
على مرور الزمن تبقى عدن هي الصْرِة الممتلئة بالتنوع من كل أنحاء اليمن شرقاٍ وغرباٍ وشمالاٍ وجنوباٍ ناهيك عن كونها ترانزيت عالميا لتاريخ من التعايش الإنساني بين الأمم والأجيال فيها المسجد وفيها الكنيسة فيها المنزل وفيها القبر فيها المتجر وفيها محطة الانتظار لقطار الرحيل فيها الحل والترحال.. وبين هذه العوامل الإنسانية يلتقي المسلم واليهودي والمسيحي والهندوسي على مائدة الإنسانية في انسجام محكوم باحترام الآخر والقبول بالمختلف…. إنها عدن البهية في إبط البحر الأحمر وخليج عدن لتضيء جنبات التاريخ وتقاوم سهام الغدر التي تحاول النيل من الهوية اليمنية.. إنها عدن لم تكن يوماٍ ما طاردة لعابر من البشر إلا من أراد بأهلها سوءاٍ أو شتاتاٍ وتفرقة ابتداء من المستعمر البرتغالي ولم تنته بالاستعمار البريطاني بل طاردت من أراودوا تمزيقها حتى وهم ابناؤها الذين وجدوا أنفسهم في مربع الاقتتال على السلطة بعد خروج المستعمر كل مصيبتهم ان أنفسهم طاوعت «سياسة فرق تسد» واجترحت بها خطيئة الخروج من جلد الهوية اليمنية..
هذه المادة الصحفية المعدة من المراجع التاريخية تحكي سيرة ذاتية مكانية استثنائية لأنصع مآثر اليمن وحواضرها التي احتضنت جينات التكوين الفكري والثقافي والتنويري للحركة الوطنية التي شهدتها الجغرافيا اليمنية خارج حدود السياسة لتناهض من مدينة عدن كل مشاريع التجزئة أياٍ كانت محلية تحت وطأة صراع المصالح بين القوى التي خرجت عن طورها الوطني أو مشاريع التجزئة الاستعمارية التي حاولت إحداث شروخ في وجه الهوية ولم تكن تعلم أنها تستعد للفظ نفسها الأخير..
إن من المحطات الجديرة بالقراءة للأهمية المعاصرة والاستراتيجية لمدينة عدن خلال القرنين الفائتين والتي أضافت إلى عدن (المكان والانسان) كاريزما وقوة حضورها الإقليمي والدولي.. تتلخص حسب رؤية الكاتب والصحفي سامي أمين عطاء في مقال مختزل له حول عدن « عبقرية المكان والحقيقة الغائبة».. في عوامل جغرافية وسياسية دارت في المحيطين الإقليمي والدولي وتتمثل المحطة الأولى في افتتاح قناة السويس فأعطاها أهمية أكبر جعلها مدينة تلعب دوراٍ رئيسياٍ في خطوط الملاحة الدولية اللاحق.
فيما المحطة أو العامل الثاني يتمثل في وقوع مصر تحت الانتداب البريطاني بعد فشل ثورة عرابي في منتصف العقد التاسع من القرن التاسع عشر, جعلها مدينة تتوسط المسافة بين قناة السويس والهند, وجميع هذه البلدان كانت ترزح تحت الاحتلال البريطاني. فيما زادت أهمية مدينة عدن – كمحطة ثالثة – بعد الحرب العالمية الأولى مما جعلها نقطة إمداد ضرورية للقوات البريطانية.
وفي المحطة الرابعة بلغت أهمية المدينة ذروتها خلال الحرب العالمية الثانية وتصاعدت أهميتها بعد استقلال الهند عام1948م وخروج قوات الانتداب البريطاني من مصر بفعل ثورة يوليو1952م والتأميم اللاحق لقناة السويس عام1956م. (1)
عمق التنوع البشري
إن عدن لم تكن في منأى عن أهم مفارقة في الحياة الانسانية (المكانية- والزمنية) ففي الوقت الذي ظلت فيه حصنا منيعا يستهوي الغزاة والطغاة ليكون تاريخها ثورة مستمرة منذ الاحتلال البرتغالي في منتصف القرن الخامس عشر كانت انطلاقاٍ لمسار التعايش الانساني والعقدي والفكري والسياسي إلى جانب مركزها الإشعاعي التنويري في مختلف مراحل التاريخ الدولي ذي الصبغة النزاعية على أهم مناطق العالم استراتيجية وثروة.. في هذا السياق يسترجع المؤرخ والمفكر الاجتماعي الدكتور حمود العودي ذكرياته في المدرسة الأحمدية بتعز مشيراٍ إلى علاقة عدن الداعمة للحركة الوطنية والتنويرية مؤكداٍ أن عدن كانت هي النبع الزاخر للفكر والثقافة التحررية ابتداء من احتضانها لأعرق دور النشر في شبه الجزيرة العربية ومروراٍ بكونها ترانزيت تصل عبرها كل الكتب الفكرية والصحف على المستوى العربي والدولي.. لافتاٍ إلى أنه كان يتم تسريب الكثير من الصحف والمجلات من عدن إلى تعز وتحديدا إلى المدرسة الأحمدية التي كانت مناراٍ للعلم والحركة الطلابية التي أفضت إلى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وكانت أول حركة طلابية في شبه الجزيرة العربية.. (2)
حول التنوع البشري والدفق الانساني ذي الهوية اليمنية قال العودي متحدثاٍ عن هروب طلاب المدرسة الأحمدية بـ(تعز) إلى (عدن): عندما وصلنا استقبلنا في عدن -التي كان يسكنها كثير من الأسر اليمنية من كل مناطق اليمن- الإخوة في الاتحاد اليمني وتولونا بالرعاية هم والكثير من التجار الطيبين ومنهم بيت الأسودي أذكرهم بكل خير فكانوا يعطون الواحد كل يوم (شلن ونصف).. وظللنا نتردد على مقر الاتحاد اليمني وعلى معارفنا وأقاربنا المقيمين في عدن وكان عدد الطلاب يتجاوز الستين طالباٍ من صنعاء وتعز وإب وذمار وغيرها ولم يكن يوجد واحد منهم إلا ووجد قريبا أو معروفاٍ من أهل قريته أو منطقته مقيما أو تاجراٍ في عدن التي كانت ولم تزل موطن وقبلة اليمنيين من كل منطقة. (3)
الحركات النقابية والعمالية
كانت عدن أيضاٍ مركزاٍ للحركات النقابية والعمالية ذات البعد الوطني الهادف إلى وحدة اليمن أرضاٍ وإنساناٍ وكانت هذه الحركات تبدأ من بلورة الواقع إلى حقوق مطلبية لا تخرج عن الأطر الوحدوية لكنها سرعان ما تحولت إلى حركات نضالية سلمية ومسلحة وقتالية بفعل تصرفات وممارسات الاستعمار البغيض الذي لا يسعى إلا لتشتيت اليمنيين وفي هذا السياق يقول المناضل عبد الرزاق شائف في حوار صحفي سابق: « رافق قيام الحركة العمالية والنقابية نشوء أحزاب وجمعيات لم يكن هدفها منذ البداية تجنيد الجماهير لخوض النضال الحاسم للتخلص من الحكم الاستعماري بقدر ما عبرت تلك الأحزاب عن مطالبها السياسية في تقرير مصير عدن والمحميات آنذاك ولم تنطلق هذه المطالبة بمبدأ تقرير المصير من رؤية وطنية شمولية تخدم بالأساس وحدة الأرض والشعب اليمني بقدر ما عبرت عن طموحات الاستعمار والقوى الطبقية الموالية لسياسته الرامية إلى إبقاء سيطرته الاقتصادية والعسكرية لمدى أطول تحت شعار «استقلال شكلي» كانت السياسة البريطانية تسارع فيه وتضع خططه ومشاريعه بدءاٍ من الحكم الذاتي لعدن ومروراٍ بمشروع اتحاد عدن والمحميات وانتهاءٍ بقيام الاتحاد الفيدرالي للجنوب العربي»..(4)
وفي إطار هذه الملامح الاستعمارية الخطيرة كان تتضح لـ(عدن) التي تضم تلك الحركات الوطنية أن لعبة خبيثة يريدها الإنجليز من وراء سياسة «توحيد عدن مع المحميات» إجراء شكلي يستهدف خلق كيان مستقل عن اليمن.. وتأكيداٍ لذلك يقول شائف:»ضمن هذه السياسة أخذت بريطانيا تهيئ حلفاءها من العملاء والأمراء والسلاطين لخلق مثل هذا الكيان السياسي الذي فرضت قيامه في فبراير 1959م كخطوة أولى لوضع البلاد والقوى السياسية والمعارضة الوطنية أمام الأمر الواقع للتفاوض لنيل الاستقلال.. لكن هذه اللعبة الخطيرة لم تنطل على الشعب اليمني وقواه الوطنية الخيرة لذلك فقد نهضت الحركة العمالية في مقدمة القوى والعناصر الوطنية لشجب ومعارضة هذه اللعبة منذ البداية إذ رفضت مشروع الحكم الذاتي لعدن ورفضت أيضا مشروع قيام اتحاد الجنوب العربي ولذلك رفعت الحركة العمالية شعار »جلاء الاستعمار« كمبدأ وشرط وشعار للوحدة اليمنية وشعار للوحدة العربية. (5)
ويضيف شائف: لكن كان هناك صراع سياسي وتباين فكري بين تلك الأحزاب نظرا لاختلاف توجهاتها السياسية والفكرية وبالتالي كانت لها مواقف متباينة من القضية الوطنية ولذلك رفضت معظم الأحزاب والقوى الوطنية مشروع اتحاد الجنوب الذي وضعه الاستعمار البريطاني بهدف تجزئة اليمن. (6)
الخمسينيات.. وفصول التجزئة
فترة الخمسينات كانت بالنسبة لعدن تمثل أعتى مراحل المواجهة ضد مشاريع التجزئة خصوصا والمستعمر كان قد زرع ألغام التفرقة وطمس معالم الهوية لدى الكثير من مرتزقة الداخل فاحتدم الصراع الداخلي والسياسي لتبدأ عدن بتكوينها اليمني النوعي صد هجمات خناجر الداخل من ناحية داخلية محلية بحتة.. فرغم طفرة الصراع ومحاولات القوى التي تأثرت بالاستعمار البريطاني واستجابت لسياسة «فرق تسد» التي ينتهجها إلا أن الحركات الوطنية التي احتضنتها عدن بقوة التنوع أبت إلا تجاوز مشاريع تلك القوى والاستمرار في درب الحلم اليماني الوحدوي لاغية كل مشاريع التجزئة المتمثلة في «الجمعية العدنية – وحدة عدن والمحميات – اتحاد الجنوب العربي – السلطنات بمختلف توجهاتها المصلحية – وحدة الجنوب العربي وغيرها من مشاريع التجزئة والشتات المستفزة لمشاعر الحركة الوطنية والشعب اليمني «.. وهذا النجاح يحسب لعدن التي كانت محطة التعايش الإنساني والبؤرة البصرية والجين النووي للهوية اليمنية التي لا تنطمس.. وهو الأمر الذى كان وراء تشكيل الجبهة الوطنية المتحدة التي ضمت المعارضة الشعبية للسياسة البريطانية وتمثلت بالنقابات الناشئة والاتحاد اليمني وفئات الشباب والمثقفين. (7)
ومن الناحية الخارجية المتمثلة بالمستعمر وسياسته الهوجاء شهدت عدن محطات قاسية في الخمسينات فـ « (في 4- يناير 1954م): بدأت بريطانيا بوضع مخطط بشأن إقامة اتحاد الجنوب العربي الذي يضم المحميات الغربية والشرقية لمستعمرة عدن. جاءت فكرة الاتحاد في خطاب ألقاه الحاكم البريطاني على عدن (توم هيكتبوثام) في اجتماع دعا إليه سلاطين ومشايخ «محميات عدن الغربية». وكان هدف الاتحاد -كما كشف عنه الخطاب- إقامة اتحاد فدرالي يضم محميات عدن الشرقية وآخر يضم محميات عدن الغربية مع الإبقاء على مدينة عدن بمثابة كيان قائم بذاته ومنحه حكماٍ ذاتياٍ في إطار الكومنولث البريطاني. يذكر أن الاستعمار البريطاني عمل على تقسيم جنوب الوطن إلى 21 إمارة وسلطنة ومشيخة بالإضافة إلى مستعمرة عدن. وكان لكل منها كيانها السياسي والإداري وحدودها وعلمها وجواز سفرها وجهازها الأمني والمرتبطة في الأخير بالمندوب السامي البريطاني في عدن. (8)
وفي (14 يناير 1955م) بدأت التمردات القبلية ضد التواجد البريطاني في إمارة الضالع بمقتل أحد المسؤولين البريطانيين العاملين في عدن ويدعى «موندي» عند زيارته للمستشار البريطاني في الضالع على يد اثنين من حراسة حاكم الضالع تمكنا من الفرار إلى قعطبة إثر تنفيذ هذه العملية الشجاعة.. لتشهد عدن في (2مارس 1956م) تأسيس المؤتمر العمالي عدن وهو اتحاد ضم 26 نقابة عمالية ومهنية تولى قيادة الحركة العمالية في عدن والمطالبة بحقوقها. وكان من أهدافه تحقيق الوحدة اليمنية. (9)
الأخطر من ذلك أن مدينة عدن منذ مطلع العام 1958م شهدت تدفقاٍ غير اعتيادي للهجرة الأجنبية إلى المدينة بتشجيع من السلطات الاستعمارية البريطانية التي كانت في يناير 54 قد أصدرت قانوناٍ للهجرة أعطى الأولوية لهجرة الأجانب إلى عدن ووضع قيوداٍ مشددة على أبناء المحميات وشمال اليمن للحد من دخولها الأمر الذي أثار مخاوف الحركة الوطنية من أن تطبيق هذا القانون سيؤدي إلى غلبة العنصر الأجنبي في المدينة وكان القانون قد منح الأجانب حق المواطنة بمجرد بقائهم في عدن عدة سنوات إذ استقبلت عدن ما بين عامي 53 و56 27 ألف مهاجر أجنبي سنوياٍ بالإضافة إلى قانون الهجرة أصدرت السلطة البريطانية قانون الجنسية الذي أطلق عليه «قانون التعدين» حددت فيه الشخص الذي يحق له حمل الجنسية العدنية وممارسة الحقوق السياسية. كما أعطى القانون حق المواطنة للبريطانيين وكل أبناء دول الكومنولث وحرم منها أبناء اليمن شمالاٍ وجنوباٍ.. الأمر الذي أشعل فتيل المواجهة الحقيقية على المستوى العملي في الحركة التجارية لعدن فقد شهدت في 22 ابريل 1958م إضراباٍ عاماٍ شمل مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.. (10)
التجزئة الرسمية
وفي 11 فبراير 1959م أعلن المستعمر رسمياٍ عن تأسيس «اتحاد إمارات الجنوب العربي» وضم سلطنة الفضلي وسلطنة العواذل وإمارة بيحان وإمارة الضالع ومشيخة العوالق العليا وسلطنة يافع السفلى. وأنشئ للاتحاد مجلس وزراء باسم «المجلس الأعلى» من ممثل واحد عن كل إمارة من الإمارات الست ومجلس تشريعي باسم «المجلس الاتحادي» من ستة ممثلين عن كل ولاية. وعلى مدى الأعوام الأربعة التالية انضمت إلى الاتحاد كل من سلطنة لحج ومشيخة العقارب وسلطنة العوالق السفلى وولاية دثينة وسلطنة الواحدي. وفي ابريل 62 أصبح اتحاد إمارات الجنوب العربي يعرف باسم «اتحاد الجنوب العربي» وفي يناير 1963 انضمت «المستعمرة» عدن إلى عضوية الاتحاد. أما سلطنات القعيطي والكثيري والمهرة (محميات عدن الشرقية) فقد رفضت الانضمام إلى الاتحاد. وبرغم ترحيب المجتمعين من سلاطين ومشايخ بما طرح إلا أنهم ما لبثوا أن اختلفوا على رئاسة الاتحاد وهو ما أجل إقامته لعدة أعوام إلا أن الإدارة البريطانية ظلت في جهودها لتحقيق ذلك مستخدمة مختلف وسائل الترغيب والترهيب بهدف خلق كيانات إقليمية في المحميات يتولى الحكم فيها من ترضى عنهم تمهيداٍ لمنحها شكلاٍ من أشكال الاستقلال وبالتالي قطع الطريق أمام الحركات الوطنية المطالبة بالتحرر التام. (11)
مدد الثورة السبتمبرية
وحول مقاومة عدن ببسالة لهذه المشاريع الخبيثة الرامية إلى فصل اليمن إلى سطلنات ودويلات تتناحر في ما بينها قال المفكر الاجتماعي الدكتور حمود العودي: وما يستدعي الإشارة إليه هو أن عدن في تاريخ 24 و25 من سبتمبر 1962م قبل الثورة في صنعاء بيومين عاشت أجواء مظاهرة كبيرة جداٍ وشهيرة ضد اتحاد الجنوب العربي المشروع الذي كانت تدعمه بريطانيا لطمس الهوية اليمنية نهائياٍ فدخلنا في المظاهرة كلنا بصخب كبير وتفاعل وطني نادر.
وفي يوم 26 سبتمبر 1962م وبعد يومين فقط من تلك المظاهرة قامت الثورة في صنعاء وأجواء عدن عامرة بصخب تلك المظاهرة التي ترفض اتحاد الجنوب العربي وتطرح قضية التحرير والاستقلال فشعر الناس بنشوة انتصار إضافية أو فاتحة انتصار اليمنيين على مشاريع الاستبداد والاستعمار والتفرقة.. فكان الناس يتابعون المذياع بحماس منقطع النظير والكل يردد أحاديث الثورة وبياناتها وتفاصيل كثيرة.. منها ما هي حقائق ومنها ما هو غير ذلك من باب تكبير الأحداث. (12)
وحول الدور النضالي الذي لعبته عدن في مد الثورة السبتمبرية بما كانت تذخره من نبع بشري نوعي مستنير قال الدكتور حمود العودي: بالنسبة للعودة قصتها عجيبة فعندما قامت الثورة استنفر الناس جميعاٍ وهبوا لنصرتها تحت دافع هاجس الخوف من عودة نتائج 1948م ونهب صنعاء والسيف الذي طال رؤوس النخب اليمنية وتحت هذه اليقظة تحركنا من عدن استجابة لدعوة الثوار في صنعاء وتعز لنصرة الثورة حيث دعوا جموع الناس وفئات المجتمع إلى الدخول في الحرس الوطني أو المقاومة الشعبية للدفاع عن الثورة بعد أن برز أعداؤها منذ اليوم الأول وهروب البدر.
مضيفاٍ: ولم تكن عودتنا مجرد عودة طلاب بل عودة الشعب اليمني فقد عدنا مع جموع الشعب شمالاٍ وجنوباٍ والذي لم يكن في حسبان أحد إن هذا شمالي أو هذا جنوبي فالكل انطلق صوب تعز وصنعاء لنصرة الثورة والدخول في الحرس الوطني أو المقاومة الشعبية ليس طواعية فحسب بل وعزيمة على التضحية بالمال والنفس مقابل انتصار الثورة اليمانية الأم التي جاءت كثمرة لنضال اليمنيين شمالاٍ وجنوباٍ في الداخل أو في الخارج.. إلى درجة أن الناس الذين لم يجدوا سيارات ومواتر تقلهم انطلقوا مشياٍ على الأقدام .. من عدن وردفان والضالع وأبين ويافع حتى وصلوا تعز وصنعاء والتحقوا بالمعسكرات.. معسكر المقاومة الشعبية أو الحرس الوطني.. وأتذكر أننا وصلنا تعز وذهبنا إلى القيادة وكنت أنا والأخ عبدالحميد الحدي .. وبعض الإخوان الذين جاءوا معنا وكان في القيادة حينها الأخ/ صالح الأشول جهز لنا سيارة وانتقلنا إلى صنعاء وحال وصولنا التحقنا بالحرس الوطني وكان في نفس الأسبوع الأول للثورة. (13)
مؤازرة قومية
ولأن عدن كانت مركزاٍ لنواة التكامل والدعم الاستراتيجي بين فصائل الحركة الوطنية سواء الداخلية أو الخارجية كان التكامل في الداخل يتجسد في أن عدن منبع الفكر والتنوير والفئات النخبوية من الحركة الوطنية المستنيرة وكانت مناطق اليمن الأخرى تمطرها بالبشر المنضمين إلى صفوف الحركات المناهضة لمشاريع التجزئة الاستعمارية باستمرار سواء التي تستهدف تعزيز الحدود السياسية المصطنعة جهوياٍ (شمال – جنوب) وبين مستعمرات الإنجليز في الشطر الجنوبي من الوطن أو تلك السياسات التي تستهدف فصل عدن الضالع وردفان وحضرموت وأبين وسياسات إذكاء الصراعات بين السلطنات.. واتجهت النخب النضالية إلى تأسيس جمعيات تعاونية من الأقاليم التي خارج عدن ومن كل المناطق اليمنية.. الأهم أن ما كان يجري في عدن كمركز كفاح ونضال وحركة وطنية يمنية لفت انتباه الحركة القومية العربية ممثلة بقائدها جمال عبد الناصر فأبى إلا الاسهام في إرباك المستعمر ولملمة أبناء اليمن المشردين من عدن إلى محافظات يمنية أخرى لفتح جبهات جديدة تعزز مركز التضحية عدن الذي هز الإمبراطورية البريطانية..
وفي هذا التكامل والتآزر الذي كانت عدن مركزه الأول يقول الصحفي المصري الأستاذ مكرم محمد أحمد الذي أطلق عليه الصحفي المحارب في اليمن كونه أول مراسل لجريدة الأهرام المصرية التي غطت دور القوات المصرية في الثورة السبتمبرية: انتهج الزعيم العربي القومي جمال عبد الناصر تكتيكا مساندا لعدن التي تخوض معارك مصيرية مع المستعمر البريطاني قبل ثورة أكتوبر وقبل التخطيط لها… كان هذا التكتيك بشمل فتح جبهة صلاح الدين بتخطيط ودعم منه شخصياٍ في إطار الدور المصري في اليمن دفاعاٍ عن النظام الجمهوري وحرب تحرير عدن من المستعمر وكان مقر هذه الجبهة في تعز وقامت حيثيات نشوئها على أهداف إرباك المستعمر وقطع الإمدادات التي تصل الملكيين بقيادة الغادر من إمارة بيحان وهما السببان اللذان كانا وراء ما واجهته القوات المصرية من معارك قاسية وحصار في المحور الشرقي.. وأتذكر أن محمد علي هيثم وعلي ناصر محمد كانوا من قبيلة دثينة ويرأسون جمعية تعاونية من أهالي الأقاليم المختلفة فكانت هذه الجمعية مع جبهة صلاح الدين أشبه بالنواة التي تفتقت ونمت منها الجبهة القومية(……)(14)
وحول حلم الوحدة وما عاشته عدن بعد خروج المستعمر وبروز صراع اليسار واليمين قال مكرم: وكانت حرب التحرير التي تزامنت وحرب ترسيخ النظام الجمهوري على مدى مراحلها تؤكد أن الوحدة حلم قائم في السلم والحرب وكان الإخوة في اليسار بعدن تصرفوا تصرفات خاطئة في الجنوب والجناح المتشدد استولى على السلطة لتبدأ البلاد متوالية جديدة من الصراع مما أجل حلم تحقيق الوحدة.. وهذا ما عاشته عدن بعد خروج المستعمر.. (15)
من الاستقلال إلى الوحدة
(منذْ العام1967م ـ بعد الاستقلال ـ أخذت هذه المكانة تتلاشى رويداٍ رويدا, إذ خرجت عدن عن طوق الاقتصاد الرأسمالي العالمي, ودخلت منذئذ في كنف منظومة الاقتصاد الاشتراكيº انهارت على أثره علاقة المدينة بالاقتصاد الذي أسسها وأنعشها وفقدت الصلة به. رغم أن المدينة لم تفقد ميزتها المكانية) (15).. ورغم ما شهدته عدن من صراعات سياسية دامية بعد الاستقلال إلا أنها ظلت عامرة بالهاجس الوحدوي الذي يغمر أناسها العاديين خارج نظم السياسة خصوصاٍ وساكنوها من كل مناطق اليمن التي أصبحت مفصولة عن عدن بحدود سياسية شطرت الأسرة اليمنية بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر وظلت عدن بجماهيرها الرافضة للصراع طوال فترة السبعينات والثمانينات تزداد تمسكاٍ بحلم الوحدة وسرى هذا الوجدان في كل القيادات الوطنية التي أحست بخطر استمرار الصراع الدامي على اليمن وعلى سمعة عدن بعد أن دخل الصراع منعطف الاقتتال الذي انتهى بمجزرة يناير 86م ليبدأ العد التنازلي الحقيقي لإعلان مشروع الوحدة ورغم حل المشاكل والمعاناة ظلت عدن هي المكان العصي على الانكسار فكانت المنصة التي رفعت منها سارية علم الوحدة في يوم الثاني والعشرين مايو 1990م..
(المراجع )
1- (عدن عبقرية المكان والحقيقة الغائبة) سامي أمين عطا http://adenalghad.net/news/32067/
2 -صحيفة الثورة.. المؤرخ والمفكر الاجتماعي الدكتور حمود العـــــــودي: http://www.althawranew.net/index.php?action=showDetails&id=6885
3- نفس المصدر.
4- صحيفة الثورة.. المناضل عبد الرزاق شائف http://www.althawranew.net/index.php?action=showDetails&id=7 683
5- نفس المصدر
6- نفس المصدر
7- ثورة 14 اكتوبر تسلسل تاريخي – مركز البحوث والمعلومات. سبأ – عبد الملك الثور: http://www.sabanews.net/ar/news226267.htm
8- نفس المصدر
9- نفس المصدر
10- نفس المصدر
11- نفس المصدر
12- صحيفة الثورة.. المؤرخ والمفكر الاجتماعي الدكتور حمود العـــــــودي: http://www.althawranew.net/index.php?action=showDetails&id=6885
13- نفس المصدر
14- (عدن عبقرية المكان والحقيقة الغائبة) سامي أمين عطا http://adenalghad.net/news/32067/
15- نفس المصدر
16- كتاب (حرب تحرير الجنوب) للمؤلف المصري مكرم محمد أحمد «الصحفي المحارب في الليمن. واستخلاص بتصرف من حديث صحفي حصري لصحيفة الثورة..
mibrahim734777818@gmail.com
