لم تكن ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجرد حدث عابر في سجلات التاريخ، بل كانت انبثاقا لنور أزاح غياهب الظلمات وفجرا أضاء دروب الإنسانية بقيم العدل والرحمة والسلام.
وفي سفر هذا النور الخالد، حفر أهل اليمن أسماءهم بحروف من وفاء لا يبلى، فهم الذين استجابوا لنداء الهدى بقلوب لينة وأفئدة نقية وحملوا راية نصرته منذ فجر البعثة، حتى غدا حبه صلى الله عليه وسلم نبضا يسري في شرايينهم وهندسة روحية تصاغ بها تفاصيل هويتهم جيلا بعد جيل.
بين اليمن والرسول الأعظم حبل محبة أزلي نسجت خيوطه في فجر التاريخ ولم تنقطع عراه يوما، هو عهد خطته تضحيات الأنصار من الأوس والخزرج الذين فتحوا قلوبهم وديارهم قبل أن تفتح السيوف البلاد وختمته البشارة النبوية الخالدة: «أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة يمانية». في هذه الأرض العريقة لا تقاس محبة النبي كعاطفة عابرة في الوجدان، بل كهوية جامعة تسري في عروق الأجيال ونبض متوارث يتجدد مع كل إشراقة لربيع النور في ذكرى مولده الشريف، ليغدو هذا العشق المحمدي ركيزة من ركائز الروح اليمنية التي صقلتها القرون.
حين تحل ذكرى المولد النبوي الشريف، ترتدي المدن والقرى والروابي اليمنية حلة خضراء بهيجة وتتحول الساحات والشوارع من صنعاء العتيقة ومآذنها السامقة إلى زبيد العلمية ومن بطاح حضرموت ومجالسها العطرة إلى سهول تهامة وقمم جبال تعز وإب وحجة، إلى لوحة إيمانية مهيبة تفيض بالنور والبشر.
يخرج الملايين شيوخا وشبابا وأطفالا متجردين من أثقال الحياة ومرارتها ليرفعوا رايات الولاء ويملأوا الآفاق بأصوات الصلاة والسلام على من أخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الهدى.
تتزين الواجهات بالأضواء الخضراء وتتلاقى الحشود، في مشهد يعكس تلاحما فريدا يذيب الفوارق ويجمع القلوب على كلمة سواء.
تمتزج في هذا اليوم أصوات التواشيح والمدائح النبوية المستقرة في عمق التراث الأصيل مع مجالس قراءة السيرة العطرة في المساجد والمنازل والزوايا، فتفوح في الأرجاء روائح البخور والطيب وتتجلى أبهى مظاهر الجود من خلال إطعام الطعام والتكافل الاجتماعي وتفقد الفقراء والمساكين وإشاعة روح التراحم والسكينة في كل بيت وحي.
فالاحتفال هنا ليس مجرد بهجة بصرية أو هتافات تتعالى في الفضاء، بل هو سلوك عملي وثقافة حياة تستحضر خلق النبي الكريم في العطاء والرحمة وإغاثة الملهوف، لتتحول المناسبة إلى موسم خصب للبر وصلة الأرحام وتطهير النفوس من شوائب الضغائن.
إن احتفاء اليمانيين بهذه الذكرى ليس مجرد تقليد فولكلوري عابر أو استذكار مجرد لحدث تاريخي طواه الزمن، بل هو تجديد حي لميثاق النصرة والمحبة واستدعاء ملهم للقيم المحمدية في الصبر والثبات والعدل في مواجهة عواصف الشدائد والمحن. إنه إعلان وجداني بالغ العمق يرسله هذا الشعب إلى العالم بأسره مفاده أن النبض النبوي هو البوصلة والملاذ الآمن الذي يلتقي حوله الجميع حين تضيق المسالك.
وهكذا يثبت أهل اليمن في كل عام أن ارتباطهم بنبيهم هو سر بقائهم وعنوان هويتهم الجامعة، فبذكراه تطيب القلوب وبسنته تستقيم الدروب وبخلقه العظيم تتسامى النفوس فوق جراحها.
إنها رسالة وفاء متجددة تسطر للعالم أجمع أن مكانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأرض باقية ما بقي النبض، وضاءة كفجر لا يغيب وخالدة بخلود الإيمان والحكمة اليمانية.
