من اليمن إلى عمرو واكد: النصر مسؤولية والوفاء لفلسطين عهد

محمد أبو نايف *

عزيزي الفنان القدير عمرو واكد،

وصلت كلماتك إلى اليمنيين كما تصل الكلمة الصادقة؛ لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا تستأذن حدودًا، ولا تسأل من أي أرض جاءت، لأنها خرجت من ضمير عربي حي إلى ضمير عربي حي.

من اليمن نقول لك: شكرًا لأنك رأيت في معركة اليمن ما يراه كثير من أحرار هذه الأمة في أنفسهم؛ أننا لا نبحث عن مكان لنا خارج معركة الحق، ولا نرى للكرامة معناها إن كانت فلسطين تُذبح، أو تُستباح أرض عربية، أو يُطلب من العربي أن يتعايش مع الذل وكأنه قدر محتوم.

نحن يمنيون، نعم، لكننا نحمل في وجداننا أمة أكبر من حدود الخرائط التي رسمها سايكس وبيكو، وأقدم من كل الأسلاك والحواجز التي قطعت جسد المشرق العربي. ففلسطين عند اليمني الحر ليست قضية شعب بعيد، وباب المندب ليس شأنًا يمنيًا خالصًا، والقاهرة ودمشق وبغداد والقدس وصنعاء ليست في وجداننا جزرًا منفصلة؛ إنها أسماء مختلفة لذاكرة حضارية واحدة، وجرح واحد، ومصير واحد.

واليمن، أصل عريق من أصول العرب، لا يستحضر تاريخه ليعلو على أحد، بل ليستحضر ما حمّله ذلك التاريخ من قيم: الكرامة، والشهامة، والوفاء، وإغاثة المظلوم، والوقوف مع الحق حين يصبح الوقوف معه مكلفًا.

ولذلك فإن أعظم ما في النصر ليس أن تنتصر على خصمك، بل ألا يهزمك النصر من داخلك.

أن تبقى أمينًا للدماء التي سقطت، متواضعًا أمام تضحيات الناس، عادلًا حين تصبح قادرًا، رحيمًا حين تصبح قويًا، وأن يتحول ثمن الحرب إلى دولة كريمة تحفظ للإنسان حقه وكرامته ومستقبله.

وهنا أصبتَ جوهر المسألة حين قلت إن صدق التجربة وأمانتها أهم من نجاحها.

فالنصر الحقيقي لا يُقاس فقط بما يتغير على خرائط الميدان، وإنما بما نستطيع أن نبنيه بعد أن تصمت المدافع: دولة لا تظلم، ومجتمع لا يقصي، وسيادة لا تُباع، وقرار لا يُرهن، وكرامة تتسع لكل اليمنيين.

أما فلسطين، فلا نخشى أن ننساها؛ لأنها ليست بندًا في برنامج سياسي حتى يُحذف، ولا موسمًا عاطفيًا حتى ينتهي. فلسطين في ضمير اليمني الحر هي امتحان للكرامة العربية، والقدس ليست خارج حدودنا الوجدانية مهما ابتعدت عنها الجغرافيا.

لقد دفعت اليمن أثمانًا ثقيلة، وفقدت من شبابها ومدنها وأمنها واقتصادها ما يكفي لأن تعرف أن الحرب ليست قصيدة، وأن الدم ليس شعارًا، وأن أعظم الوفاء للشهداء هو أن نصنع من تضحياتهم مستقبلًا يستحقه الأحياء.

شكرًا لك يا عمرو، لا لأنك مدحت اليمن، بل لأنك خاطبت فيه ذلك المعنى الذي نريد أن نبقى أوفياء له.

ومن اليمن إلى مصر، ومن صنعاء إلى القاهرة، ومن باب المندب إلى القدس:

لسنا شعوبًا متجاورة فرّقتها الخرائط؛ نحن أمة واحدة أثقلتها الحدود، ولم تستطع أن تمحو ذاكرتها.

وإذا كان لليمن اليوم من رسالة، فهي ألا يطلب العربي إذنًا كي يكون حرًا، وألا يقبل الذل ثمنًا للسلام، وألا يجعل انتصاره بابًا للغرور أو الانتقام، بل بدايةً للعدل والبناء والمصالحة والكرامة.

بارك الله في اليمن، وفي مصر، وفي فلسطين، وفي كل حر ما زال يؤمن أن لهذه الأمة حقًا في أن تنهض من جديد.

ونحن منكم، وأنتم منا؛ وما يجمع الأحرار أكبر من كل الحدود.

* من اليمن السعيد

قد يعجبك ايضا