الاحتفاء الحقيقي بالمولد النبوي

 

عبد الرحمن مراد
جاء الاسلام الى الناس كحالة تكامل مبنية على التراكم الذي سبقه في الرسالات السابقة أي أن الاسلام لم يكن حالة منفصلة عن كل الشرائع والرسالات السماوية التي سبقته بل كان تتويجا لها واستكمالا للمحددات الإلهية التي أرادها الله أن تسود في البشر , ولذلك فصَّلَ القرآن عن مضامين الرسالات السابقة , فصحف إبراهيم كانت تناقش تعدد الإله وواحدية المعتقد والمعبود من خلال أثره على الحياة , والزبور ناقش علاقة الإنسان بالكون والطبيعة والماورائيات والغيبيات وفصل عنها القول وكانت للقرآن إشارات حول ذلك , وجاء يوسف عليه السلام بنظرية اقتصادية واضحة المعالم والأبعاد , وكانت التوراة تثير السؤال حول جدل العلاقات الاجتماعية والسياسية مع الآخر وقد تركت أثراً مدمراً على الذات البشرية حتى جاء الأنجيل ليعيد تهذيب الذات ويعيد ترتيب نسقها بالمحبة والسلام والأناشيد والمزامير فالفنون تهذيب للنفوس وتكثيف للحيوات في الذات وهي تعمل على حالة التوازن بين الروح والجسد .
ثم جاءت رسالة الإسلام لتستكمل البعد القيمي والأخلاقي عند البشر بعد أن بلغت الرسالات كمالها في الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية ولذلك عبر الرسول الأكرم عن ذلك بقوله: « إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق « بل مدح الله رسوله في محكم الذكر الحكيم بقوله تعالى”وإنك لعلى خلق عظيم ” في إشارة الى حالة التكامل التي أرادها الله كما تشير آخر آية نزلت على الرسول الأكرم وهي قوله تعالى : « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا «
هذا البعد القيمي والأخلاقي غاب عن البحث والتنظير والتأصيل في مسارنا الثقافي التاريخي بل لم يتم التأليف فيه إلا نادرا قديما وحديثا , والسؤال الأخلاقي أثاره وبسط عنه القول الجابري في مشروعه النقدي «نقد العقل العربي « وفصل القول عنه في كتابه « العقل الأخلاقي العربي « .
ولعلنا نستبين الخلل البنيوي في مسارنا الثقافي والسياسي من خلال هذا الغياب أو التغييب , فالإسلام الذي هدم منظومة الثقافات الكبرى في زمنه وهي الثقافة الفارسية والرومانية , والثقافة الفارسية هي ثقافة وثنية « مجوسية « لا تلتقي مع الإسلام في نقاط بعكس الثقافة الرومانية التي تشترك في كثير من محدداتها مع الإسلام , ولذلك حاولت الثقافة الفارسية مقاومة عوامل الفناء من خلال إعادة إنتاج نفسها في الثقافة الإسلامية فتركت أثراً واضحاً في نظرية الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم , وفي اللغة والآداب , وفي الحياة الاجتماعية , والقارئ لكتب الأخبار ك»العقد الفريد « لابن عبدربه ,و «اخبار الزمان « للمسعودي ,وغيرهما , يكتشف ذلك الأثر للثقافة الفارسية , كما يكتشف الرؤية المنهجية التي حاولت صرف العقل العربي عن الغوص في النظرية الأخلاق العربية وهو بالتالي تعبير عن انحراف في مسار الرسالة المحمدية وقد كان من نتائج ذلك حالة الهوان والضعف الذي وصل إليها العقل العربي والمجتمع العربي منذ العصر العباسي الثاني الى اليوم .
دعونا في هذه العجالة أن نشير الى مجموعة من القضايا التي حدثت في المستويات الحضارية الحديثة وكانت من صميم التجربة الاسلامية ولكنا صرفنا عنها حالة الانحراف في البعد القيمي وفساد التأثير للثقافات ومن ذلك:
– روح التعايش والمدنية :
شكل خروج الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام من مكة الى المدينة حالة انتقال من العصبية القروية الى روح التعايش المدني حيث كانت المدينة خليطاً ثقافياً غير متجانس بل كان هناك المسلم وهو على حالين مهاجر وأنصاري , وهناك اليهود , وهناك النصارى , وهناك الوثني , وكانت وثيقة المدينة أول دستور ينظم حياة المجتمع المدني في التاريخ .
– العلاقة بين الحاكم والمحكوم :
ثمة إشارات مبثوثة في كتب السير والأخبار تتحدث عن علاقة الحاكم بالمحكوم في تاريخنا قبل أن يتأثر بالثقافات الأخرى , فالرسول عليه الصلاة والسلام يطلبه تاجر يهودي دينا بكلام لا يوقره ولا يحترمه فيثير غضب أصحابه فيسلون سيوفهم على اليهودي فينهرهم ويوبخهم ويأمر بقضاء دينه كما يأمر له بعطية تعويضا له عن الترويع الذي أصابه من سل السيوف .
وثمة قصص عن الاحتكام للقضاء ومنها قصة اليهودي مع الإمام علي كرم الله وجهه وكيف تساوى الخصمان أمام القضاء دون أن تمنع إمارة المؤمنين عن ذلك .
– احترام القناعات الفكرية والحريات :
وهي ثابتة بالنص القطعي ومن خلال شروط قادة الفتح لأهل الأمصار فهم لا يجبرون أهل البلاد التي فتحوها على الدخول في الإسلام بل يتركون لهم قناعاتهم .
– الرفق بالحيوان :
ويكفي أن نورد هذا الأثر وغيره الذي كثر في المرجعيات الدينية وهو قوله عليه الصلاة والسلام « من روع هذه في فرخها « وقوله : « في كل ذات كبد رطبة أجر « .
***
نحن نرى أن فقه التمدن في الإسلام , وفكرة الحريات العقائدية , وفكرة التدافع بين الجماعات سياقات ذات تجذر وعمق في الفكر الثوري الإسلامي الذي قاد مرحلة انتقال من أصعب المراحل ليبدع واقعا اجتماعيا وثقافيا جديدا في عهد الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ويوم السقيفة كان سببا مباشرا في كل التنظيرات والتخريجات الشرعية لنظرية الحكم التي تستند إليها الجماعات التي تشوه في الإسلام وجل تلك المدخلات الثقافية لا أصل لها في جوهر الإسلام بل فرضتها ضرورة العصبيات وروح الاستبداد في الذات القروية , وتلك الروح التي تستند الى مبرر فساد الخروج واستقرار الدولة هي التي عززت هذه الروح الى درجة الاعتقاد بجوهريتها في الدين وأصوله وثوابته ومنطلقاته النظرية, فالتاريخ يتحدث عن خروج الناس في زمن الإمام علي كرم الله وجهه ولم يسعه إلا مناجزتهم بالسيف سواء في موقعة الجمل أو صفين .والأمويون تعاملوا مع أسباط الرسول عليه الصلاة السلام بتوحش الى درجة أنهم تركوا يحيى بن زيد مصلوبا حتى دفنه أبو العباس السفاح وفق ما تقوله – بعض مصادر التاريخ – دون مراعاة لقربة أو حرمة.. العباسيون طبعا نبشوا القبور وأحرقوا الرمم وقتلوا وشردوا بني أمية ولم يراعوا فيهم إلاً ولا ذمة ثأرا وحقدا.
ولم تمنع العباسيين قرابة النسب أن يعملوا سيف السلطة في الطالبيين فقد قتلوا النفس الزكية وابناءه وإخوته بمبرر الخروج عليهم , هذا التراكم ترك في حياتنا الثقافية خللاً بنيوياً لابد من تصحيح مساره حتى نتمكن من الخروج من دورات العنف والثأر والتوحش.
فالسيرة النبوية تحمل رموزا كان التفاعل معها تفاعلا جامدا غير متحرك في فضائها الإيحائي الذي تحمله فرحلة الإسراء لم تكن إلا حالة تكامل في خط متواز بين رمزية المكان ( مكة / والقدس ) وتلك الرحلة في خطها المتوازي بين رمزية المكانين تشكل قاعدة الهرم, والهرم يكتمل بالمعراج والعودة الى مكة < فرأس الهرم يوحي بواحدية المصدر والقاعدة في طرفيها اللذين يشيران الى المكانين (مكة / والقدس) يوحيان الى اختلاف الشرعة والمنهج وهو المعنى نفسه الذي تؤكده سورة المائدة حيث يقول تعالى : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48.
ولذلك فالاحتفاء بالرسول الأكرم لابد أن يكون بعثا وبحثا وتحقيقا وتصويبا للمسارات وليس مجرد بهرج مفرغ من المعنى الحقيقي للاحتفال , ويفترض بنا أن نحاكم التاريخ ونحاكم واقعنا محاكمة عادلة لنعيد ترتيب نسقنا , ونعيد بناء الحيوات وفق قيم ومبادئ الإسلام لا غيره ووفق المستوى الحضاري والفكري للبشرية , فالإسلام رسالة متجددة وليس قالبا جامدا , وهو فكرة ثورية والفكرة الثورية التي قادها الرسول الأكرم أحدثت تحولا وتبدلا مازال يذهل المفكرين الى اليوم والذين جعلوا الإسلام كهنوتا وحالة تسلط جماعات على أخرى تأثرا بما دخل على الإسلام من ثقافات ولم يفلحوا بل ساهموا في تراجع فكرة الثورة وأثرها في واقع البشر بل كانوا سببا جوهريا ومباشرا في حالة التخلف والتراجع الحضاري للعرب والمسلمين وهو حال من الذل والهوان يعانونه اليوم كما هو مقروء في الواقع .

قد يعجبك ايضا