقد أعطيتها الكثير والكثير من المبالغ‮ ‬المالية مقابل اتعابها ولم أقصر معها من البداية وبشكل متتابع‮ ‬بل وأغدقت عليها بما هو أكثر من ذلك‮.. ‬غير أنه للأسف وبعد فترة ليست بالقليلة والقضية من محكمة إلى محكمة والغرامات‮ “‬التكاليف‮” ‬من مئات الآلاف إلى مئات الآلاف‮ ‬أفاجأ مؤخراٍ‮ ‬وبين ليلة وضحاها بأنها أي‮ ‬المحامية قد خانتني‮ ‬وطعنتني‮ ‬في‮ ‬الظهر‮ ‬وأنها ضيعت حقوقي‮ ‬وأموالي‮ ‬التي‮ ‬قمت بجمعها وكانت ثمرة‮ ‬غربتي‮ ‬طيلة خمسين عاماٍ‮ ‬في‮ ‬بلاد المهجر‮ ‬وتسببت قصداٍ‮ ‬وعمداٍ‮ ‬في‮ ‬نسف كل ما هو لي‮ ‬ومن حقي‮ ‬نسفاٍ‮ ‬وليس ذلك وحسب‮ ‬ولكنها قامت في‮ ‬الآونة الأخيرة بإلغاء تفويضي‮ ‬ووكالتي‮ ‬لها كمحامية تمثلني‮ ‬وتسجيل هذا الإلغاء والتصديق عليه في‮ ‬مكتب وزارة الخارجية بتعز ليكون شرعياٍ‮ ‬ورسمياٍ‮ ‬وذلك ما كان بمثابة الضربة القاضية التي‮ ‬وجهت لي‮ ‬منها‮ ‬والصدمة التي‮ ‬جعلتني‮ ‬أدور حولي‮ ‬نفسي‮ ‬وأفقد عقلي‮ ‬وأحس كأنها الطعنة التي‮ ‬قصمتني‮ ‬من العمق‮.. ‬فلم أعد أدري‮ ‬ما أفعل بعد ذلك‮ ‬ولم أستطع التحمل‮ ‬وكدت أجن‮.. ‬ثم قررت تحت نيران القهر التي‮ ‬اشتعلت بداخلي‮ ‬ووساوس الشيطان التي‮ ‬استولت علي‮ ‬وقذفت بي‮ ‬للشعور باليأس أن أنتقم منها‮ (‬أي‮ ‬من المرأة المحامية‮) ‬والانتقام منها هو بقتلها وإن كان ذلك لا‮ ‬يكفي‮ ‬لإشفاء‮ ‬غليلي‮ ‬ولا‮ ‬يحقق الجزاء الكامل على ما فعلته بي‮ ‬وعلى ما ارتكبته بحقي‮ ‬من‮ ‬غدر وخيانة من وجهة نظري‮.‬
ثم عدت من بلاد المهجر إلى الوطن بتعز ورحت أبحث عنها وأقتفي‮ ‬أثرها وأترصد لها حتى عثرت عليها في‮ ‬صباح‮ ‬يوم الواقعة ورأيتها وهي‮ ‬على سلم الدرج في‮ ‬مبنى المحكمة فسارعت اليها وكنت قد تجهزت باقتناء سكين من الصنف الحاد اشتريتها من السوق سلفا وأخذت أحملها بحوزتي‮ ‬أينما ذهبت لذات الغرض وباشرتها بطعنها بالسكين في‮ ‬بطنها بمجرد اقترابي‮ ‬منها وبلا كلام أو سلام قاصدا قتلها وكنت أريد استئناف الطعنة لها حتى أراها تموت بين‮ ‬يدي‮ ‬وأتأكد من تحقيق انتقامي‮ ‬بانتهائها ولكن فوجئت خلال ذلك بتقافز الناس وشرطة مبنى المحكمة والتفافهم علي‮ ‬وإمساكهم بي‮ ‬بحيث وجدت نفسي‮ ‬واقعا في‮ ‬قبضتهم وعاجزا عن فعل أي‮ ‬شيء‮ ‬وما فكرت فيه وكان همي‮ ‬في‮ ‬تلك الأثناء بعد القبض علي‮ ‬واسعاف المرأة المجني‮ ‬عليها هو ان أسمع وأتاكد بأنها لفظت أنفاسها وماتت نتيجة الطعنة‮ ‬غير انهم أبلغوني‮ ‬يومها أنها فاقت في‮ ‬المستشفى وظلت على قيد الحياة وكدت أنشق كمدا وحسرة عند سماعي‮ ‬ذلك وحزنت كثيرا ثم بعد إعلامي‮ ‬بخبر وفاتها شعرت بالارتياح وزال عني‮ ‬الحزن وهكذا كانت الواقعة‮..‬
في‮ ‬عدد الاحد القادم مع نشر وقائع جريمة حمام الدم‮.. ‬وإلى اللقاء‮.‬

قد يعجبك ايضا