عجزتم عن حُكم عدن فكيف ستصلون إلى صنعاء؟

محمد علي اللوزي

ما زالت جماعة ما يسمى “الشرعية “تعيش على وهم أن السعودية ستعيدها إلى الحكم في صنعاء، وكأن المسألة مجرد قرار مؤجل من الرياض، أو أن عودة السلطة إلى صنعاء تحتاج فقط إلى مزيد من الانتظار حتى تأتي اللحظة التي تقرر فيها السعودية أن تمنحها مفاتيح الدولة.
لكن السؤال الذي يتهربون منه باستمرار هو: ما الذي منع السعودية طوال كل هذه السنوات من إعادتكم حتى إلى عدن، وهي المدينة التي تقع ضمن مناطق نفوذ حلفائكم، وتنتشر فيها القوى والتشكيلات العسكرية والسياسية التي تقولون أنها جزء من مشروعكم؟ إذا كانت السعودية عاجزة عن إعادتكم إلى عدن، فكيف يمكن لها أن تعيدكم إلى صنعاء التي لا تملك فيها السيطرة المباشرة ولا تستطيع أن تفرض فيها واقعا سياسيا وعسكريا مستقرا لمصلحة من تراهنون عليهم؟
هذه ليست مسألة تفصيلية يمكن تجاوزها بالشعارات، بل هي جوهر المشكلة كلها.
فمن يعجز، أو لا يريد أن يعيدكم إلى عدن، لن يعيدكم إلى صنعاء البعيدة عليه. ومن يملك القدرة على التأثير في المشهد اليمني طوال هذه السنوات، ثم يترك حلفاءه موزعين بين المنافي والفنادق والعواصم، غير قادرين حتى على ممارسة سلطة فعلية في المناطق التي يفترض أنها تحت نفوذهم، لا يمكن أن تقدم وعوده باعتبارها مشروعا وطنيا لاستعادة الدولة.
لقد طال الانتظار، وتحول الانتظار إلى حالة سياسية دائمة. كلما فشل مشروع، قيل أن الحل قادم. وكلما تغيرت التحالفات، قيل أن الظروف لم تنضج بعد. وكلما تراجعت الوعود، جرى البحث عن مبررات جديدة. وفي النهاية أصبح مستقبل اليمن بالنسبة إلى هذه الجماعة مرتبطا بما تريده الرياض، وما تسمح به الرياض، وما تقرره الرياض، وهنا تكمن المعضلة الكبرى.
فالدولة التي تنتظر عودتها بقرار من الخارج لا تستطيع أن تقدم نفشها باعتبارها مشروعا لاستعادة السيادة. والقيادة التي تستمد شرعيتها العملية من دعم دولة أخرى، وتربط مستقبلها السياسي والعسكري والاقتصادي بموقفها، تجد نفسها تدريجيا أسيرة لإرادة تلك الدولة، مهما حاولت تغطية ذلك بشعارات السيادة والاستقلال.
نحن أمام تجربة امتدت سنوات طويلة، ولم يعد من المنطقي التعامل معها باعتبارها مرحلة مؤقتة. لقد كشفت السنوات الماضية حقيقة سياسية واضحة أنه لا توجد قوة خارجية تستطيع أن تصنع دولة يمنية مستقرة نيابة عن اليمنيين، ولا يمكن بناء مستقبل اليمن على أساس انتظار تدخل إقليمي يعيد فريقا إلى السلطة ويقصي فريقا آخر.
السعودية ليست مؤسسة يمنية، وليست صاحبة حق في تحديد من يحكم اليمن. ومهما كان حجم نفوذها الإقليمي، فإن مستقبل اليمن ينبغي أن يقرره اليمنيون، لا غرف القرار في الرياض أو غيرها.
والأخطر من ذلك أن الاستمرار في التعويل على الخارج يعطل ظهور مشروع سياسي يمني حقيقي. فعندما تصبح الرياض هي مصدر الأمل، يصبح التفاوض معها أهم من التفاوض مع اليمنيين. وعندما تصبح العودة إلى السلطة مرتبطة بالدعم الخارجي، يصبح الحفاظ على العلاقة مع الخارج مقدما على بناء التوافق الداخلي. وعندما يصبح الرهان على القوة الخارجية هو البديل عن الإقناع السياسي والشراكة الوطنية، يتحول السياسي من صاحب مشروع إلى مجرد منتظر للقرار.
وهذا هو السبب الذي يجعل السؤال عن عدن أكثر إحراجا من السؤال عن صنعاء.
لماذا لم تعد “الشرعية” إلى عدن؟ لماذا لم تستطع، طوال هذه السنوات، أن تبني سلطة مستقرة في المدينة التي يفترض أنها عاصمتها المؤقتة؟ لماذا بقيت القوى التي يفترض أنها حليفة لها في صراع وتنافس مستمر؟ ولماذا لم تتحول كل المساعدات والدعم والتدخلات الإقليمية إلى سلطة يمنية مستقرة تستطيع أن تحكم المناطق الواقعة تحت نفوذها؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب طويلة، بل تحتاج إلى إجابات صريحة.
فإذا كانت المشكلة هي صنعاء فقط، فلماذا لم تنجحوا في بناء نموذج حكم ناجح في المناطق التي تسيطرون عليها؟ وإذا كنتم تملكون مشروعا وطنيا حقيقيا، فلماذا بقي هذا المشروع معلقا على إرادة الخارج؟ وإذا كنتم تقولون إنكم تمثلون الدولة اليمنية، فلماذا لم تتحول هذه الدولة إلى واقع ملموس يستطيع المواطن أن يلمسه في حياته اليومية؟
لا يمكن لمن يفشل في إدارة الحاضر أن يطلب من الناس أن يصدقوا وعوده بإدارة المستقبل.
ولا يمكن لمن جعل الخارج سندا دائما أن يقنع اليمنيين بأنه قادر على حماية سيادتهم.
إن الطريق أمام ما يسمى بالشرعية، إذا أرادت فعلا أن تتحول من جماعة تنتظر العودة إلى سلطة سياسية حقيقية، يبدأ من مراجعة شاملة وصريحة لمسارها. عليها أن تتخلى عن عقلية الوصاية الخارجية والارتزاق، وأن تعيد تعريف علاقتها بالدول الإقليمية على أساس المصالح المتبادلة والاحترام الكامل للسيادة اليمنية، لا على أساس التبعية والارتهان.
وعليها كذلك أن تدرك أن اليمن لن يستقر بالحرب المفتوحة، ولن يعود إلى وضعه الطبيعي عبر الاستقواء بالخارج، ولن تنهض الدولة من خلال تجميع الفصائل المسلحة المتعددة الجنسيات تحت عناوين متعددة.
الحل الحقيقي هو الدخول في سلام شامل بين اليمنيين، لا سلام انتقائي يهدف إلى إعادة طرف إلى السلطة وإقصاء طرف آخر. سلام يقوم على الشراكة الوطنية، ووقف الحرب، وإنهاء التدخلات الخارجية، وفتح الطريق أمام بناء مؤسسات دولة يمنية مستقلة، يكون قرارها نابعا من الداخل لا مفروضا من الخارج.
أما الاستمرار في انتظار معجزة من الرياض، فهو ليس مشروعا سياسيا حقيقيا، بل اعتراف صريح بالعجز عن إنتاج مشروع يمني مستقل وهو أيضا خيانة وطن وحياة. ومن لا يستطيع أن يصنع قرارا وطنيا مستقلا، لا يستطيع أن يقنع الناس بأنه مؤهل لقيادة دولة مستقلة.
لقد أثبتت السنوات أن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الوكلاء، بل يحتاج إلى رجال دولة. ولا يحتاج إلى مزيد من الارتهان، بل إلى استعادة قراره الوطني. ولا يحتاج إلى صراع دائم على السلطة، بل إلى عقد سياسي جديد يضع مصلحة اليمن فوق مصالح الخارج ومصالح الجماعات والأفراد.
ومن هنا فإن الطريق أمام ما يسمى بالشرعية، إن أرادت أن تكون جزءا من مستقبل اليمن، ليس في انتظار مزيد من الدعم الخارجي، ولا في البحث عن معركة جديدة تعيدها إلى صنعاء، وإنما في التخلي عن التبعية والارتهان، والابتعاد عن العمالة والارتزاق السياسي والعسكري، والقبول بسلام شامل يمني يمني، يعيد الاعتبار لسيادة اليمن واستقلال قراره.
أما من ثبت تورطه في الخيانة أو الإضرار المتعمد بمصالح اليمن أو التعاون مع الخارج على حساب الوطن، فالمكان الطبيعي لمحاسبته هو القضاء اليمني، وفق القانون والأدلة والعدالة، لا منطق الانتقام ولا تصفية الحسابات السياسية.
اليمن لا يحتاج إلى حاكم تعيده عاصمة خارجية، ولا إلى جماعة تنتظر قرارا إقليمياً كي تبدأ ممارسة دورها. اليمن يحتاج إلى قيادة تستمد قوتها من شعبها، وشرعيتها من إرادة اليمنيين، وقرارها من مصالح اليمن، وتضع السيادة والاستقلال فوق كل اعتبار.
فمن أراد قيادة اليمن عليه أولا أن يؤمن باليمن، أما أن يبقي مستقبل اليمن معلقا على ما تريده الرياض، ثم يطلب من اليمنيين أن يصدقوا أن هذا هو طريق استعادة السيادة، فذلك تناقض لا يمكن إخفاءه مهما كثرت الشعارات.

قد يعجبك ايضا