أنامل ذهبية ناعمة تعالج خدوش الدهر في الجامع الكبير بصنعاء


استطلاع/ صادق هزبر –
> كحمائم السلام.. ينفضن بأجنحتهن غبار الزمن.. وتقلبات الدهر وبأدوات بسيطة يمسحن عن جبين المصندقات الخشبية في الجامع الكبير بصنعاء ما علق من فطريات وحشرات وبأنامل ذهبية ناعمة يعالجن خدوش الدهر لأهم معلم إسلامي في اليمن.. ويعملن على تحسين وإظهار تلك الزخارف والنقوش الاسلامية التي تتزين بها تلك المصندقات الخشبية في سقف الجامع. إنهن خريجات قسم الآثار بجامعة صنعاء اللواتي تلقين التدريب إلى جانب إخوانهن من الشباب الخريجين من قسم الآثار على يد خبراء في الترميم ويعملن الآن في الجانب التطبيقي في مشروع ترميم وصيانة الجامع الكبير بصنعاء والممول من قبل الصندوق الاجتماعي للتنمية عبر وحدة التراث الثقافي.. الثورة السياحي استطلع آراءهن حول هذه المهنة التراثية وكيف يشعرن في أداء هذا العمل وما هي الصعوبات التي تواجه العاملين أيضا في هذا المشروع وغيرها في ثنايا الاستطلاع التالي:

الأخ المهندس كمال حقلان نائب رئيس فريق الترميم بالجامع الكبير بصنعاء يقول أن الصندوق الاجتماعي للتنمية ممثلا بوحدة التراث الثقافي ينفذ هذا المشروع الوطني الهام في سبيل ترميم وصيانة الجامع الكبير بصنعاء والذي يعتبر من أهم وأكبر المشاريع التي يقوم بها الصندوق الاجتماعي للتنمية في مجال الحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي لليمن وذلك نظرا لحجم الجامع نفسه كمبنى أثري وتاريخي وأيضا من حيث مستوى التدخل في الترميم والذي يشمل كل مكونات الجامع مثل السقف الخشبي والمأذنتين والمكتبة الغربية والمنطقة المحيطة بالجامع ويواصل المهندس كمال أنه تم الانتهاء من ترميم وصيانة الجناح الشرقي والجناح الشمالي ما عدا الرواق الخامس ويجرى العمل الآن في الجناح الجنوبي الغربي المسمى «المؤخر» وفريق العمل المكون من «18» كادرا من خريجي الآثار من جامعة صنعاء وتم تدريبهم في دورات عمل نظرية والآن يعملون مع خبراء آخرين في تنفيذ عمليات الترميم والصيانة للمصندقات الخشبية وهذا الفريق مكون من الشباب والشابات المؤهلين علميا وعمليا.

تقييم الوضع القائم للجامع قبل التدخل
> ويواصل المهندس حقلان : لقد كان من الضروري إجراء تقييم شامل للوضع العام للجامع قبل البدء في التدخل وقد شمل هذا التقييم إجراء معاينة ميدانية للجامع من قبل مهندسين متخصصين لدراسة ومعرفة الوضع الإنشائي لمكونات الجامع مثل السقف والجدران والقواعد والعقود والأعمدة لرصد وتحديد المشاكل إلانشائية القائمة. كما تم عمل تقييم كامل لحالة السقف الخشبي والزخارف والنقوش التي عليه لمعرفة وتحديد حجم الأضرار التي لحقت به ونوعية تلك الإضرار . وقد تم تحليل المعلومات التي تم الحصول عليها من خلال مرحلة التقييم وبناءٍ على نتائج التقييم للوضع القائم تم البدء في عمل خطة وبرنامج زمني لمراحل الترميم . تشمل الخطة وضع مقترحات وحلول وأسلوب التدخل في السقف الخشبي وكذلك لمعالجة المشاكل الإنشائية والفترة الزمنية التي تحتاجها كل منطقة من مناطق السقف حيث تم تقسيم السقف إلى عدد من المناطق لإجراء الترميم. وقد كان من الصعب تقدير الفترة الزمنية التي يحتاجها فريق العمل الإيطالي لترميم السقوف الخشبية وتقدير الكلفة المالية لذلك وعليه استوجب الأمر تنفيذ مقطع تجريبي للسقف وبمساحة تقريبية إلى ستة أشهر. كما تم إعداد تصور فني من قبل معهد فينيتو الإيطالي للمعالجات الإنشائية للأجزاء المتضررة في السقف الخشبي وتحديد العوارض الخشبية الموجودة في السقف والتي بحاجة إلى معالجة سواء بالاستبدال أو الإصلاح . كما تم ذلك أيضا فيما يتعلق بالمشاكل الإنشائية التي وجدت في الأعمدة أو الجدران أو القواعد.

ترميم السقف الخشبي
> ومما يميز الجامع الكبير أسقفه الخشبية المزخرفة وأرقاها تلك الموجودة في الرواق الشرقي والتي تكاد تكون أحد أندر وأهم الأعمال الخشبية الإسلامية في العالم. تبلغ المساحة الإجمالية المسطحة للسقوف الخشبية 2517م2 من مساحة الجامع الكلية والتي تبلغ 4282م2 ولغرض ترميم السقوف الخشبية وعدم إعاقة النشاط اليومي للجامع تم تقسيم مراحل التنفيذ إلى خمس مراحل إضافة إلى المرحلة التجريبية وفقاٍ للخطة الموضوعة والتي تقدر مساحتها بـ115م2 وتم تنفيذها في المنطقة الجنوبية من الرواق الجنوبي وبجانب المنارة الغربية وقد تم الانتهاء أيضاٍ من المرحلة الأولى وهي في الرواق الجنوبي الشرقي والشمالي الشرقي وكانت بمساحة 500م2 تقريباٍ والمرحلة الثانية في الرواق الشمالي الغربي وبمساحة 310م2 تقريباٍ ويجري العمل حالياٍ في المرحلة الثالثة وهي في المنطقة الوسطى والغربية من الرواق الشمالي وتبلغ مساحتها 443م2 تقريباٍ.
ويعتبر ترميم السقف الخشبي للجامع أحد أكبر وأهم المكونات الرئيسة في مشروع ترميم الجامع نظراٍ لحجم السقف والمساحة التي يمثلها ونوعية الزخارف والنقوش والنصوص التي تزينه والتي يتميز بها الجامع الكبير.
وتنقسم عملية ترميم السقوف الخشبية إلى عدد من المراحل والتي يجب أن تتم بشكل متوالُ على النحو التالي:
– تنفيذ عملية ترقيم للعوارض والمصندقات لكل جزء وذلك بحسب نظام الترقيم الذي تم إعداده مسبقا.
– تنفيذ توثيق فوتوغرافي للجزء الذي سيتم ترميمه من السقف من خلال تصوير كل المصندقات والعوارض الخشبية من الأسفل وبشكل متوالُ بعد أن يتم ترقيم كل العوارض والصفوف حيث الهدف من التصوير هو توثيق لحالة السقف الخشبي والمصندقات قبل التدخل.
– بعد تنفيذ التصوير الفوتوغرافي يتم البدء في عملية إزالة طبقة الجصيات في الجدران أسفل السقوف من الجانبين لتمهيد الطريق لفريق ترميم السقوف للبدء بالعمل
– يبدأ فريق الترميم العمل في ترميم السقف الخشبي بعمل التنظيف الميكانيكي أو اليدوي وذلك لإزالة الغبار والأتربة وأي حشرات أو مواد ملتصقة بأخشاب السقف.
– بعد ذلك تبدأ مرحلة التنظيف الكيميائي باستخدام مواد خاصة بهذة العملية يتم جلبها من ايطاليا لعذا الغرض.
– تبدأ بعد ذلك عملية تثبيت الألوان الأصلية للزخارف والنقوش والكتابات.
– عملية معالجة الشقوق والشروخ والأضرار الموجودة على الأخشاب سواءٍ في العوارض الحاملة أو المصندقات المزخرفة ويتم ذلك عن طريق الحقن أو استكمال الأجزاء الناقصة من الاخشاب أو من خلال استخدام مواد وأساليب خاصة بذلك.
– المرحلة النهائية والتي تتمثل بإعادة الورنيش وعمل الرتوش الأخيرة للسقف الخشبي.
الأعمال الإنشائية المصاحبة لترميم السقف الخشبي
> لقد كان من الصعب أن يتم ترميم سقف الجامع دون عمل المعالجات الإنشائية في بعض الأماكن خاصة في الجزء الشمالي من الجامع حيث تم فتح العديد من الأجزاء في سقف الرواق الشمالي لتنفيذ المعالجات الإنشائية وهو الأمر الذي استوجب إجراء عملية فك للمصندقات والعوارض الخشبية وعمل التدعيم اللازم في تلك الأجزاء ومن ثم إعادة السقف وهذه عملية صعبة ومعقدة وتستغرق وقتاٍ طويلاٍ نظراٍ لسماكة السقف والتي تصل في كثير من الأحيان إلى 100 سم وأكثر.
لقد كان من المهم جداٍ التعرف على الحالة الإنشائية لسقف الجامع بشكل عام قبل البدء في تنفيذ أي تدخلات ولذلك فقد تم إجراء دراسة من قبل مهندس إنشائي متخصص من معهد فينيتو الإيطالي تم على اثرها تحديد الأماكن التي بحاجة إلى معالجات من الناحية الإنشائية على مستوى السقف والجدران والأعمدة في الجامع بشكل عام وتم أيضاٍ تحديد أيضا الطريقة التي سيتم تنفيذ تلك المعالجات من خلالها والفترة الزمنية التي يجب أن يتم فيها المعالجة بحيث تتناسب مع الجدول الزمني لترميم السقف الخشبي للجامع.
تقول أشواق نهشل خريجة آثار إسلامية جامعة صنعاء وتعمل في مشروع ترميم المصندقات الخشبية بسقف الجامع الكبير بالجزء الجنوبي بعد أن تلقت تدريباٍ نظرياٍ عن عمليات الترميم هي الآن تمارس الجانب العملي وتواصل حديثها بالنسبة للسقف كان في حالة يرثى لها وأن عملها اليوم في هذا التخصص يصب في مصلحة تراث الوطن والاهتمام بأهم معلم إسلامي في اليمن.
أما ايناس ياسين راجح خريجة كيمياء ترميم جامعة صنعاء وتعمل أيضا في مشروع ترميم المصندقات الخشبية في الجامع الكبير فتقول إن العمل بصراحة ممتع جدا وفريق العمل يؤدون واجبهم كخلية نحل وقد وجدنا المصندقات الخشبية بحاجة ماسة إلى الترميم لأنه يوجد بداخلها فطريات وبكتيريا والبعض تعاني من الرطوبة ونحن نعمل على معالجتها بطرق التنظيف الحديثة وبالطرق الكيميائية وبالنسبة لعمل المرأة في مثل هكذا مشروع إلى جانب أخيها الرجل في هذا المجال فيها شيء من المهنية والمتعة وقد عملت من قبل في مدينة عدن في المتحف الوطني.

سعادة غامرة
> أما الأخت تغريد علي خريجة آثار قديمة جامعة صنعاء فتقول: أحس لأول مرة بمتعة العمل في تخصصي الذي درسته وأكثر ما يسعدني أن هذه المصندقات الخشبية والزخارف والنقوش في هذه المصندقات تمثل حقبة من تاريخنا الجميل ولأهم معلم إسلامي وأكثر شيء أدهشني هي تلك الزخارف وترتيب عارضة المصندقات الخشبية ومثل هذا الاهتمام بهذا الجامع يعد واجباٍ وطنياٍ وطريقة مهمة للحفاظ على تراث اليمن الإسلامي.

قيمة عظيمة
> أما الأخت نسيم عيدروس وهي خريجة آثار قديمة جامعة صنعاء فتقول إننا نمارس العمل التطبيقي بعد أن تلقينا التدريب النظري عن المصندقات الخشبية وكل يوم نكتشف أشياء جديدة مثل عمليات التنظيف والتدعيم والتوثيق لكل الزخارف في المصندقات الخشبية وتواصل حديثها بالقول: لقد وجدنا ضالتنا في التعامل مع هذه المصندقات التراثية وهي فرصة لخريجي الآثار لا تعوض وخصوصا عندما يكون العمل في مثل هذا المعلم الإسلامي لما يحتويه من قيمة أثرية عظيمة.

مراحل العمل
أما الأخ أمجد اسماعيل عبدالمغني وهو خريج آثار ويعمل مشرفاٍ لمجموعة من المتدربين في عمليات ترميم المصندقات في الجامع الكبير ويعمل أيضا في المشروع منذ العام 2007م يقول:
الآن تم تنفيذ عدة دورات للمتدربين من خريجي الآثار والعمارة والفنون الجميلة من الشباب والشابات حيث خضعوا لاختبارات وتدريب وعلى ضوئها تم اختيار «15» متدربا ومتدربة بجانب ثلاثة متدربين من المتحف الحربي وآخر من المتحف الوطني وقد بدأ الجميع العمل التطبيقي في مجال ترميم وصيانة المصندقات الخشبية حيث بدأ العمل بالتوثيق التصويري وبعد ذلك الجرافيك ومن ثم التنظيف الجاف لإزالة الغبار بواسطة الفرشاة والنفخ وإزالة الجبسات.
ويواصل أمجد حديثه بالقول: لقد وجدنا في المصندقات بشكل عام عوالق وأعشاش فطريات وبعض المصندقات مغطاة بطبقة من السناح ولكن لا تزال الطبقة الأولى من الزخارف موجودة بالإضافة إلى عمل دعامات لبعض الأخشاب وفي هذا الرواق هناك خشبة واحدة تعاني من كسر وقد تم عمل دعامات سابقة لها وسوف يتم معالجتها بطرق حديثة.
أما الأخ ناجي سارية وهو خريج آثار ويعمل في المشروع فيقول إن العمل المهني الأثري ممتع وحيث يعمل الإنسان في مجال تخصصه فهو إحساس بالفرح والسعادة تغمرنا أننا نعمل في خدمة تراثنا الوطني وفي هذا المعلم الإسلامي البارز.

قد يعجبك ايضا