بعد مسار مفاوضات طويل افضى إلى حصول الوسطاء الدوليين على موافقة أولية من حركة المقاومة الإسلامية «حماس» على مسودة اتفاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب لإنهاء حرب غزة، ظلت تفاعلات الداخل الإسرائيلي تتأرجح بين التزام الصمت والقبول المتحفظ والقبول المشروط قبل أن تفضي إلى إعلان حكومة الكيان رسميا رفضها مسودة الاتفاق المعلن ليحولها مجلس السلام» تاليا إلى إطار تفاوضي خاضع للنقاش مع حكومة الكيان الإسرائيلي.
تحليل / أبو بكر عبدالله
الاختراق المهم الذي حققه «مجلس السلام» مطلع الشهر الجاري بالحصول على موافقة «حماس» وفصائل المقاومة الفلسطينية على مسودة اتفاق المرحلة الثانية من خطة إنهاء حرب غزة، مثل إنجازا مهما ليس لأنه أسفر عن موافقة فصائل المقاومة على الانخراط في في اليات تنفيذية تتعامل مع سلاحها في غزة بالتزامن مع انسحابات تدريجية مجدولة لجيش الاحتلال، بل لكونه جاء في اطار منظومة مترابطة تشمل أيضا تسلّم اللجنة الوطنية مهامها في إدارة غزة خلال مرحلة انتقالية وانتشار «قوة الاستقرار» للإشراف على التنفيذ وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
هذا المشهد دفع «مجلس السلام» المشكَّل بموجب قرار مجلس الأمن الدولي إلى إعلان «مسودة اتفاق المرحلة الثانية» قبل أن تعيده حكومة الكيان المشروع إلى المربع الأول بإعلان تحفظها على مسودة الاتفاق الذي ربط عمليات حصر وتخزين السلاح بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة، وكذلك وضعها شروطا جديدة لنزع سلاح «حماس» وصولا إلى إعلان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو رفض حكومته الانسحاب واستمرار العمليات العسكرية بداخل القطاع.
وعلى أن الخطة المعلنة أشاعت الأمل في الخروج من جمود المرحلة الأولى، إلا أن الموقف الإسرائيلي الرافض لمسودة الاتفاق، سد الأبواب من جديد أمام الوساطة الدولية التي تضم واشنطن ومصر وتركيا وقطر كما وأوقف جهود وضع الآلية التنفيذية للاتفاق الذي كان يُنتظر أن يضع نهاية للحرب الإسرائيلية المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023.
وحيال الجمود الذي طرأ على هذا المسار خرج «مجلس السلام» مؤخرا برؤية جديدة اعتبرت أن «خارطة الطريق المعلنة كانت بين المجلس و»حماس» بينما تتواصل المناقشات مع «إسرائيل» بما يعني أن خارطة الطريق المعلنة مطلع أغسطس الجاري لم تكن اتفاقا ثلاثيا بين «مجلس السلام» و»حماس» وإسرائيل بل كانت أشبه بتفاهم مبادئ تنفيذي بين المجلس و»حماس» أبقى إسرائيل خارج الالتزام النهائي بها بعد تأكيد المجلس أن النقاشات معها حول الخطة لا تزال جارية.
الرؤية الجديدة
خلافا للمسمى الذي اعتمده «مجلس السلام» سابقا لمسودة اتفاق المرحلة الثانية، كان واضحا في التصريحات الأخيرة لقيادات المجلس تحاشيها وصف ما تم إنجازه بأنه «مسودة اتفاق المرحل الثانية» وذهابها هذه المرة إلى اعتبار ما تم التوصل إليهم «خارطة طريق» بين المجلس و»حماس» وليس اتفاقا ملزما لإسرائيل بما حول مسودة الاتفاق المعلن إلى إطار تفاوضي خاضع للنقاش.
هذا التحول في الوصف القانوني لم يأت من فراغ بل كان استجابة للمشهد الجديد الذي فرضه الموقف الإسرائيل الرافض لمسودة الاتفاق واستهدف المجلس من خلاله تحقيق هدفين الأول: منع انهيار التفاهمات بين المجلس و»حماس» بسبب الرفض الإسرائيلي، والثاني جعل ما تم التوصل اليه مع «حماس» أطارا للتفاوض مع حكومة الكيان التي قال المجلس أن النقاش معها بشأن المرحلة الثانية لايزال قائما.
والجانب الأهم في هذ التحول هو تأكيد «مجلس السلام» أن «خطة غزة لا تزال سارية وفعالة إلى حد كبير» رغم اعتراض الحكومة الإسرائيلية عليها وان التقدم فيها مرهون بالمفاوضات التي سيقودها المجلس أو الوسطاء الدوليين مع الجانب الإسرائيلي ولا سيما حول القضايا الخلافية الرئيسية التي تشمل آليات نزع السلاح الانسحاب وآليات التحقق والضمانات.
التحول في التوصيف القانوني لمسودة اتفاقية المرحلة الثانية أنتج في الواقع رؤية جديدة تبناها المجلس ظهرت معالمها إلى السطح مؤخرا في تنبي المجلس مسارين منفصلين للمفاوضات الأول: « مفاوضات مجلس السلام ـ حماس» الذي افضى إلى قبول الحركة بخارطة الطريق التي اخذت في اعتبارها شروط «حماس» بأن تنفيذ التزاماتها مرتبط بتنفيذ حكومة الكيان التزاماتها المتزامنة والمجدولة وخصوصاً وقف العمليات العسكرية والانسحاب التدريجي من غزة.
المسار الثاني: تمثل في « مفاوضات مجلس السلام ـ إسرائيل» وهو المسار الذي بدأ مؤخرا ولم ينته بعد ويبحث في تحفظات إسرائيل التي لا تقبل بالخطة أو لديها اعتراضات على بعض بنودها ولا سيما في مسألة التزامن بين عمليات نزع السلاح والانسحاب، حيث تطالب إسرائيل بنزع السلاح كاملا قبل أي عمليات انسحاب.
ومعلوم أن صيغة مسودة اتفاق المرحلة الثانية المعلنة من «مجلس السلام» مطلع أغسطس الجاري، نصت على الربط بين عمليات حصر وتخزين سلاح «حماس» وفصائل المقاومة من قبل اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية، وعمليات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة، كما ربطت الخطوتين بخطوات أخرى على صلة بتسلم اللجنة الوطنية مهامها ودخول قوة الاستقرار إلى غزة.
غير أن التعارض الذي نشأ نتيجة الرفض الإسرائيلي أنتج مسارين جديدين للمفاوضات، واظهر في المقابل أن مسودة الاتفاق المعلنة أو «خارطة الطريق» التي احتفل بها «مجلس السلام» كانت هشة تماما بعد أن توفيت قبل أن تولد، ما دفع المجلس إلى نقلها لصيغة أخرى للحفاظ على ما تم إنجازه بوصفه اطارا تفاوضيا، مع الوضع في الاعتبار إمكانية صياغة مسودة اتفاق جديد بناءً على ما ستقود اليه المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي تحت مظلة «الوسيط الضامن».
المرحلة الثانية
بالنسبة لحركة «حماس» وفصائل المقاومة فإن المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب في غزة، تعني الانتقال من الهدنة المؤقتة إلى الوقف الكامل للحرب وتسليم السلاح والانسحاب الإسرائيلي من غزة بما يقود إلى تسلم اللجنة الوطنية مهامها في ا دارة الشأن العام بقطاع غزة وضمان تدفق المساعدات الكافية وإعادة إعمار وعودة النازحين.
ومنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر العام الماضي، ظلت «حماس» تطالب الوسطاء الإقليميين والدوليين الضغط على إسرائيل للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب، بما يقطع الطريق على جيش الاحتلال اختلاق أية ذرائع تبرر بقائه في الجزء الأكبر من أراضي القطاع أو استمراره بشن الهجمات ومنع دخول المساعدات الإنسانية أو تقليلها إلى الحد الأدنى.
أرادت «حماس» بذلك منع استمرار الحرب الإسرائيلية ومنع القيام بخطوات أحادية بعيدا عن المراحل المنصوص عليها في خطة إنهاء الحرب، وسط تقديرات باحتمال أن تتجه حكومة الكيان إلى استغلال تعثر إجراءات تسليم السلاح ودخول اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار لمواصلة الحرب وعرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تخشى إسرائيل أن تؤدي إلى إرباك ترتيباتها الأمنية والديموغرافية في قطاع غزة.
وهناك عامل آخر لا يمكن تجاهله دفع «حماس» للمطالبة بالانتقال للمرحلة الثانية وهو الواقع الإنساني في غزة والذي يمكن القول إنه كان من اهم الدوافع لمطالبة فصائل المقاومة الضغط باتجاه الانتقال إلى المرحلة الثانية، كون المرحلة الأولى لم تحقق بالكامل ما كان يفترض أن تحققه من تدفق للمساعدات والانسحاب الإسرائيلي من غزة وفتح المعابر.
ويبدو أن فصائل المقاومة الفلسطينية كانت ـ بحكم التجربة والخبرة ـ تدرك أن بقاء الاتفاق في إطار المرحلة الأولى يعني أن الحرب يمكن أن تعود في أي لحظة، وهو ما تحقق عمليا بعودة القصف العشوائي الإسرائيلي وعمليات التدمير الشامل والاقتحامات والاغتيالات ولذلك حاولت منذ وقت مبكر الضغط على الوسطاء لنقل الملف إلى المرحلة الثانية التي تعني في جوهرها الانتقال من حالة الهدنة الهشة إلى الوقف الكامل والنهائي للحرب بما يقود إلى وضع سياسي جديد يصعب على إسرائيل التراجع عنه.
والمرحلة الثانية في أصل الاتفاق، لم تكن مجرد «مرحلة إضافية» بل تضمنت إجراءات وآليات تضمن الوقف الدائم للحرب، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق واستكمال ترتيبات تبادل الأسرى والمحتجزين والشروع بإعادة الإعمار وغيرها من القضايا التي طالبت بها «حماس» وفصائل المقاومة بإصرار شديد منذ انتهاء المرحلة الأولى.
هذه المعطيات كانت السبب الأول في إعلان حركة «حماس» قبولها مسودة الاتفاق المرحلة الثانية، أو ما سماها «مجلس السلام» مؤخرا «خارطة طريق» والتي سرعان ما اصطدمت بمواقف إسرائيلية رافضة للآلية المقترحة للانسحاب الإسرائيلي المجدول والمتزامن مع إجراءات تسليم السلاح.
وحتى اليوم ترفض إسرائيل تماما الانسحاب قبل السحب الكامل لسلاح «حماس» وتؤكد على استمرار عملياتها العسكرية كما تطالب بتدمير كامل سلاح «حماس» وفصائل المقاومة بما فيها الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، خلافا للرؤية المطروحة في «خارطة الطريق» التي اقترحت أن تبدأ العملية بحصر السلاح وتخزينه تحت إشراف اللجنة الوطنية بالتزامن مع خطوات إسرائيلية بالانسحاب التدريجي من غزة.
المحاذير الإسرائيلية
لأن «مجلس السلام» حاول مؤخرا تثبيت موافقة «حماس» المبدئة على الجزء الأصعب من الخطة، المتعلق بترتيبات نزع السلاح وإدارة اللجنة الوطنية ونشر قوات الاستقرار كورقة للضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية وإعلان إنهاء الحرب وبدء الانسحاب، فقد سعت حكومة الكيان إلى كبح الاتفاق بصورة كاملة في ظل مخاوف من أن وجود اتفاق للمرحلة الثانية سيقوض كليا توجهاتها للبقاء في المناطق التي تحتلها في غزة، كما سيقود إلى تقييد عملياتها العسكرية بداخل القطاع بشكل كامل.
وأكثر ما تخشاه حكومة الكيان هو تحوّل وقف النار المؤقت إلى وقف دائم للحرب، كونه سيُفقد إسرائيل خيار الاحتفاظ باستئناف الحرب إذا لم يتحقق نزع السلاح بالشروط التي تريدها، وبالتالي كان قرارها رفض «خارطة الطريق» المعلنة من مجلس السلام، ملبيا لرغبتها في الاحتفاظ باستخدام القوة العسكرية كورقة ضغط.
تخشى حكومة الكيان أيضا أن يصبح بند سحب قوات الاحتلال من غزة التزاماً لا ورقة تفاوضية، خصوصا وأن «خارطة الطريق» المعلنة جعلت الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من جدول زمني متدرج مرتبط بتحقق التزامات متبادلة، وهو ما اثار مخاوفها من يؤدي ذلك إلى فقدانها القدرة على استخدام وجود الجيش في غزة كورقة ضغط مفتوحة على المدى المنظور.
والنظر من زاوية استراتيجية إلى التحفظات والمخاوف الإسرائيلية التي نقلتها إلى واشنطن في اليوم التالي لإعلان «مسودة اتفاق المرحلة الثانية» يكشف بوضوح أن إسرائيل تعارضها من حيث المبدأ لأن صيغتها الحالية ستغيّر الأولويات التي تريد إسرائيل فرضها من نزع السلاح أولاً ثم الانسحاب إلى عملية متزامنة يتحول فيها نزع السلاح إلى جزء من تسوية سياسية وأمنية واسعة.
وتحاول إسرائيل الغاء مسودة الاتفاق بصورة كاملة، خشية أن يؤدي قبولها إلى إخراج قطاع غزة من المعادلة الإسرائيلية إلى المعادلة الفلسطينية الدولية، بما يمثله ذلك من خسارة استراتيجية كبيرة من وجهة نظر اليمين المتطرف الذي أكد أنه لن يقبل الانسحاب من غزة دون النزع الكامل لسلاح « حماس» وتفكيك بنيتها التحتية العسكرية بصورة كاملة.
والسبب في ذلك أن «خارطة الطريق» لم تنص فقط على الآلية المتزامنة والمجدولة لتسليم السلاح والانسحاب، بل ربطت هذه الخطوات بمشروع متكامل يشمل الإدارة الوطنية للقطاع في مرحلة انتقالية وانتشار قوة الاستقرار لمراقبة التنفيذ بالتوازي مع انتشار الشرطة الفلسطينية وإطلاق ترتيبات إعادة الإعمار وأكثر من ذلك التهيئة لبنية سياسية وأمنية جديدة يمكن أن تساهم في فتح الطريق لمسار يضمن قيام الدولة الفلسطينية.
