حروب الوهابية الأولى في تهامة والساحل

 

عبدالجبار الحاج

كلما زرت الحديدة ازدحمت وتوالت عندي في شريط الذاكرة أحداث ووقائع تتوالى كنت قد أوشكت على نسيانها أو ظننت في ما مضى أنها مجرد معلومات راكمتها القراءة وقد لا احتاجها في حياتي وهكذا ففي كل زيارة للحديدة أعود وقد استعدت إلى المسب بما امتلا فيه ..
وبالتأكيد كانت الزيارة في إجازة عيد ليست للنزهة ولكن في مهمة الوقوف على حال الحديدة ومع ذلك وبمتاعبها كانت ممتعة ومفيدة ..
في هذا المقال سأستعرض جملة من الصور التي جالت في خاطري قادمة من نهاية القرن العشرين والعقد الأول والثاني من القرن التاسع عشر وهو مرحلة مليئة بألوان الحروب والغزوات الهمجية للوهابية النابتة من الدرعية في ظل إمارة سعود الأول ..
جاءت الصور من التاريخ من لون الصور التي تعيشها الحديدة والساحل للعام الثالث والرابع من العدوان والاحتلال والمقاومة اليمنية المستمرة .
……….
لم تكن مطامع آل سعود في الساحل الغربي الممتد على طول شمال تهامة وجنوبها لتتحرك علنا على الأرض إلاّ بسبب ضعف الدولة المركزية ووهن الروابط بين رأس الدولة في العاصمة وتمادي أدوات وقيادات الدولة في تلك المناطق والتفرغ لإنشاء دويلاتهم الخاصة …
وبالفعل بلغت حد إقامتهم علاقات مزدوجة بين عاصمتهم صنعاء وبين أمراء الدرعية في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر وبالتالي بلغت حد ابرام اتفاقات سياسية مع دولتي الامام والدرعية وعلى سبيل المثال الشريف حمود أبو مسمار وعبدالوهاب أبو نقطة في شمال تهامة وجنوبها في 1810-1802 وما بعدها وسأتناول تلك المرحلة التاريخية التي تشكل نقطة البدء في بروز الأطماع التوسعية وبما يكفي لإعطاء القارئ صورة كاملة تحت عنوان ( غزوات الوهابية وحروب السعودية الأولى في تهامة والساحل(.
اخطر الغزوات التي تعرضت لها تهامة عامة واقصد تهامة الممتدة من عسير وجيزان وحتى ميدي الحديدة والمخا على امتداد الساحل والوديان هي غزوات جحافل الدعاة الوهابيين ذات البعدين الديني والسياسي الاقتصادي لسعود بن عبدالعزيز ومحمد عبدالوهاب خلال الدولة السعودية الأولى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ولم تتوقف تلك الغزوات التي نفذت بحسب الوضع السياسي في اليمن أو الجزيرة مرات بشكل مباشر من قبل السعودية ومرات بواسطة أدوات يمنية ومرات بواسطة قيادات تتبع الامامة في صنعاء ولذلك فالحديدة واللحية سقطت لمرات عدة وكادت أن تسقط نهائيا بيد سعود بن عبد العزيز في ظل الدولة السعودية الأولى لولا الحملات العسكرية الباشوية المصرية المشهورة في الجزيرة والتي أسقطت الدولة السعودية الأولى ..
نحن عندما نثير قضية الحق التاريخي اليمني في نجران ثم جيزان وعسير ليس من باب التزيد والمزايدة على أحد في الوطنية ولكن لأن تهامة الشام عسير وجيزان والتي تمتد حتى حلي بن يعقوب وتهامة اليمن جنوبا والتي تمر بميدي والحديدة والمخا كل لا يتجزأ من الساحل فأطماع سعود بما هي أداة استعمارية ترنو لكل الساحل فالصمت عن جزء منه فيما مضى يغري العدو بالتهام الجزء الثاني وهكذا…
لهذا نحن هنا لسنا بصدد إعادة كتابة التاريخ من وجهة بحثية اكاديمية فحسب رغم أن هذا يتوجب أن يكون جزئاً أصيلاً من عملنا الذي نقدمه لهذا الجيل من اليمنيين .. إلا أن الهدف من هذا المقال إثارة تلك المشاهد التاريخية التي تدفقت وتحركت في شريط الذاكرة خلال هذه الزيارة . بيد أني أجد نفسي في مقام ومقال أخر أمام مهمة إعداد ونشر مبحث خاص يتناول مرحلة الغزوات الوهابية في تهامة والساحل عموما وهي مهمة أراها رئيسية في تتبع تلك الأحداث والوقائع واستلهام الدروس والعبر سياسيا واقتصاديا وعسكريا للاستفادة منها في ما نحن عليه وفي خضمه الآن .
لم تتعرض أي منطقة يمنية لما تعرضت له تهامة من غزوات الوهابية ذات الهدف الديني الجديد والغريب في الجزيرة العربية ولم نجد أصلب من الروح الوطنية في صد تلك الغزوات وظلت تهامة بروحها الدينية النقية ولم تسقط في مستنقع الوهابية بل لم تتأثر .
كما لم تتعرض أي منطقة يمنية لذلك الحجم الهائل من الحروب التي استهدفت الساحل اليمني برمته وهي غزوات لو لا صمود أبناء تهامة ولولا متغيرات إقليمية صرفت اهتمام الوهابية عن أطماعها وحروبها وغزواتها في نجران وعسير لكان قد سقط الساحل كله وسقطت تهامة قبل مأتي سنة على الأقل في ظل هشاشة الدولة المركزية وانشغالاتها في توطيد أركانها في محيط العاصمة ومنها انغماسها في صراعات على السلطة
لقد تحمل أبناء تهامة بدرجة رئيسة العبء الأكبر مع الإقرار بأنها ليست وحيدة أو بمعزل عن كل اليمنيين .
ومع ذلك ظلت خيرات تهامة وأرضها طيلة هذه العصور عرضة لمناهب الاقطاع سواء الاقطاع الذي ارتبط بقوى إقليمية ودولية مرات ومرات أخرى ارتباطا بمصالحه مع رأس الدولة اليمنية
وأنا أتكلم هنا عن الفترة من نهاية القرن الثامن عشر ومرورا بالتاسع عشر فحسب خلال ما اسمي بالسعودية الأولى وهي فترة شهدت فيها عاصمة الدولة اليمنية صنعاء ظروفا من الصراع على الحكم بلغ حد انقلاب الابن على أبيه على سبيل المثال المنصور والمتوكل وأريد أن أقول هنا أن الصراع على السلطة أو التشبث بها في ظروف أي عدوان خارجي يسهل مهمة العدو ويؤدي إلى ضياع أجزاء كبيرة منه ..
لقد أن لنا نحن اليمنيين أن نعترف لأبناء تهامة بما قدموه من تضحيات في صد الوهابية ابان الغزوات الرهيبة التي شنتها الدولة السعودية الأولى وقد خاضوا معارك شرسة أمام جحافل الهجانة الإرهابية بدعوى تجديد الدين واتهام مناطق الأهداف والسكان بالشرك وإخضاعهم لحروب التطهير أو إعلان الولاء للإمارة والديانة الجدبدة في الدرعية .. وهي معارك خاضها أبناء تهامة بشراسة وبطولات منقطعة النظير رافضين التسليم بمقولات الشرك وتجدبد الدين وقد امتدت لخمسة عقود تقريبا هذا اذا توقفنا على وقائع وغزوات خلال ما اسمي بدولة السعودية الأولى فقط ما يعطي لتلك الحروب الدفاعية التهامية هو أنها جاءت في ظل ضعف وغياب من الدولة المركزية عن مهماتها الدفاغية والسيادية .. والتي كان دورها ينحصر في أحسن الأحوال بدور الداعم والمساعد بشيء من المال والسلاح ونصيب من الجند .بمعنى لم تكن في كل هذه الظروف تضطلع الدولة بدورها كدولة مسؤولة عن السيادة والذود عن حدودها الوطنية .
أقول آن لنا انعترف لأبناء تهامة بهذا الدور ليس بتوجيه الشكر والاطناب في الثناء الفارغ ولكن بإنصافهم من ظلم نالهم في كل هذه العصور وهو ظلم حرم أبناء تهامة من حق في الأرض والزراعة والحصول على نصيبهم من خيرات وطنهم اليمني وجزء منه تهامة
ونحن اليوم عندما نثير قضية الحق التاريخي اليمني في نجران ثم جيزان وعسير ليس من باب الزايدة على احد في الوطنية ولكن لأن تهامة الشام وتهامة اليمن كل لا يتجزأ من الساحل فاطماع سعود بما هي أداة استعمارية ترنو لكل الساحل فالصمت عن جزء منه يغري بالجزء الثاني وهكذا…
لا نريد التجني أو اثارة قضايا ولى زمنها بل هي من صميم الأسباب السياسية التي أدت في الماضي وتؤدي اليوم إلى ضياع أجزاء من وطننا تحت الاحتلال وأسباب تجعل ما تبقى عرضة للقضم البطىء في ظروف الاستقرار الظاهر او قل فترات الأنظمة المرتهنة والعميلة للإقليم وللقوى الاستعمارية أو هي الأسباب التي تجعل أرضنا ومياهنا عرضة لحروب الالتهام والاحتلال ..
يقول الأستاذ عبدالباري طاهر ليس سهلا ابتلاع اليمن وعليه فأقول أنا هنا ؛ من الصعب ابتلاع اليمن مرة واحدة ولهذا فالمشروع العالمي الاستعماري الرأسمالي النهبوي هو تجزئة القطعة الكبيرة إلى عدة قطع كي يسهل ابتلاعها واحدة واحدة ..
ومن زيارة الحديدة في إجازة عيد الفطر خلال 15 وحتى 20 يونيو لازالت في جعبتنا صور شتى في مقالات قادمة.

قد يعجبك ايضا