النص الحيث أم النص الحداثي ¿
خالد القزحي

أريد أن أكون حداثيا…! هذه الجملة مثيرة جدا للاهتمام. أعتقد أنها تتوهني كلما حاولت أن أفهم خطابها الحقيقي…خاصة وأنا أفتش عن معاني كلمة حداثة أو تحديث. هل يعني بها من يتباهى بتتبعها أنه يريد العودة لبدايات مرحلة النظرية العقلانية modernism أم أنه يعني محاولات الظهور بأعماله الأدبية مثلا كصاحب فكر أوربي أو إمريكي كما يقول تعريف الحداثة modernity او بالأصح عملية التحديث modernization…¿ ما أعرفه أنها أبعد من معانيها اللفظية بأميال يعرفها المثقف نظريا و يتغاضى تناولها كي لا يتم توبيخه أو إلصاق مصطلح رجعي أو تقيليدي إن هو حاول نقدها أدبيا و ليس سياسيا فقط.
في دراسة سابقة بذلت قصارى جهدي للخروج لمعنى هذه المصطلحات المرتبطة بعملية الحداثة و التي يفتخر بها كثير من الأدباء العرب ولم أجد غير كونها تعني مجرد عملية تقليد لمن سبقونا في شيء معين والاقتداء بهم وأخذهم مثالا للوصول إلى ما وصلوا اليه … إن قال البعض هي كذلك إذن فأي حداثة تنبعث من مجرد محاكاة وسير بعد الآخرين… ¿!
نجد هذه الذريعة أمامنا كلما قمنا بسؤال كاتب ما لماذا تكتب بهذا الشكل الغير واضح فيكون رده (هكذا هي الحداثة).
أحاول هنا لفت انتباه الكثير ممن قد يحتاجون للتذكير أن النص الحداثي بالذات يجب أن يتصف بالمنطقية والعقلانية والوضوح ووحدة الهدف ومنطقية الخطاب.. وأن زيادة الإعجاز داخل النص الأدبي يجرده من كونه حداثيا.. ربما ما يعنيه الكاتب المجيب أن نصه نص بعد حداثي أو بعد بعد حداثي بحسب النظريات النقدية الأدبية الحديثة ولكنها أيضا تحمل قضايا معاصرة تركز على أشياء متشعبة ولكنها في مضمونها الأول تعالج قضايا أو ترفع اهتمامات للجدل و النقاش كهدف أول ثم بعد ذلك تحمل في طياتها الرمزية المرنة والتي تتعدد مواضيعها وصورها, وقد سبقنا إليها غيرنا وكتبوا بحسب واقعهم المعاش خاصة بعد الثورة الإلكترونية والرقمية. وأعتقد هنا أن تقليدهم ليس بالأمر الهين ونحن ما زلنا لم نتعد عصر الحداثة بعد في واقعنا الملموس الذي يحتاج إلى من يرفعه أولا من الضمور المعرفي وضعف الوعي الثقافي ليصبح أكثر تقبلا ليحب ما نكتب ويستفيد من حروفنا التي نحاول أن نجعلها وحدات بناء عقلية للمجتمع.
البحث عن محاولة كتابة حداثية أو يتعداها قد يكون أمرا لافتا للانتباه ومحفزا جدا لعمليات البحث عن كل جديد لنتعداه أو نكتب مثله ولكن في رأيي الشخصي أن هذا يعتبر نضوج مبكر جدا غير محبب مجتمعيا. ربما سيلاقي رواجا على الساحة الأدبية ولكن لن يكون له أي أثر على مستوى المجتمع بالطبع هذا إن كنا ننوي فعلا أن نرفع من وعي مجتمعنا ونشارك في تثقيفه ناسين قليلا سرعة تسلق سلم العالمية وعدسات الكاميرا. ومع هذا فعصر بعد الحداثة وما بعده انتقل من فكرة التقليد ونقل المركزية لكافة الدائرة الثقافية حيث لم يعد يوجد مركز معين ليكون مركزا لما سمته الحداثة بمركز دائرة التقليد فكريا وثقافيا أو مركز القوة سياسيا وعسكريا. أصبح الهامش غير موجود و أصبح مصطلح العولمة منعكسا من خارج الدائرة لداخلها .. تطورت كلمة العولمة Globalization إلى عولمة المحلي G-localization حيث يمكن أن ينتشر فكر وثقافة البلد حتى و إن كان مهمشا سابقا قابلا للعولمة. يمكن أن يصبح الأدب اليمني ناتج للثقافة اليمنية ونقله عربيا وربما انتقل عالميا إن حافظنا على جودته و أصالته .. أو على الأقل إحداث نوع من التهجين Hybridization بما قد يرغب به الأخرون في بقية الدول تماما كما يحدث مع الشعر النبطي. اللهجة اليمنية ليست بعيدة جدا عن اللغة العربية الفصحى ولهذا يمكن استخدامها بصورة منطقية مراعية لثقافتنا التي نطمرها بالبحث عن قوانين الحداثة المزعومة وفي نفس الوقت ترويجها كما يتم ترويج الشعر النبطي (أدبيا) والشعر المصري والشامي (فنيا) وغيرها من اللهجات التي هي أبعد من بعد لهجاتنا اليمنية عن اللغة الفصحى ولا نتناسى أن اليمن هي مركز الدائرة بالنسبة لقاموس اللغة العربية تاريخيا.
بالتأكيد أنا لا أدعو للكلاسيكية أو التقيد بالتقليدية فأنا مع التجديد والتحديث بمعناه اللفظي وليس كمصطلح سياسي متناول في النظريات الحداثية. يجب أن يخلو مضمون كلمة تحديث من محاولة المساس بأصالة الثقافة ومحلية المنتج الأدبي. أعجبني جدا استشهاد الغذامي في مقدمة الموقف من الحداثة, 1991 بكلام برولان بارت حيث يقول أن على الكاتب أن يتقن ويتفنن في عمق كتابته ومعانيها أكثر من تفننه في اختيار الأدوات و جماليات الكتابة, حيث وضع الغذامي نقدا لاذعا للنقاد الانطباعيين بصفته ناقدا لغويا وأتفق معه كثيرا في هذا الموضوع لأن كلامه يتحد مع رؤية المدرسة الثقافية في ضرورة التركيز على المضمون النافع وليس مجرد الأدبيات العابرة أو زيادة غم
