الثورة نت – مها موسى
تتسع تداعيات المعادلة التي فرضتها صنعاء في مواجهة الحصار السعودي على اليمن، مع انتقال آثارها بصورة متزايدة إلى قطاع النفط السعودي، حيث تواجه شركة أرامكو تحديات متصاعدة في إيصال شحناتها إلى الأسواق الآسيوية، وسط إحجام ناقلات عن الإبحار في البحر الأحمر، ورفض مصافٍ آسيوية استلام شحنات من ميناء ينبع.
وتكشف التطورات الأخيرة أن معادلة ’’الحصار بالحصار’’ لم تعد مجرد موقف معلن، بل تحولت إلى ضغط فعلي على أحد أهم شرايين الاقتصاد السعودي؛ فبينما أبقت الرياض على سياسات الحصار والقيود المفروضة على اليمن، بدأت تدفع ثمن محاولة استخدام الجغرافيا والممرات البحرية كسلاح ضد الشعب اليمني.
وبحسب ما نقلته وكالة ’’رويترز’’، تعرض أرامكو شحنات من الخام السعودي لبعض المصافي الآسيوية خارج مضيق هرمز، فيما تجري محادثات بشأن تحميل الخام العربي المتوسط والثقيل في الفجيرة عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، وتزامن ذلك مع صعوبات تواجهها الشركة في تسويق شحنات عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ينبع تتحول إلى عقدة مكلفة
الأكثر دلالة أن المشكلة لا تتعلق بوجود النفط السعودي أو قدرة أرامكو على إنتاجه، وإنما بقدرتها على نقله بأمان وكلفة مقبولة إلى المشترين.. ووفق تقارير حديثة، أبدت مصافٍ آسيوية اعتراضها على استلام شحنات سبتمبر من ينبع، وطلبت مصفاتان على الأقل بحث إمكانية التحميل من سيدي كرير على البحر المتوسط بدلًا من البحر الأحمر، فيما تواجه شركات التكرير صعوبة في العثور على ناقلات مستعدة للإبحار في المنطقة.
وهنا تظهر قوة المعادلة اليمنية بوضوح؛ فكما تحاصر الرياض صنعاء، تواجه السعودية ضغوطًا مقابلة على مصالحها، غير أن المقارنة بين حجم الخسائر والتداعيات تبدو، في ضوء الثقل الاقتصادي للنفط السعودي، شديدة التفاوت.
فالرياض، التي بنت جانبًا مهمًا من قوتها الاقتصادية على سهولة تصدير النفط عبر الممرات البحرية، تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن مسارات أطول وأكثر كلفة، بما في ذلك نقل الشحنات عبر الأراضي المصرية ثم إعادة تصديرها من البحر المتوسط، وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن هذا التحول يمكن أن يضيف ملايين الدولارات إلى تكلفة الشحنة الواحدة.
صنعاء تفرض الكلفة على الرياض
منذ إعلان القوات المسلحة اليمنية معادلة ’’الحصار بالحصار’’، باتت الرسالة القادمة من صنعاء واضحة: لا يمكن أن يستمر حصار اليمن دون أن تتحمل السعودية كلفة مباشرة لإجراءاتها.. وهذه المعادلة تقلب قواعد الاشتباك التي حاولت الرياض فرضها طوال سنوات العدوان؛ فالحصار الذي أُريد منه خنق الاقتصاد اليمني وإبقاء حركة الموانئ والمطارات تحت الضغط، بات يقابله ضغط على الموانئ وخطوط الشحن والصادرات النفطية السعودية.
وفي هذا السياق، أعلنت صنعاء في يوليو الماضي فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، باعتبار ذلك ردًا على استمرار الحصار السعودي على اليمن.
وتظهر نتائج ذلك اليوم في السوق نفسها: ناقلات تعيد حساباتها، ومصافٍ تطلب موانئ بديلة، وأرامكو تعيد ترتيب شحناتها، ومسارات التصدير تتغير بحثًا عن مخارج أقل خطرًا.
من يملك البحر يملك ورقة الضغط
تكشف هذه التطورات أن أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى السعودية لا تقتصر على كونه ممرًا تجاريًا، بل يمثل شريانًا حيويًا لصادرات الطاقة، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ السعودية مؤثرًا بصورة مباشرة في حسابات أرامكو.
وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة؛ فالسعودية، التي سعت طوال سنوات إلى إخضاع اليمن عبر الحصار والقوة العسكرية، تجد نفسها أمام معادلة مختلفة فرضتها صنعاء: كلما حاولت الرياض خنق اليمن، ازدادت أهمية امتلاك اليمن أوراق ضغط قادرة على الوصول إلى المصالح السعودية نفسها.
ولم تعد المسألة مجرد تهديدات أو رسائل سياسية، بل بدأت تنعكس على القرارات التجارية للشركات والمصافي ومالكي الناقلات، وهي الجهات التي تحسب المخاطر والتكاليف بعيدًا عن الحسابات السياسية.
صنعاء تُربك العدو
لا تحتاج صنعاء إلى امتلاك أضخم الأساطيل حتى تفرض تأثيرًا في حركة التجارة والطاقة؛ فامتلاك موقع جغرافي استراتيجي وقدرة على تهديد حركة الملاحة المرتبطة بالخصم يكفيان لتحويل الممر البحري إلى ورقة ردع وضغط.. وهذا ما يجعل المعادلة اليمنية مختلفة عن أدوات الضغط التقليدية؛ فبدلًا من أن يبقى اليمن الطرف الذي يتحمل آثار الحصار وحده، أصبحت الرياض نفسها أمام فاتورة اقتصادية وأمنية متزايدة.
وتؤكد التطورات أن العمليات اليمنية دفعت المملكة إلى البحث عن طرق شحن بديلة عبر باب المندب والبحر الأحمر، فيما أشارت تحليلات وتقارير حديثة إلى أن صنعاء حققت نفوذًا متزايدًا على طرق الشحن البديلة للسعودية.
الحصار لم يعد طريقاً باتجاه واحد
إن ما يحدث في صادرات أرامكو يقدم نموذجًا واضحًا لتحول ميزان الضغط: الحصار الذي أرادته الرياض سلاحًا ضد اليمن، بات سلاحًا يرتد على المصالح السعودية نفسها، فكل ناقلة تتردد في دخول البحر الأحمر، وكل مصفاة تبحث عن ميناء بديل، وكل شحنة تحتاج إلى مسار أطول وأكثر كلفة، تعني أن المعادلة التي أرادت السعودية فرضها على اليمن لم تعد مجانية بالنسبة إليها.
ومن منظور صنعاء، فإن الرسالة أبعد من النفط ذاته؛ فاليمن لن يقبل أن يبقى محاصرًا بينما تتحرك مصالح الطرف الذي يحاصره بصورة طبيعية وآمنة، ولهذا تكتسب معادلة ’’الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد’’ وزنها الاستراتيجي؛ لأنها تنقل المعركة من ساحة يتحمل فيها اليمن الكلفة وحده إلى ساحة تتأثر فيها المصالح الحيوية للخصم.
وبقدر ما تحاول الرياض الالتفاف على الضغط عبر ينبع والفجيرة وسيدي كرير والمسارات البحرية البديلة، بقدر ما تتأكد حقيقة جديدة فرضتها صنعاء: لم تعد السعودية قادرة على التعامل مع اليمن باعتباره الحلقة الأضعف، ولا مع البحر الأحمر باعتباره ممرًا آمنًا لمصالحها بمعزل عن موقف صنعاء وقدرتها على فرض قواعد اشتباك جديدة.
إنها معادلة واضحة: من يحاصر اليمن، سيجد نفسه أمام حصار مصالحه؛ ومن يصعّد على صنعاء، سيدفع ثمنًا في ساحته؛ ومن أراد فرض الحرب بالقوة، سيكتشف أن اليمن يمتلك من أوراق القوة ما يكفي لجعل كلفة العدوان أكبر من قدرة الرياض على تحملها.
