مروراً بالقيمة السوقية لأرامكو: العمليات اليمنية تعقّد حركة التجارة السعودية والتكلفة تطال الاقتصاد والأسواق والمستهلك السعودي

هبوط البضائع المناولة في الموانئ السعودية إلى نحو 8.5 ملايين طن بانخفاض يقارب 40.8% 
 ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك في السعودية إلى 1.8% على أساس سنوي
 
 الالتفاف والإبحار عبر الرجاء الصالح يزيد تكاليف النقل والشحن ويرفع قيمة التأمين والمخاطر 
ارتفاع في أسعار المواد الغذائية كالفواكه والخضروات بنسب تتراوح ما بين 16.7% و 39.5% 
. ارتفاع الأغذية والمشروبات بنسبة 1.5% ، والنقل 1.4% والخدمات الشخصية 2.9% والمطاعم والإقامة 2%. 
 
 زيادة أسعار المواد الإنشائية كالحديد والكهرباء بنسبة تتراوح ما بين 19.7% و 26.2% 
 
 التضخم السنوي بلغ 1.8% وأصول الاحتياطيات الرسمية السعودية تنخفض بمقدار 22.2 مليار ريال

الثورة/  أحمد المالكي

. أكد تقرير اقتصادي جديد أن كلفة اضطراب الملاحة  جراء الحصار الذي فرضته اليمن على السفن السعودية ضمن «معادلة الحصار بالحصار» انتقلت إلى الموانئ والأسعار ، وأثرت على القيمة السوقية لارامكو بالإضافة إلى معدل التضخم ، وكذلك التأثير على الاحتياطيات الأجنبية وانخفاض مؤشر الثقة الاقتصادي ، فإلى أي مدى أعادت اضطرابات البحر الأحمر توزيع تكلفة التجارة ومسارات الواردات ووظيفة الموانئ السعودية، ومن يدفع فاتورة هذه التكلفة في النهاية ، من شركات الشحن ، إلى المستورد ،إلى الأسواق ، والى القيمة السوقية لشركة أرامكو وصولاً إلى المستهلك السعودي..؟! كل هذه المعطيات يجيب عليها التقرير التالي فإلى التفاصيل:
وبحسب التحقيق الاستقصائي الذي أعده الخبير والباحث الاقتصادي « سليم الجعدبي» تلقت الثورة نسخة منه فإن الأرقام الرسمية السعودية في يوليو 2026م تكشف عن مفارقة لافتة ، حيث هبطت البضائع المناولة في الموانئ السعودية من أكثر من 14.3 مليون طن في يونيو إلى نحو 8.5 ملايين طن في يوليو ، بانخفاض يقارب 40.8 % خلال شهر واحد.
ومنذ اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، واجهت شركات الشحن معادلة وخيارات صعبة ، فهي أمام خيارين إما المرور عبر مسار أقصر وأكثر تعرضاً للمخاطر ، أو تحويل السفن جنوباً، حول رأس الرجاء الصالح ، لكن الطريق الأطول لا يعني مجرد زيادة المسافة بحسب التقرير ، بل يعني مزيداً من أيام الإبحار، واستهلاكاً أكبر للوقود، وزيادة في تكاليف تشغيل السفينة، إضافة إلى تكاليف التأمين والمخاطر.
وبحسب تتبع خريطة متحركة لمسار آسيا → البحر الأحمر → قناة السويس، ثم تحويل المسار حول رأس الرجاء الصالح ، فهذا يعني أن هناك كلفة وزيادة وهذه الزيادة لا تتوقف عند شركة الشحن ، بل في النهاية يمكن أن تنتقل أجزاء منها إلى المستورد ثم الموزع ثم المستهلك.
مفارقة ثانية
التقرير يشير إلى أن بيانات يوليو السعوديّة تقدم مفارقة ثانية ، حيث انخفض عدد السفن من 1,086 سفينة في يونيو إلى 1,021 سفينة في يوليو.
أي تراجع بنحو 6 % ، ومع ذلك ارتفع عدد الحاويات بنسبة 19.3 % ، وارتفعت حاويات المسافنة من 126 ألفاً و917 إلى 148 ألفاً و695 حاوية ، بزيادة تقارب 17.2 % ، وأصبحت المعادلة سفن أقل أطنان أقل لكن حاويات أكثر ومسافنة أعلى.
وهذا وفق تقرير الجعدبي  لا يشبه ببساطة صورة ميناء تتوقف فيه التجارة بل يشير إلى احتمال وجود إعادة تشكيل في طبيعة الحركة البحرية واللوجستية.
ميناء جدة الإسلامي
وفي قلب هذه المعادلة يأتي ميناء جدة الإسلامي. ففي يوليو، سجل الميناء نحو 540 ألفاً و107 حاويات، في رقم وُصف بأنه مستوى قياسي ، وتشير البيانات المقدمة إلى حركة تقارب 20 ألف شاحنة يومياً.
وفي الوقت الذي تنخفض فيه الحمولة الإجمالية للموانئ السعودية، تعمل جدة على زيادة قدرتها في مناولة الحاويات وتوزيعها وهنا تظهر استراتيجية مختلفة ، ليس فقط استقبال البضائع ، بل تحويل الميناء إلى مركز لإعادة التوزيع والترانزيت والمسافنة.
ووفقا للتقرير فإنه في الوقت نفسه، تتوسع شبكة الخدمات البحرية المرتبطة بجدة ، وإضافة خدمات جديدة من شركات عالمية مثل MSC وPIL، وتعزيز ارتباط جدة بشبكة Gemini، يعكسان سباقاً للحفاظ على اتصال الموانئ السعودية بشبكات التجارة العالمية ، وهذا يعني أن الرسالة واضحة في بيئة بحرية مضطربة، تصبح الموانئ التي تمتلك خيارات أكثر للشحن والتوزيع أقل تعرضاً لصدمة تغيير المسارات.
رأس الرجاء الصالح وكلفة السلعة
حين يتم تتبع سفينة تتحرك على الخريطة من آسيا إلى أوروبا عبر رأس الرجاء الصالح، عداد أيام ومسافة ووقود أعلى، لكن ماذا يحدث عندما تطول الرحلة البحرية السفينة تستهلك وقوداً أكثر، الحاوية تبقى وقتاً أطول في الرحلة ، وبالتالي تزداد تكلفة التشغيل.
وتتغير تكلفة التأمين. وقد تتأخر البضاعة.
وفي السلع الغذائية، يمكن أن تتحول هذه الزيادة إلى ضغط على سلسلة التوريد بأكملها وفق التقرير، ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد السفن التي تمر في البحر الأحمر بل السؤال الأهم: كم أصبحت تكلفة نقل السلعة من بلد المنشأ إلى المستهلك السعودي؟
الأسعار السعودية
وبحسب البيانات التي أوردها التقرير فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في السعودية خلال شهر يوليو إلى 1.8 % على أساس سنوي ، لكن المتوسط العام يخفي تفاوتاً كبيراً بين السلع ، فمثلاً الحليب الطازج ارتفع 16.7 % ، والموز الفلبيني 20 % ، والرمان الهندي 35.3 % ، وكذلك الطماطم المحلية ارتفعت إلى 39.5 % ، والفاصوليا الخضراء 20.9 %.
وفي المواد الإنشائية، كانت الارتفاعات أكثر وضوحاً. فحديد التسليح 12 مليمتراً ارتفع بنسبة 19.7 %. والكيابل الكهربائية 35 مليمتراً ارتفعت إلى 26.2 %.
ومن هنا يتضح أن  اضطراب النقل البحري يمكن أن يكون عاملاً إضافياً يرفع التكلفة فوق بقية العوامل السعرية العالمية طبقاً للتقرير .
الغذاء والنقل والخدمات
وبحسب التقرير فإن الصورة تظهر على مستوى الاقتصاد الكلي بصورة أوسع حيث ارتفعت الأغذية والمشروبات بنسبة 1.5 % ، والنقل ارتفع إلى نحو 1.4 % ، أما الخدمات الشخصية فقد ارتفعت إلى 2.9 %.
وكذلك الحال بالنسبة للمطاعم والإقامة التي ارتفعت بمعدل 2 % ، وهنا تعمل سلسلة انتقال التكلفة المتمثلة بالشحن ثم الاستيراد ، ثم التخزين والتوزيع ، ثم النقل الداخلي ثم البيع للمستهلك.
ولا تنتقل هذه التكلفة بالضرورة كاملة وفوراً إلى الأسعار لكنها بحسب التقرير تستطيع أن تضيف ضغطاً تدريجياً على تكلفة المعيشة.
الاحتياطيات الأجنبية
ووفق التقرير فقد سجلت الأصول الاحتياطية الرسمية السعودية انخفاضاً قدره 22.2 مليار ريال خلال يوليو ، من 1,854.565 مليار ريال في يونيو ، إلى 1,832.365 مليار ريال في يوليو ، وكان معظم التراجع في العملات الأجنبية، التي انخفضت بأكثر من 22.3 مليار ريال.
الثقة الاقتصادية
التقرير يؤكد أن الثقة الاقتصادية لم تتحسن في يوليو ، خاصة وأن مؤشر الثقة العام تراجع من 56.6 إلى 56.5 نقطة ، وانخفض مؤشر الثقة الصناعية من 55 إلى 54.7 ، كما انخفض مؤشر الخدمات من 55.5 إلى 55.3 ، ما يشير إلى أن التراجع محدود ، لكنه لا يعني انهياراً اقتصادياً ، لأنه يأتي في وقت تواجه فيه الشركات بيئة أكثر تعقيداً في التجارة والنقل والتكاليف.
مفارقة كبرى
ويستنتج التقرير أن المسألة لو كانت مجرد انهيار في النشاط التجاري ، لكان المتوقع أن تنخفض الأطنان والحاويات والمسافنة والسفن معاً ، لكن ما نراه مختلفا ،
فالأطنان تنخفض إلى 40.8 % ، والحاويات ترتفع 19.3 % ، أما المسافنة فترتفع إلى 17.2 % ، والسفن تنخفض بنحو 6 % ، وهذه  الصورة ليست توقفا كاملا ، بل هي صورة تغير في شكل ومسارات ووظيفة حركة التجارة.
مركز بديل؟
ومن خلال النظر إلى خريطة جدة → السعودية الداخلية → الخليج، ثم شبكة الخطوط البحرية تبرز جدة هنا ، حيث يلاحظ زيادة الحاويات ، وارتفاع المسافنة ، والخدمات البحرية الجديدة ، بالإضافة إلى الربط بالشبكات العالمية ، وكثافة حركة الشاحنات.
كل ذلك يشير وفق التقرير إلى محاولة تعزيز دور جدة كمركز لوجستي قادر على التعامل مع بيئة بحرية متغيرة ، والمسألة في النهاية هي معادلة بين مخاطر البحر الأحمر ، وتكلفة الطريق الطويل حول أفريقيا ، فإذا انخفضت المخاطر إلى مستوى مقبول، يصبح الطريق الأقصر عبر البحر الأحمر وقناة السويس أكثر جاذبية مرة أخرى.
تغيرات
ويخلص التقرير إلى أنه في يوليو 2026، لا تقول الأرقام إن التجارة السعودية توقفت ، لكنها تقول شيئاً أكثر تعقيداً ، فهناك تغير في الحمولة ، وتغير في عدد الحاويات ، وارتفاع في المسافنة ، وانخفاض في عدد السفن ، وتوسع في خدمات الموانئ.
وفي الوقت نفسه هناك تضخم سنوي يبلغ 1.8 % ، وانخفاض في الاحتياطيات الرسمية بقيمة 22.2 مليار ريال ، وتراجع محدود في الثقة الاقتصادية.
أما البحر الأحمر -وفق التقرير- فقد أصبح متغيراً لا يمكن تجاهله في حسابات التجارة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد ، كما أن هناك مؤشر انخفاض القيمة السوقية لأرامكو.
تراجع عداد القيمة السوقية لأرامكو
ومع أن عدد أسهم أرامكو يبلغ 242 مليار سهم حسب التقرير ، فإن انخفاض ريال واحد في سعر سهم أرامكو يعني نظرياً انخفاضاً في القيمة السوقية بنحو 242 مليار ريال سعودي ، وبناءً على السعرين الظاهرين في البيانات ، كانت القيمة السوقية النظرية عند 27.12 ريالاً نحو”6.563” تريليون ريال سعودي ، وعند 26.10 ريالاً أصبحت نحو “6.316” تريليون ريال ، أي أن الفارق يبلغ نحو 246.8 مليار ريال ، وبإجراء عملية حسابية فإن القيمة السوقية النظرية لأرامكو
27.12 ريال × 242 مليار سهم = 6.563 تريليون ريال سعودي ، وبضرب 26.10 ريال × 242 مليار سهم= 6.316 تريليون ريال سعودي
الفارق: −246.8 مليار ريال سعودي ، وهذا الرقم وفق استقصاء الجعدبي ، لا يعني خروج 246.8 مليار ريال نقداً من خزينة أرامكو، وإنما يمثل انخفاضاً حسابياً في القيمة السوقية للأسهم نتيجة انخفاض سعر السهم.
حدود قصوى
ووصلت البدائل البرية والأنبوبية التي اعتمدت عليها الرياض لنقل النفط والسلع إلى حدودها التشغيلية القصوى ، حيث فشلت المسارات البديلة في تخفيف المأزق الذي فرضه الحظر البحري في البحر الأحمر وباب المندب، ممّا وضع حركة التصدير والإمداد أمام اختناق لوجستي متزايد.
وأظهرت تقارير تتبع الطاقة أن خط أنبوب “شرق-غرب” الممتد إلى ميناء ينبع يصطدم بعوائق حادة؛ إذ تسبب تردد ناقلات النفط في الرسو بالموانئ الغربية وارتفاع تكاليف التأمين في تراكم الإمدادات وتراجع كفاءة الضخ، ليتحول هذا المسار الذي كان يُراهَن عليه كبديل آمن إلى نقطة اختناق جديدة للمبيعات النفطية.
وفي السياق ذاته، أثبتت حركة النقل البري عبر الشاحنات والسكك الحديدية القادمة من موانئ الخليج العربي عدم جدواها المادية والزمنية للتعويض عن الشحن البحري، حيث أدت التأخيرات الممتدة لأسابيع والارتفاع الحاد في رسوم الترانزيت إلى مضاعفة التكاليف التشغيلية، ممّا يفرض ضغوطاً مالية باهظة على قطاعات التجارة والصناعة.

قد يعجبك ايضا