التوثيق القضائي بين الإثبات والتنفيذ
الثورة نت/ نجيب الرماح
في ظل ما تشهده المحاكم من تزايد ملحوظ في أمد الفصل في القضايا، وما يترتب على ذلك من ضغط متصاعد على الجهاز القضائي وتكدّس في ملفات الدعاوى، تبرز الحاجة إلى مراجعة بعض النصوص الإجرائية التي لم تعد تستجيب لمتطلبات العدالة الناجزة. ومن أبرز هذه الإشكالات مسألة عدم منح السندات والعقود والاتفاقات الموثقة لدى أقلام التوثيق في المحاكم قوة السند التنفيذي، رغم أنها تُحرر داخل المحكمة وتحت إشرافها.
فالواقع العملي يكشف أن كثيراً من المعاملات المدنية والتجارية أصبحت تُوثّق رسمياً في أقلام التوثيق بالمحاكم، سواء كانت اتفاقات صلح بين أطراف نزاع، أو عقوداً رضائية يرغب أصحابها في تثبيتها بصورة رسمية لضمان استقرارها القانوني. ويتم تحرير هذه السندات بحضور الأطراف والشهود، وتحت إشراف موظف التوثيق المختص، ثم تُصادق عليها رئاسة المحكمة المختصة، وهو ما يمنحها صفة المحرر الرسمي وحجية قانونية معتبرة.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه السندات، رغم رسميتها، لا تتمتع بقوة التنفيذ الجبري المباشر. فصاحب الحق – حتى لو كان بيده اتفاق موثق وموقع داخل المحكمة – يظل مضطراً إلى رفع دعوى قضائية جديدة للحصول على حكم قضائي يجيز التنفيذ، وكأن السند الموثق لا وجود له من الناحية العملية.
ازدحام المحاكم بقضايا شكلية
هذه الحالة أفرزت جملة من الآثار العملية السلبية. ففي مقدمتها اضطرار أصحاب الحقوق إلى إعادة طرق أبواب القضاء مرة أخرى، رغم وجود سند رسمي يثبت الالتزام. وهو ما يؤدي إلى تكرار الإجراءات القضائية وإطالة أمد التقاضي وتحميل المتقاضين أعباء مالية وإجرائية إضافية.
كما أسهم هذا الوضع في تضخم عدد القضايا المعروضة على المحاكم، إذ إن عدداً كبيراً من الدعاوى المطروحة لا يتضمن نزاعاً حقيقياً حول أصل الحق، وإنما يهدف فقط إلى الحصول على حكم يسمح بالتنفيذ. أي أن القضاء يُستنزف في نظر قضايا شكلية كان يمكن حسمها إجرائياً دون الحاجة إلى دعوى جديدة.
وإلى جانب ذلك، يؤدي هذا القصور إلى استنزاف الوقت القضائي والموارد العدلية في مسائل يمكن معالجتها بآلية إجرائية بسيطة، الأمر الذي ينعكس سلباً على سرعة الفصل في القضايا الموضوعية الأكثر تعقيداً وأهمية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد أثره إلى إضعاف الثقة العملية في نظام التوثيق القضائي نفسه. فالمتعاملون يلجؤون إلى التوثيق أمام المحكمة بحثاً عن الضمانة القانونية، لكن غياب القوة التنفيذية المباشرة لهذه السندات يقلل من قيمتها العملية ويجعلها مجرد وسيلة إثبات لا أكثر.
مقترح قانوني لمعالجة الخلل
انطلاقاً من هذه الإشكالية العملية، يبرز مقترح قانوني يتمثل في إضافة نص جديد إلى قانون المرافعات والتنفيذ المدني يمنح السندات الموثقة لدى أقلام التوثيق في المحاكم قوة السند التنفيذي، متى استوفت ضوابط قانونية محددة.
ويقوم هذا المقترح على مبدأ بسيط مفاده أن الاتفاقات والعقود التي تُحرر داخل المحكمة وتحت إشرافها، وتُوقع من الأطراف والشهود، ويُصادق عليها رئيس المحكمة، يجب أن تكون قابلة للتنفيذ مباشرة أمام قاضي التنفيذ دون الحاجة إلى رفع دعوى جديدة.
غير أن منح هذه القوة التنفيذية لا يكون مطلقاً، بل يخضع لضوابط تضمن سلامة الإرادة وصحة الإجراءات، ومن أهمها:
• أن يكون السند محرراً وفق الإجراءات القانونية للتوثيق.
• أن يصدر عن أطراف ذوي أهلية قانونية كاملة.
• أن يتضمن التزاماً واضحاً ومحدداً من حيث محله ومقداره ومدته.
• ألا يتضمن شروطاً تخالف النظام العام أو القوانين النافذة.
كما يتولى موظف التوثيق التثبت من شخصية الأطراف وأهليتهم، وقراءة السند عليهم قبل توقيعه، مع توقيع الشهود والتصديق عليه من رئيس المحكمة المختصة، وحفظ نسخة رسمية منه لدى قلم التوثيق.
حماية الحقوق ومنع التعسف
وفي المقابل، يراعي المقترح توفير الضمانات القانونية الكفيلة بمنع إساءة استخدام هذه الآلية. إذ لا يمنع منح السند القوة التنفيذية من الطعن فيه في حالات محددة، مثل الادعاء بالتزوير أو مخالفة النظام العام.
غير أن مجرد إثارة هذه الدفوع لا يوقف التنفيذ تلقائياً، بل يتطلب صدور قرار قضائي مسبب بوقف التنفيذ، حتى لا يتحول الطعن إلى وسيلة لتعطيل الحقوق.
كما يقصر المقترح دور القضاء – بعد اكتساب السند الصفة التنفيذية – على الفصل في منازعات التنفيذ المتعلقة بالإجراءات دون إعادة فتح النزاع في أصل الحق، بما يحقق الاستقرار القانوني للمعاملات.
خطوة نحو العدالة الناجزة
إن اعتماد مثل هذا التعديل من شأنه تحقيق عدة أهداف مهمة، من أبرزها:
• تسريع استيفاء الحقوق وتنفيذ الالتزامات.
• تقليص عدد القضايا الشكلية المعروضة على المحاكم.
• تخفيف العبء عن الجهاز القضائي.
• تعزيز الثقة في نظام التوثيق القضائي.
• دعم استقرار المعاملات المدنية والتجارية.
كما يمثل هذا التوجه خطوة عملية في مسار تطوير المنظومة العدلية وتحديث التشريعات الإجرائية بما يتلاءم مع متطلبات العدالة السريعة والفعالة.
فالتجارب القانونية المقارنة أثبتت أن منح بعض المحررات الرسمية قوة التنفيذ المباشر يسهم بشكل كبير في تقليل النزاعات وتسريع تحصيل الحقوق. ومن ثم فإن تبني مثل هذا الحل التشريعي يمكن أن يشكل نقلة نوعية في العمل القضائي، ويعيد للتوثيق القضائي دوره الطبيعي كوسيلة لحسم الحقوق لا مجرد وسيلة لإثباتها.
