مجرة الموقف العظيم: كيف نقش أمين الإنسانية أبجدية الحرية لصنعاء والعالم؟
محمد عبدالله الخربي
إطلالة اليقين وهيبة المحراب الدامي
ما كان للأرض أن تبتلع السماء، وما كان للصدى أن يخنق صوت الرعد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. حينما نتحدث عن الأمين العام الراحل لحزب الله، الشهيد الأممي الثائر السيد حسن نصر الله، فإننا لا نرثي غياباً عابراً في جغرافيا سياسية ممزقة، بل نؤبن زَمَناً بأكمله تجسد في جَسد، ونستحضر مَدرَسةً صاغت كرامة الأمة بدم الموقف وعمامة اليقين. لقد ملك هذا القائد الكوني كاريزما ربانية فريدة تتدفق بالصدق والشجاعة الحيدرية، فكانت إطلالته الباسمة عبر الشاشات بلسماً ينتظره المستضعفون في أصقاع الأرض لتبث فيهم روح الحرية واليقين، بينما كانت تلك العمامة السوداء والإصبع المرفوع صاعقة تزلزل عروش المستكبرين وتجبر الصهاينة على قراءة هزائمهم قبل وقوعها.
ثنائية الدم والتراب – عنان جبل عامل يشتبك بجبال اليمن الأبية
لم يكن الرابط بين المقاومة الإسلامية في لبنان واليمن مجرد تقاطع مصالح سياسية أو تكتيكات مرحلية، بل هو تلاحم عضوي مقدس معجون بالدم والنور والتراب. هنا تذوب المسافات وتتداخل التضاريس، لتشتبك صخور جبل عامل العتيدة في جنوب لبنان برؤوس جبال صعدة ونقم وعيبان الشامخة في اليمن. لقد صاغ السيد نصر الله مفهوماً جديداً لجغرافيا الدعم، متجاوزاً الحدود المصطنعة، حيث حوّل جراح أطفال اليمن إلى أوسمة يضعها على صدر خطاباته ومواقفه. هذا الاشتباك الروحي والجهادي جعل اليمنيين يشعرون في كل مواجهة بأن جبهة الضاحية هي ذاتها جبهة صنعاء، وأن الدم الذي يسيل في الوديان اللبنانية هو النهر الطاهر الذي يغسل غبار الخذلان الدبلوماسي والعروبي عن هامات الأحرار.
الثمن الباهظ للتضامن والوفاء المتبادل مع صنعاء
حين انطلقت الحرب على اليمن في مارس 2015، وطُوقت الألسنة والضمائر العربية والدولية بالخوف والصمت المطبق، انبرى السيد حسن نصر الله كالصوت الأوحد والأقوى في تفكيك سرديات الباطل وفضح الإبادة الممنهجة ضد الشعب اليمني. تشير الوثائق الميدانية إلى أن الملف اليمني كان محوراً أساسياً في أكثر من 45 خطاباً استراتيجيا له، بل أعلن كلمته الخالدة التي يتردد صداها اليوم كوثيقة شرف: «لو كان لي أن أكون مقاتلاً من مقاتليكم، لتشرفت بأن أقف تحت راية قائدكم الشجاع، ولأكون بين أيديكم في جبهاتكم». ولم يكن هذا الوفاء مجانياً، بل دفع السيد والمقاومة مقابله أثماناً باهظة وعاصفة:
• على المستوى الإقليمي والدولي: فرضت القوى الإستكبارية حصاراً اقتصادياً وسياسياً خانقاً ومباشراً على المقاومة، وتم إدراجها في قوائم الإرهاب والتضييق على منابرها الدبلوماسية والإعلامية كعقاب علني على صرختها الرافضة لحصار صنعاء.
• على المستوى الداخلي اللبناني: شنت القوى المحلية والإقليمية المناوئة أشرس حملات التحريض السياسي والأمني بهدف إحراج المقاومة وإشعال الجبهة الداخلية ضد بيئتها الحاضنة، ومع ذلك رفض السيد المساومة، مؤكداً أن كرامة اليمن وأطفاله تفوق كل الحسابات والمكاسب السياسية الضيقة، وظل متمسكاً بهذا الدعم الإنساني حتى رمقه الأخير.
الصبغة الكونية والأممية – عباءة العالِم ومحراب القديس الثائر
يتجاوز إرث السيد حسن نصر الله كل التصنيفات المحلية والإقليمية ليتبوأ موقعه الطبيعي في صدارة رموز التحرر الأممي الحديث في التاريخ الإنساني، جنباً إلى جنب مع أساطير النضال ضد الاستعمار والتمييز العنصري مثل تشي جيفارا ونيلسون مانديلا. لكن الفرادة المطلقة التي اختص بها السيد هي صبغته الأممية المعجونة بالعمق الروحي والإيماني؛ فهو لم يقد حركة تحرر وطنية جافة، بل كان عالماً فقيهاً يرتدي عمامة الموقف الشجاع، وينطلق من محراب الصلاة ليرسم خطوط الدفاع عن المظلومين في أفريقيا وآسيا وفلسطين واليمن دون التفات لعرق أو هوية، واضعاً المبادئ الإنسانية فوق لغة المصالح والموازنات الإستراتيجية الدولية.
أنسنة الشخصية الثائرة – دموع القائد وحنان العمامة الحنونة
خلف تلك المهابة العسكرية العظمى والبأس الميداني الذي زلزل أعتى المنظومات الأمنية في العالم، كامن قلب إنساني فياض يفيض رحمة وعاطفة وأبوة. ولا تزال الذاكرة الجمعية للأحرار تحتفظ بتلك النبرات الوجدانية الباكية والدموع الصادقة التي غلبت السير العسكري للسيد وهو يتحدث بحرقة وألم عن صمود أطفال اليمن تحت ركام الحصار والتجويع. لقد كان السيد نصر الله التجسيد الأسمى للتباين البلاغي الإنساني، حيث أثبت للعالم أن المقاومة ليست مجرد قذائف وصواريخ صماء، بل هي رسالة أخلاقية لحماية المستضعفين، وأن يد القائد التي تضغط على زناد الصواريخ دكاً لحصون المستكبرين، هي ذاتها اليد الرؤوم التي تمسح دموع الثكالى وتواسي المظلومين والفقراء.
التجلي الروحي وصدق النبوءة
تتحول دماء السيد نصر الله التي ارتقت في سبتمبر 2024 إلى كمين إستراتيجي للمستكبرين؛ فالجسد غاب لتولد الفكرة التي تتكاثر في نفوس المقاتلين. وتتجسد نبوءاته المبكرة منذ عام 2015، حين حذر آل سعود من الانزلاق في رمال اليمن مؤكداً حتمية الانتصار اليماني، لترتسم اليوم واقعاً مشهوداً تترجمه القوات المسلحة اليمنية حرفياً عبر معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.
لقد امتدت هذه المعادلات لتفرض حصاراً ملاحياً شاملاً في البحر الأحمر وباب المندب والمحيط الهندي ضد سفن الأعداء، مما شل حركة التجارة الصهيونية وأدى لإعلان إفلاس ميناء إيلات رسمياً وتراجع نشاطه بنسبة 85%. ولم يتوقف الردع عند هذا الحد، بل تجلى في كسر وهزيمة التحالف الأمريكي البريطاني أمام الضربات اليمنية المسددة، مما اضطر واشنطن للبحث عن تفاهمات والهروب بجلدها لحماية ما تبقى من هيبتها البحرية. إن هذه الانتصارات الكبيرة والدك المستمر لعمق قوى العدوان يثبت للعالم أن روح السيد ما زالت تقاتل في الميدان، وأن كل صاروخ ومسيرة تنطلق من صنعاء تحمل إمضاء فكره الشجاع وتوقيع يده التي أبت أن تسلم الراية.
الخلاصة والاتحاد الروحي الأبدي
إن القيمة النوعية التي تركها هذا الثائر الأممي الخالد تتجاوز الخطط القتالية العادية إلى صياغة «إنسان الموقف» الذي لا ترهبه التهديدات ولا تغريه الترغيبات. لم يورث نصر الله خلفه نظريات جافة، بل أورث أمة عابرة للساحات ومحوراً ممتداً استطاع تحويل المظلومية التاريخية إلى طاقة حركية تسحق أساطيل الأعداء وتهز عروش المستكبرين. غاب الجسد الطاهر عن الأنظار، لكن روحه وفكره ترسخا في عقيدة وبندقية كل قناص وموجه مجاهد يرابط على ثغور المجد.
الخاتمة: فليسجد من شاء.. فإنا قائمون
علمتنا مدرسة الحكمة والإيمان أن «الحق دولة والباطل جولة»، وإذا كان العالم المنبطح قد سجد يوماً للظالم خوفاً من سوطه أو طمعاً في فتاته العابر، فإن صنعاء الأبية التي عشقَت هذا الأمين الصادق وعمدت وفاءها له بالدم الزكي، أقسمت ألا تنحني جباؤها إلا لرب السماوات والأرض. رحل السيد نصر الله شامخاً كأرز لبنان، صامداً كصخور جبال نقم وعيبان، وترك خلفه جيلاً من الفرسان لا يبيعون ولا يشترون في سوق المساومات والتنازلات. ستظل عمامته الشريفة رايتنا المرفوعة، وصوته دليلنا الأوحد في ظلمات الطريق، وسيكتب التاريخ البشري أن الأمة التي أنجبت هذا الثائر الكوني لن تهزم أبداً، وأن دمه الطاهر سيبقى المنارة التي تضيء دروب الكرامة والحرية حتى نلتقي محتفلين بالنصر الأكبر والصلاة في باحات المسجد الأقصى الشريف.
