قراءة في المطامع السعودية التوسعية

سامي عطا

عندما يقرأ المرء تاريخ اليمن الحديث، يقف مذهولاً أمام حقيقة صادمة: أن اليمن، هذا البلد العريق الذي كان سبّاقاً في تأسيس الدول المركزية الحضارية، تحول على مر العقود إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية. وقد عبّر الدكتور محمد علي الشهاري في كتابه ” المطامع التوسعية السعودية في اليمن ” عن هذه المفارقة التاريخية بقوله إن اليمن كانت ” أسبق بلدان الجزيرة العربية في تأسيس الدول، بل وفي تأسيس الدول المركزية الحضارية “. غير أن هذا التميز الحضاري لم يحمها من أن تصبح هدفاً لمطامع توسعية، وكانت في مقدمتها المطامع السعودية التي ما فتئت تتربص باليمن منذ قيام الدولة السعودية الأولى.
جذور الصراع التاريخية، من عسير ونجران إلى معاهدة الطائف
يمتد الصراع اليمني – السعودي إلى عمق التاريخ، حيث تؤكد المصادر التاريخية أن حدود اليمن الجغرافية كانت تمتد ” إلى ميناء الليث في أقصى عسير تهامة، وأن عسير السراة وعسير تهامة كانتا جزءاً لا يتجزأ من اليمن عبر التاريخ كله “. ويضيف الشهاري أن ” إقليم نجران بواحاته كان أحد الأقاليم اليمنية التي تسكنها جماعات من (يام) التابعة لقبيلة (بكيل) اليمنية “. وتشكل قصة ” الأخدود ” التي وردت في القرآن الكريم، والتي كانت نجران ساحة لها، واحدة من الأدلة التاريخية على تبعية نجران لليمن.
لكن التحول الجذري بدأ مع ظهور الحركة الوهابية في نجد. فما إن استقرت هذه الحركة وتبنتها الأسرة السعودية، حتى ” أخذت تعد أبصارها نحو الحجاز واليمن “. وفي منتصف عام 1215هـ (نهاية القرن الثامن عشر)، أرسل عبدالعزيز بن محمد بن سعود حملة لإخضاع عسير السراة، بقيادة ربيع بن زيد، مدعومة من شيخي عسير الهازّين محمد وعبدالوهاب ابني عامر العسيري اللذين كانا قد اعتنقا العقيدة الوهابية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عسير السراة ” نقطة انطلاق للتوسع السعودي صوب عسير تهامة، وصوب تهامة اليمن كلها “.
الإدريسي بين المقاومة الوطنية والتبعية الاستعمارية
شكلت شخصية محمد علي الإدريسي علامة فارقة في تاريخ الصراع اليمني – السعودي. ففي عام 1907م، عاد الإدريسي إلى اليمن بعد دراسته في الأزهر، وبدأ نشاطه الديني في جامع الحديدة، ثم انتقل إلى صبيبا مسقط رأسه. وقد أدرك الإدريسي أن ” سكان عسير وتهامة كانوا يفتقرون إلى زعيم ديني ومنظم مكافح وقائد سياسي يستطيع توحيد كفاحهم ضد الأتراك “. وسرعان ما تحول إلى هذا الزعيم، حيث ” بايعته جماهير عريضة، كان عددها ينمو من يوم لآخر، وكان يأتي إلى مقره في صبيبا أريمة الآلاف “.
غير أن الإدريسي ارتكب خطأ فادحاً حين تحالف مع الإيطاليين ضد الأتراك، وهو ما أضعف موقفه الوطني. فقد أضرت المساعدة الإيطالية به أكثر مما أفادته، إذ ” فقد تعاطف كثرة كاثرة من مشائخ عسير السراة، بل فقد تعاطف كل سكان هذه المنطقة تقريباً “. وقد أدرك الإمام يحيى، الذي كان أبعد نظراً من الإدريسي، مخاطر التحالف مع القوى الاستعمارية، ورفض طلب الإيطاليين للتحالف ضده قائلاً: ” إنهم يتصورون كل شيء (يرونه أمامهم) قطعة من شحم “.
ويخلص الشهاري إلى أن ” طموح الإدريسي لتأسيس إمارة خاصة به في جزء من اليمن أدى إلى انشطار عملية الكفاح الوحيد، وبالتالي إلى إعاقة بناء دولة يمنية موحدة “. وهكذا، تحولت مقاومة الاحتلال العثماني إلى صراع إقليمي معقد.
معاهدة الطائف، هدنة أم خيانة ؟
في عام 1934م، وبعد حرب قصيرة بين المملكة اليمنية والمملكة العربية السعودية، تم توقيع معاهدة الطائف التي مثلت منعطفاً حاسماً في تاريخ العلاقات بين البلدين. وقد نصت المعاهدة على أن ” خط الحدود الذي يفصل بين بلدي كل من الفريقين الساميين المتعاقدين موضح بالتفصيل الكافي… ويعتبر هذا الخط حداً فاصلاً قطعياً بين البلاد التي تخضع لكل منهما “. وبموجب هذه المعاهدة، تنازل الإمام يحيى عن عسير ونجران وجيزان للمملكة العربية السعودية.
لكن هذه المعاهدة لم تكن مجرد تسوية حدودية، بل كانت ثمرة مؤامرة استعمارية – سعودية مشتركة. فقد لعبت بريطانيا العظمى دوراً محورياً في دفع ابن سعود نحو التوسع في اليمن، مستخدمة إياه ” لتفريغ عبدالعزيز القوي بأن يوجه من هناك رأس حربة ضد خصم البريطانيين العنيد الإمام يحيى “. ويصف الشهاري الموقف بوضوح: ” دفعت بريطانيا العظمى الإدريسي للانتقال من مركز الدفاع إلى مركز الهجوم، وشن الحرب ضد الإمام يحيى، من أجل أن تسترد الأراضي المفقودة “.
وقد أثار البيان اليمني – السعودي الصادر في 17 مارس 1973م، والذي أكد ” اعتبار الحدود بين بلديهما حدوداً فاصلة بصفة نهائية ودائمة “، موجة من الاحتجاجات الشعبية في اليمن.
فما كاد يذاع هذا البيان حتى ” انطلقت المظاهرات الطلابية وغير الطلابية في مدن اليمن الرئيسية، صنعاء وتعز والحديدة، التي طالبت بمحاكمة المجرمين، باعتبار أن التنازل عن عسير ونجران بصفة (نهائية ودائمة) عمل من أعمال الخيانة الوطنية العظمى “.
صراع الهويات والطوائف، الزيدية والوهابية
لا يمكن فهم الصراع اليمني – السعودي دون إدراك أبعاده المذهبية. فالصراع بين الزيدية والوهابية هو امتداد لصراع أعمق بين ” عرب جنوب الجزيرة العربية المتحضرين وأعراب شمالها البادية “. يكتب الشهاري عن هذا البعد قائلاً: ” كان ابن حميد الدين وابن سعود يدركان هذا التاريخ من الصراع الطويل بين نجد واليمن، بكل أشكاله وألوانه وظلاله المتعددة والقوية “.
وقد أدرك الإمام يحيى أن ” الكراهية القائمة بين الزيود والوهابيين ” تشكل سلاحاً يمكن توظيفه في المقاومة. ففي حرب 1934م، سحب جيشه من تهامة ونجران و”ركز الجيش في الهضبة الوسطى، وحول المركز إلى معركة بين طائفته الزيدية وبين الوهابيين الغزاة “. وكان يعرف ” عمق العداء بين اليمن ونجد، هذا العداء التاريخي القديم الذي اتخذ ألواناً متعددة عبر العصور”.
استمرار المطامع من م1934 إلى اليوم
ولم تتوقف المطامع السعودية في اليمن عند معاهدة الطائف، بل استمرت وتطورت. ففي الستينيات، دعمت السعودية الملكيين بعد ثورة 26 سبتمبر، وقدمت ” جميع أنواع الدعم العسكري والسياسي والمالي “. وتشير وثائق مسربة إلى أن السعودية ” تعاملت مع الشأن اليمني كحديقة خلفية وكوصي عليه بكل ما تعنيه الكلمة من معنى “، وأنها اعتمدت على ” صرف رواتب ومخصصات مالية للمئات من المشايخ والوجاهات والمسؤولين “.
ويذهب بعض المحللين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن ” تقسيم اليمن وتفتيته إلى كيانات ضعيفة كان هدفاً استراتيجياً طويل الأمد للنظام السعودي منذ تأسيسه في عام 1932م”. وقد تجلى هذا بوضوح في الحرب التي تشنها السعودية على اليمن منذ عام 2015م، والتي كشفت، وفقاً لمراقبين، أن ” ادعاءاتها لمناصرة الشرعية وعودتها ودحر الحوثيين ليست سوى غطاء للتموضع العسكري في اليمن “.
خلاصة / دروس من التاريخ
إن قراءة كتاب الدكتور محمد علي الشاري، واستعراض تاريخ الصراع اليمني – السعودي، تكشف عن حقائق مؤلمة. فاليمن، هذا البلد العريق، ظل طوال القرن العشرين وما بعده عرضة لمطامع توسعية، استخدمت فيها القوة مرة، والدبلوماسية مرة، والمال والنفوذ مرة ثالثة. وقد لعبت العوامل الخارجية، وخاصة بريطانيا العظمى، دوراً محورياً في تغذية هذه المطامع، مستغلة ضعف الدولة اليمنية وانقساماتها الداخلية.
لكن التاريخ يعلّمنا أيضاً أن اليمن، رغم كل المحن، ظل صامداً. فكما كتب الشهاري، ” جبال اليمن، أعقد من ذنب الشيب “، وقد أثبتت المقاومة اليمنية في صعدة في مايو 1934م أن ” قوى التحرير الشعبية اليمنية كبدت جيش العدو السعودي خسائر فادحة “. ويبقى السؤال المفتوح: هل ستتعلم الأجيال القادمة من دروس الماضي، أم ستظل اليمن رهينة للمطامع الإقليمية؟ الجواب، كما يبدو، مرتبط بقدرة اليمنيين على تجاوز انقساماتهم، وبناء دولة وطنية قوية قادرة على حماية سيادتها واستقلالها.
” إن هذه الحقيقة التاريخية والسلامة هي ما حاول دراستها، وبلورتها، والبرهنة عليها ” — الدكتور محمد علي الشهاري، في مقدمة كتابه.

قد يعجبك ايضا