الغذامي والنقد الثقافي!

< عبدالرحمن عبدالخالق

 - تتعدد المدارس النقدية وتتشعب ولا زالت مياهها جارية في مسارب الاجتهاد والمحاولة ولكن يبقى جوهر النقد حسب الدكتور محمد غنيمي هلال على الكشف عن جوانب النضج الفني في النتاج الأدبي وتمييزها مما سواها على طريق الشرح
تتعدد المدارس النقدية وتتشعب ولا زالت مياهها جارية في مسارب الاجتهاد والمحاولة ولكن يبقى جوهر النقد حسب الدكتور محمد غنيمي هلال على الكشف عن جوانب النضج الفني في النتاج الأدبي وتمييزها مما سواها على طريق الشرح والتعليل ثم يأتي بعد ذلك الحكم العام عليها. وللعرب قسط وافر وإسهامات بارزة على صعيد التنظير الأدبي أو قل وضع أسس للنقد الأدبي وكان لا بد من إعمال العقل لتطوير هذه النظريات مادام سيل الإبداع جاريا ومندفعا على صعيدي الشكل والنوع بما في ذلك بروز أجناس إبداعية جديدة ومتطورة لكن الحاصل عربيا هو التوقف عند المنجز النقدي العربي القديم مع عدم نكران بعض محاولات تطوير المدرسة النقدية العربية التقليدية -إن صح التعبير- من خلال المثاقفة بين النقد العربي الحديث والنقد الغربي المعاصر على يد أجيال متعاقبة من النقاد العرب ما بين مؤسسين ومرسخين أمثال: العقاد ونعيمة وطه حسين وأمثال محمد مندور ومحمود أمين العالم ولويس عوض بالقدر نفسه استفاد الغربيون من المنجز النقدي العربي.
ما أن يأتي ذكر النقد الثقافي حتى تحيلنا الذاكرة إلى الباحث والناقد العربي المعروف د. عبدالله محمد الغذامي فهو صاحب مشروع «النقد الثقافي» -عربيا على الأقل -نظر له وسخر جهده في السنوات الأخيرة- تحديدا منذ عام 2000م مع صدور كتابه «النقد الثقافي» – للترويج لمشروعه الوليد ومواجهة خصومه الفكريين ممن وجهوا سهام نقدهم له ولمشروعه وإن كان نجمه قد سطع على الساحة الثقافية في السعودية في عام 1985م بعد نشر كتابه الهام «الخطيئة والتكفير» وتتابعت إسهاماته الفكرية «تشريح النص» «الموقف من الحداثة» «الكتابة ضد الكتابة» «ثقافة الأسئلة: مقالات في النقد والنظرية» «القصيدة والنص المضاد» «المشاكلة والاختلاف» «المرأة واللغة» «ثقافة الوهم: مقاربات من المرأة واللغة والجسد» «تأنيث القصيدة والقارئ المختلف» ماجعله في طليعة المساهمين الفاعلين في إثراء الحياة الفكرية والثقافية العربية.
المتتبع للنشاط الفكري والأدبي للغذامي سيجد أنه تنقل ما بين النظريات النقدية المختلفة من النقد البنيوي إلى النصوصي حتى اهتدى إلى ما سماه «النقد الثقافي» الذي عده الدكتور عبدالعزيز حمودة في كتابه «الخروج من التيه» مشروعا نقديا يجري الترويج له في أروقة المثقفين العرب ويمثل افتتانا جديدا بمشروع نقدي غربي تخطته الأحداث داخل الثقافة أو الثقافات التي أنتجته.
فما هي ماهية النقد الثقافي عند الغذامي وهل النقد الثقافي عنده بديل عن النقد الأدبي¿
يشير الغذامي في كتابه «النقد الثقافي» إلى ضرورة توسيع دائرة النقد الأدبي ليشمل كل ما هو ثقافي وروحي وحياتي ذلك لما ترسبت في ذواتنا وواقعنا من انكسارات ذاتية فصار لزاما محوها عبر قناة النقد الثقافي الذي يشمل وجوها عديدة من الحياة وليس الأدب فقط ويرى أن ذلك لا يمكن إلا انطلاقا من النقد الأدبي لأن فعالية النقد الأدبي جرöبت وصار لها حضور في مشهدنا الثقافي والأدبي على اعتبار أن الكثير من أدوات النقد الأدبي صالحة للعمل في مجال النقد الثقافي بل ويؤكد على أهمية النقد الأدبي الذي بات له في بلادنا العربية من الحضور والسمعة ما يؤكد على أهميته في حياتنا الثقافية والأدبية.
إن الغذامي أراد من خلال «النقد الثقافي» أن يكشف عيوب الأنساق الثقافية في النص الأدبي وعدم الاكتفاء بالتعامل مع البلاغي والجمالي الذي يتستر تحته القبيح الذي نستهلكه دون أن نعي أي أنه يشكل وعينا لاحقا ورأى أن ذلك لا يتسنى إلا عبر مقولة النقد الثقافي وليس عبر النقد الأدبي الذي مارسناه لمدد طويلة جدا وكان يقف على جماليات النص وجماليات التذوق والاستقبال وروعة النص وما إليه مع عدم نكرانه لأهمية البعد الجمالي في النص.
ويبقى القول إن موضوعة «النقد الثقافي» مع كثرة ما تداول حوله ما زال يفرض نفسه في ساحة الفعل الثقافي والنقدي العربي.

قد يعجبك ايضا