مغالاة المهور.. حين يتحول الميثاق الغليظ إلى عبء على المجتمع

عادل حويس

تقف المجتمعات اليوم أمام ظاهرة اجتماعية باتت تهدد نسيج الأسرة وتمدد آثارها لتشمل البنية الاقتصادية والأخلاقية على حد سواء، تلك هي ظاهرة مغالاة المهور التي انتقلت من كونها تعبيراً عن التقدير والاحترام إلى عائق حقي أمام تأسيس بيوت قائمة على المودة والرحمة.

لقد كان المهر في أصله رمزا للود وهدية تمنحها الأسرة للزوجة الجديدة وتكريما لها لا تثقيلا على كاهل الزوج، لكنه اليوم تحول في كثير من الحالات إلى سباق تفاخر وتباه اجتماعي تملى فيه الأرقام بعيدا عن الواقع المعيشي وتقاس فيه قيمة الإنسان بما يدفعه لا بما يحمله من خلق ودين.

إن التدقيق في أسباب هذا التضخم المهرى يقودنا إلى أكثر من مدخل. فمن جهة هناك ثقافة استهلاكية دخلت إلى بيوتنا عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل صنعت معيارا جديدا للزواج لا يقاس إلا بالبذخ وأوهمت الأسر أن المهر المرتفع ضمانة لمستقبل الابنة متناسية أن الضمان الحقي هو في اختيار الشريك الصالح القادر على تحمل المسؤولية.

ومن جهة أخرى يسهم غياب التوعية المجتمعية المنظمة في ترسيخ عرف خاطئ، مفاده أن “ابنة فلان لا يمكن أن يقل مهرها عن ابنة فلان” فيتحول الزواج إلى مقارنة مؤلمة وتتحول المناسبة المقدسة إلى عبء مالي يثقل كاهل الشاب لسنوات طويلة فيدخل عش الزوجية مديونا قبل أن يبدأ حياته.

والنتائج لم تعد خافية على أحد. شباب في مقتبل العمر يؤجلون قرار الزواج لسنوات وفتيات ينتظرن دورهن في بيوت الأهل رغم رغبتهن في الاستقرار وحالات طلاق مبكر تعود في جزء كبير منها إلى الضغوط المادية التي بدأت مع ليلة العقد.

كما أن المغالاة فتحت الباب أمام ظواهر سلبية أخرى، منها اللجوء إلى القروض والديون والزواج السري أو الهجرة غير الشرعية بحثا عن لقمة عيش توفر تكاليف الزواج.

وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة معكوسة، فبدلا من أن يكون الزواج بابا للحلال وبناء الوطن صار بوابة للمعاناة وتأجيل الأحلام.

إن المعالجة لا يمكن أن تتم بمنطق التعميم أو جلد الذات، بل تحتاج إلى وقفة جادة على مستويات متعددة. على المستوى الديني والأخلاقي فإن العودة إلى روح النصوص التي جعلت “أقلهن مهرا أكثرهن بركة” ضرورة ملحة فالقيمة ليست في الرقم بل في البركة التي تحل على البيت.

وعلى المستوى المجتمعي لا بد من دور فاعل لكبار القوم ووجهاء القبائل والعقلاء في كل منطقة، ليكونوا قدوة في تيسير الزواج وليضعوا سقوفا عرفية تراعي ظروف الناس وتمنع المزايدة.

كما أن للإعلام ومنابر التوعية دورا محوريا في تقديم نماذج ناجحة لزيجات بسيطة التكاليف عظيمة الأثر وتسليط الضوء على قصص الأسر التي اختارت التيسير فوجدت السعادة.

أما على مستوى الدولة والمؤسسات، فإن تشجيع صناديق الزواج وتوفير برامج تمويل ميسرة بدون فوائد مرهقة ودعم المبادرات الشبابية التي تقدم حفلات جماعية مخفضة التكاليف، كل ذلك يصب في خانة الحلول العملية.

والأهم من ذلك كله هو إعادة الاعتبار لمفهوم بناء الإنسان، فالأسرة لا تقوم على الذهب والفضة وإنما تقوم على الاحترام المتبادل وتحمل المسؤولية والقدرة على إدارة البيت في ظل المتغيرات الاقتصادية الصعبة.

إن مغالاة المهور ليست مجرد رقم في قائمة مطالب، إنها مرآة تعكس أزمة قيم وتغير في أولويات.

وعلاجها يبدأ حين ندرك أن الزواج ميثاق غليظ أساسه السكينة، لا الاستعراض وأن إكرام البنت لا يكون بتثقيل ظهر زوجها، بل باختيار من يصونها ويتقي الله فيها.

وحين ننتصر لهذا المعنى نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر تماسكا وشباب أكثر استقرارا ومستقبل أسر لا تبدأ بالدين وتنتهي بالخلاف، بل تبدأ بالرضا وتستمر بالبركة.

 

 

 

قد يعجبك ايضا