في ظل العدوان والقصف:الدعم النفسي للطلبة.. المهمة التربوية الأكثر إلحاحاً

تحقيق/ رجاء عاطف

هناك إصرار لدى العدو على قتل الطفولة بكل معانيها فمن لا يُقتل بالأسلحة المحرمة دولياً، يقتله حصار الغذاء فيه الطفولة وتموت شخصيته وإبداعه وحيويته ويصبح شبح طفل..
لقد خلقت الحرب على اليمن والقتال الدائر في كثير من المحافظات نقصاً وفقراً غذائياً خصوصاً أنها طالت الأطفــــال مؤثراً على نمط تفكيرهم ومشاعرهم وسلوكهم وعلاقتهم بمن حولهم، حيث يعيشون (الخوف، عدم الأمن النفسي، القلق، الغضب).. الأمر الذي جعلهم بأمس الحاجة للدعم النفسي لتأمين الطمأنينة لديهم.
في هذه المادة سنتتبع مع مجموعة من المختصين معطيات واقع الأمن النفسي للأطفال، ومؤشرات عن انعكاسات القلق العام والحصار والعدوان على الطفولة في اليمن.. وكذلك احتياجات وممكنات ومعيقات الدعم النفسي  لطلاب المدارس.. إلى التفاصيل:

يعاني أغلب الأطفال اليمنيين -خصوصاً في العاصمة والمدن الرئيسة الكبرى التي طالها القصف -من مشاكل النوم والأرق المستدام بسبب الخوف من أصوات الأسلحة الثقيلة وصواريخ الكروز التي يشنها العدوان السعودي منذ ما يقرب العام، ناهيك عن الغارات الجوية للطيران المعادي على المدن والتجمعات السكنية.
وهذا ما أشارت إليه الدراسات الأسرية الحديثة في اليمن، كاشفة أن مصادر المخاوف الأكثر شيوعاً عند الأطفال هي إطلاق الرصاص وأصوات التفجيرات والخوف من الموت أو فقدان أحد أفراد الأسرة وكذلك الخوف من الطائرات ومن المستقبل والخوف من الظلام نتيجة انقطاع الكهرباء.
كما بينت النتائج أن الأطفال عايشوا مستويات عالية من الانفعالات انعكست على سلامتهم البدنية حيث وجد إن 31% من الأطفال الذين يعانون من أعراض جسدية متعلقة بالحالة النفسية مثل الصداع وألم في الصدر أو البطن والتعب كما وجد أن 21.9% من الأطفال يعانون من أكثر من عرض جسدي غير مفسر مرتبط بالحالة النفسية.
واستنادا إلى إفادات أولياء أمور أطفال عند تقييم حالة أطفالهم قالت : إن 5% من الأطفال أصبحوا يعانون من التبول اللاإرادي و 2% عادوا يعانون من التلعثم في الكلام و 47% يعانون من اضطرابات النوم و 24% من صعوبة التركيز وأوضحوا إن 17% من الأطفال يعانون من نوبات الهلع.
برامج تخفف الصدمة
كانت هناك جهود مبذولة لإنقاذ التعليم وتم البدء بتنفيذ برامج تأهيلية وبرامج دعم نفسي ومعالجات في عدد من المدارس وفي عدة محافظات بالتعاون من منظمة اليونيسف والـ giz ولتدريب المعلمين والعاملين على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي.
وفي هذا الصدد قامت وزارة التربية والتعليم بعمل خطة من شأنها إعادة تأهيل التلاميذ نفسياً للتخفيف من أثر الصدمات النفسية التي أصيبوا بها جراء عمليات القصف العشوائي على المناطق المكتظة بالسكان… وذلك بتدريب المشرفين الصحيين والأخصائيين الاجتماعيين بالمدارس على دليل الدعم النفسي وتقديم خدمات الدعم والمساندة النفسية للأطفال والأهالي من خلال خدمات المشروع ومساندة النمو النفسي للطفل وسط بيئة آمنة ،وكذلك تطوير بيئة خلاقة تدفع باتجاه التوازن النفسي والسلوكي وتطوير وتعزيز فكرة الطفل عن نفسه وطموحه المستقبلي وأيضاً تنمية قدرة الطفل على حل مشاكله بنفسه وعلى طلبه للمساعدة.
إلى جانب تكوين صورة إيجابية للطفل عن نفسه وذاته ،مع  توفير الفرصة للطفل للبحث داخل المجموعة والتفحص في بعض المواضيع والسلوكيات التي قد لا يكون قد ألقى لها بالاً.
السطر الناقص
المعلمون عايشوا حالات بعض الطلاب في المدارس وحسب الاستاذة فوزية الأعشم – مديرة مدرسة شملان فإن أحد طلابها المتميزين في الدراسة أصابته حالة نفسية شديدة وكانوا في وضع صعب  لعدم قدرتهم التعامل مع حالته أو إخراجه منها لأن الصدمة أثرت عليه مما جعل إدارة المدرسة كمعلمين يتحسرون لكونهم غير مؤهلين ومدربين للتعامل مع مثل هذه الحالات ومعالجتها وهي في بداية الأزمة.
وذكرت  الاعشم أنه بعد تنفيذ برنامج الدعم النفسي في بعض المدارس كانت إحدى الطالبات مريضة جدا ولديها حصة للدعم النفسي إلا أنها رفضت التغيب عن المدرسة وصممت على  الحضور من أجل الحصة.
وتابعت : أصبح تنفيذ النشاط داخل المدرسة وعمل الحصص النموذجية التي تخرج الطلبة إلى أجواء جميلة أمراً مهماً للغاية لأن معها تغلبوا على المرض.
الدعم النفسي.. ركيزة أساسية
“الدعم النفسي صار أبرز ركائز ومتطلبات راهن الطفولة اليمنية، وذلك لمحاولة إخراج الطلاب من حالة صدمات القلق والفزع الذي تراكم جراء الأحداث التي نمر بها سواء كانت أحداث حروب أو أحداث إثارة أو أحداثاً متغيرة تحدثاً للطالب أثناء الدراسة أو العمل”.. هذا ما قاله الدكتور يحيى الدروبي – أخصائي نفسي استشاري في الاضطرابات النفسية والسلوكية عند الأطفال.. مؤكداً أن طلبة المدارس اليمنية اليوم بأمس الحاجة إلى برنامج متخصص لإخراجهم من واقع الهلع والاضطرابات النفسية، إلى فضاء أوسع من الطمأنينة اللازمة لترويض ذهنية الطفل على استيعاب ما حوله..
وأضاف الدروبي : إن برنامج الدعم النفسي هو مجموعة من المحاضرات سواء كانت توعوية أو برامج متعددة مثل الأنشطة المختلفة والألعاب البسيطة التي من شأنها أن ترفع من تدعيم الذات أولا والدمج والتقليل من المخاوف والوساوس التي تواجههم.. داعياً إلى تطبيق البرنامج في كل مكان وليس فقط في المدارس وان يشترك الجميع فيه.
ونوه إلى أهمية دور الإعلام في الوقوف إلى جانب الأخصائيين لتوعية أولياء الأمور والمسئولين بأهمية الدعم النفسي لما لذلك من فائدة كبيرة سينعكس على الطلاب والذي نلاحظه من خلال تواجد الطلاب في مقاعدهم في المدارس.
تنسيق مشترك
وحول التنسيق المشترك بين مناطق التربية والتعليم ومنظمات الطفولة العاملة في اليمن كاليونيسف، يقول محمد الوجدي -رئيس قسم التدريب في منطقة الصافية التعليمية: يتم التنسيق بين مكتب التربية ومنظمة اليونيسف حول البرنامج الذي يفيد الطلاب في أكثر من جانب وخاصة الجوانب النفسية. وأضاف: بعد عقد دورات تدريبية للمدربين والمعلمين الذين نقلوا ما أخذوه من الفائدة الى الطلاب انعكس ذلك إيجابا عليهم عبر ممارسة الأنشطة الترفيهية معهم وكسر حاجز الخوف لديهم  ومعها أصبحوا يقبلون على المدارس بدون خوف حتى عند سماع المضادات والطيران بعد أن كسر  الخوف لديهم.
وأشار الوجدي إلى أن مواد التدريب التي تلقاها المعلمون  تطبق بشكل كبير جداً وان المعلمين يدخلون الدعم النفسي في المواد الدراسية ويتم توصيلها بشكل سهل ليفهم الطالب الدرس بشكل أسرع.
وكنموذج لإحدى المدارس التي نفذت  برنامج الدعم النفسي تقول كوكب العرومة – وكيلة مدرسة الفضيلة : إن الدعم النفسي هو مجموعة من الوسائل والتقنيات التربوية التي يمكن اتباعها داخل الصف أو خارجه لتلافي بعض ما يتعرض له التلاميذ من صعوبات بسبب الحرب على بلادنا وما تعرضت له المدارس من تدمير.
وأضافت العرومة : نقوم من خلال برنامج الدعم النفسي بتهيئة اذهان الطلاب لتقبل الدرس بالإثارة والتشويق ومشاركتهم في التخطيط واستغلال الحاجات الأساسية عند المتعلم  والنتائج الايجابية للدعم النفسي كانت  كبيرة لكل من المعلم والطالب..
مدارس قرب الخطر
ومن جانبه أشاد محمد الشامي – مدير المنطقة التعليمية بمديرية السبعين الثانية، بإيجابية البرنامج المنفذ في المدارس إلا أنه تم استهداف مدرستين فقط في حين  أن منطقة السبعين تعد الثانية على مستوى المناطق التي تعرضت عدد من مدارسها لأضرار كبيرة جراء قصف العدوان باعتبار موقع المنطقة بين جبال النهدين والحفا والسواد والمنشآت الحيوية والأحياء المدنية التي طالها القصف البربري الوحشي لتحالف السوء.
وأشار إلى قصور في عملية التنسيق مع المناطق التعليمية بهذا الخصوص والتنفيذ دون إشراك إدارة المنطقة أو حضورها أو أخذ فكرة كافية عن البرنامج كما أن التعامل يتم مباشرة مع المدارس وهنا يطالب الجهات المعنية بعدم التجاوز وان يكون التعامل مع المدارس عبر الأقسام المختصة في المناطق التعليمية بالمديريات.
أرقام ومؤشرات
فيما تؤكد فوزية الاعشم – منسق برنامج التعليم في الطوارئ بمكتب التربية والتعليم بأمانة العاصمة مع منظمة اليونيسف- أن برنامج الدعم النفسي برنامج جديد  أتى  بعد الأحداث التي مرت بها العاصمة صنعاء والبلاد بشكل عام حيث لاحظنا أن الطلاب في مدارس أمانة العاصمة متأثرين نفسيا بسبب العنف الذي شاهدوه سواء في التلفاز أو الشوارع أو داخل منازلهم ومنهم من فقد أحد والديه أو عزيز عليه إلى جانب تدمير المنازل فأنعكس كل ذلك سلباً على الطفل بالتالي ظهرت أعراض عليهم منها ما هو بسيط أو صعب  ..
لافتة إلى أن  المعلمين في أمانة العاصمة كانوا غير مدربين على كيفية التعامل مع الأطفال ودعمهم نفسيا فجاءت فكرة هذا البرنامج وبحثنا عن جهة مانحة تمول المشروع لنساهم في التخفيف من نفسيات الأطفال..
وبينت الأعشم أن البرنامج استهدف إلى الآن ??? مدرسة ومازال المشروع مستمرا ليستهدف كل مدارس أمانة العاصمة على مراحل وبشكل مجزأ فما أن ننتهي من منطقة نبدأ في منطقة أخرى.
وأضافت: إن منظمة اليونيسف هي الجهة المانحة والداعمة للبرنامج وشريك مع وزارة التربية والتعليم من خلال لجنة التعليم في الطوارئ التي تعمل في  هذا البرنامج على مستوى الجمهورية والتي تقدم دعماً كبيراً للأطفال سواء دعم بيئة للطفل أو في المشاريع التوعوية والتدريبية والتأهيلية وبرامج الدعم النفسي وبناء السلام.
وأكدت  سعي ( اليونيسف ) لترميم المدارس لتكون صديقة للطفل ومدارس جاذبة بحيث لا يظل الطفل متأثراً نفسياً بما يحدث من دمار كما تساهم وتساعد على  دمج الأطفال مع المجتمع وتهيئة المدارس لاحتضانهم.
نتائج إيجابية
كما تحدثت الأعشم عن  نتائج إيجابية مهمة في الميدان  وتبادل خبرات انعكس نفعها على الطلبة الذين بدا عليهم الارتياح والفرح والسرور وتناقصت حدة العنف لديهم.. مؤكدةً أن هناك أولوية  تبدأ  بالمدارس المتضررة من الأحداث ومن ثم المناطق  القريبة من الأحداث  أومن أماكن القصف ثم المدارس الأقل خطورة ثم المدارس بشكل عام.
وأوضحت أن البرنامج يتضمن التواصل مع أولياء الأمور ومناقشة الحالات وتوعيتهم بكيفية تعاملهم مع الأطفال في حال القصف ووجود المشكلات، وأن هناك أسساً يتم تدريب أولياء الأمور عليها ووجدنا تجاوباً كبيراً سواء في الجلسات الفردية أو الجماعية.
وشددت الأعشم في ختام حديثها على ضرورة تغلب أولياء الأمور في هذه الفترة على الخوف الذي داخلهم خاصة الأمهات عند سماع القصف وان يحاولن عدم الصراخ أو الانفعال لأن الطفل ينفعل ويتأثر بل على الأمهات الصبر وأن يكنّ قريبات من الأطفال وأن يحاورن الأطفال حتى يستوعبوا ما يجري، بشكل يبعدهم عن الصور المؤثرة والمشاهد المؤلمة التي تظهر على التلفاز كنتائج للقصف، تحاشياً لحدوث آثار سلبية أو نفسية في المستقبل على حياتهم النفسية..

قد يعجبك ايضا