ماذا في إيران البعيدة المحاصرة

مراد راجح شلي

 

 

وماذا في إيران البعيدة المحاصرة لتحبوها ولا تحبوا جيرانكم الأثرياء؟
أخبرني كم ستخسرون حتى تدركون أننا ملاذكم؟
“هكذا تحدث برميل نفط مجاور بكل صفاقة بليدة”
يحاول جاهداً أن يظهر بمظهر المثقف الحداثي المتعالي.
لذا سأحاول هنا أن أجيبك بطريقتك وعبرك لمن هم على شاكلتك من براميل.
حديثك لم يكن تساؤلات بقدر ما كان كشف حساب
كأنما الحياة عنده دفتر شيكات وكأن المواقف تقاس بسعر البرميل لا بوزن الدم.
قرأت كلماته وشعرت بذلك الصوت المعدني الأجوف صوت قطع معدنية تتدحرج داخل وعيه صوت شيء ممتلئ بالمادة، وفقير بالمعنى..
هو لا يفهم كيف يمكن لإنسان أن يقف في جهة لا تدر عليه ذهبا ؟
كيف ينحاز حيث الألم أكثر من الرفاه وحيث الكلفة اعلى من المكسب ؟
لن أحدثك حديثاً روحياً وما المسؤولية الدينية والتوصيل التاريخي و..و..و…
لأنك تريد أن تظهر بمظهر الغربي البراغماتي ولك الله من برميل نفط حداثي ونخبوي ههههههههههه
ولن أحدثك أن إيران لم تقتل أو تعتدي علينا يوماً
أما أنتم تقنلون شعبنا وتدمرون بلدنا كل يوم
بالنسبة لكم الاصطفاف صفقة
أما عندنا فالمسألة مختلفة تماماً
هناك فرق بين من يقف مع جهة لأنها قوية ومن يقف معها لأنه يراها على حق.
فرق بين مشجع يبدل فريقه مع النتائج وبين إنسان يرى الموقف امتدادا لضميره .
بعضهم يتعامل مع الدول كأنها أندية كرة قدم يرفع الشعار عند الفوز ويخفيه عند الخسارة لكن القضايا ليست مباريات والدم ليس نتيجة على لوحة .
البرميل المتباهي كان يتحدث عن الثراء وأنا كنت أفكر في القيمة .
الثراء يملأ الخزائن لكن القيمة تملأ الإنسان .
هناك شعوب تملك الأبراج ولا تملك كلمة لا
وشعوب تملك الركام لكنها تملك موقفاً يجعلها واقفة رغم كل شيء لهذا يختلط الأمر على من تعود أن يرى العالم من فتحة صمام .
نحن لا ننظر إلى المسافة على الخريطة بل إلى المسافة بين الظالم والمظلوم .
لا نقيس الأمور بعدد الحقول النفطية بل بعدد المرات التي قيل فيها .
نقف هنا لأن هذا هو الجانب الذي لم يبع نفسه
لأننا لن نبيع ديننا بدنياكم وآخرتنا بباطلكم
ليست المسألة طمعاً في منفعة ولا انتظاراً لمكافأة ولا تبادل مصالح كما تتخيلون .
الفكرة أبسط وأصعب في آن واحد ..
أن يكون للإنسان خط لا يريد أن يخونه .
هو يرى جيراناً أثرياء ونحن نرى مواقف ثرية
يرى حسابات ونرى دماء دفعت أثماناً باهظة لأنها رفضت أن تتحول إلى رقم في معادلة .
يظن أن العالم يدار فقط من الخزائن وينسى أن التاريخ كثيراً ما تحرك من ساحات لم يكن فيها سوى الإصرار والعزيمة والتضحيات .
هل سأحدثك عن انتصار الدم على السيف لا لا
وعيك أصغر من إدراك هذه القواعد الإلهية .
أعدت قراءة تعليقه مرة أخرى شعرت بشيء من الشفقة، هو سجين تصور واحد وهو أن المال مركز الجاذبية الوحيد لذلك يستغرب ..
يستغرب حين يرى من ينجذب نحو معنى نحو فكرة صمود .
نحو صورة شعب محاصر لا يبدل موقعه رغم الكلفة .
لا يستطيع أن يستوعب أن هناك من يعتبر الثبات قيمة بحد ذاته حتى لو كان الطريق مليئا بالخسائر .
بالنسبة له النفط حقيقة صلبة وما عداه شعارات
وبالنسبة لغيره الموقف هو الحقيقة وما عداه تفاصيل .
أغلقت الهاتف وأنا أفكر أن المشكلة ليست في السؤال بل في الأداة التي سئل بها .
حين يصبح القلب برميلاً لا يعود يفهم لغة القيم، وحين يختصر العالم في السعر يضيع الفرق بين من يعيش واقفاً ومن يعيش ممتلئاً فقط .
بعض الناس يبحثون عن المكان الذي يشعرون فيه أنهم لم يخونوا أنفسهم ليس لأنه الأقرب ولا لأنه الأغنى بل لأنه يشبه الصورة التي يريدون أن يروا أنفسهم عليها حين ينظرون في المرآة .
هناك من يختار جهة لأنها مريحة وهناك من يختارها لأنها صحيحة في نظره حتى لو لم تكن مريحة أبداً .
بين من يرى العالم سوقاً ومن يراه ساحة موقف مسافة شاسعة ..
الأول يسأل دائماً كم سنربح ؟
والثاني يسأل من نكون إن بعنا هذا ؟
وفي هذا الفرق الصغير تتحدد كل الحكاية .

قد يعجبك ايضا