الثورة
/ هاشم السريحي
كشفت دراسة بحثية حديثة عن إمكانية توظيف مشاريع التخرج المعمارية في الجامعات اليمنية كمصدر منخفض التكلفة لإنتاج توثيق مبدئي للتراث المعماري المهدد، خصوصًا في ظل ما تواجهه المواقع التراثية من مخاطر النزاع والتدهور، ومحدودية الموارد البشرية والتقنية المخصصة لحمايتها.
وخلصت الدراسة، التي أعدها الباحث أشرف علي الكبسي بعنوان «دور مشاريع التخرج المعمارية في التوثيق المبدئي للتراث في سياقات النزاع: الحالة اليمنية»، إلى أن الجامعات اليمنية تمتلك موردًا معرفيًا واعدًا لا يزال غير مستثمر بالشكل الكافي، يتمثل في آلاف المخرجات الأكاديمية التي يمكن، عند تأطيرها وفق معايير واضحة، أن تسهم في سد جزء من فجوة المعلومات المتعلقة بالمواقع والمباني التراثية المهددة.
واعتمدت الدراسة المنشورة في مجلة جامعة فلسطين الأهلية للبحوث والدراسات، منهجًا استكشافيًا تحليليًا ضمن إطار بحث نوعي، من خلال تحليل محتوى عينة قصدية من مشاريع التخرج ذات البعد التراثي، وإجراء مقابلات شبه مهيكلة مع أكاديميين وطلبة ومتخصصين في التراث، إلى جانب مقارنة النتائج بالمعايير والتجارب الدولية ذات الصلة بالتوثيق المعماري في حالات الطوارئ والنزاع.
وشملت العينة 14 مشروعًا معماريًا تناولت مواقع أو مباني تراثية في الجامعات اليمنية خلال الفترة التقريبية 2020–2025. وأظهر تحليلها أن جميع المشاريع تضمنت شكلًا من أشكال التوثيق، إلا أن مستوى الجودة والاكتمال تفاوت بصورة واضحة؛ إذ قدمت 4 مشاريع توثيقًا شاملًا، بينما جاءت 6 مشاريع في مستوى متوسط، في حين اقتصر التوثيق في 4 مشاريع على جوانب عرضية أو ضعيفة ركزت بدرجة أكبر على التصميم المقترح من توثيق الوضع القائم. ولم يتجاوز عدد المشاريع التي قدمت توثيقًا شاملًا 29 % من إجمالي العينة.
وعند مقارنة المخرجات بالحد الأدنى لمعايير التوثيق المبدئي، تبين أن 8 مشاريع، أي 57 % من العينة، حققت الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لتوثيق مبدئي موثوق، فيما كانت 4 مشاريع، بنسبة 29 %، ناقصة في عنصر واحد على الأقل، غالبًا ما يتعلق بتحديد المواد أو توثيق الحالة الإنشائية، بينما لم تكن مشروعان، بنسبة 14 %، صالحين كتَوثيق مبدئي بسبب اعتمادهما على رسومات تخيلية غير دقيقة.
وأظهرت الدراسة أن من أبرز نقاط القوة في أعمال الطلبة الاهتمام بالتفاصيل المعمارية المحلية، بما في ذلك الزخارف والعناصر الفريدة، إلى جانب دمج المعلومات التاريخية والاجتماعية وفهم العلاقة بين المبنى ومحيطه العمراني. في المقابل، برزت ثغرات في توثيق الحالة الإنشائية، والتشققات والتدهور، فضلًا عن ضعف التصوير الفوتوغرافي المنهجي وعدم توثيق الإضافات والتعديلات التي طرأت على المباني بمرور الزمن.
وفي جانب آخر، كشفت المقابلات عن غياب شبه تام للتبني المنهجي لمنهجية التعلم القائم على الخدمة في مشاريع التخرج، رغم ظهور ممارسات فردية تحمل بعض سماته؛ إذ أظهر مشروعان من أصل 14 شراكة واضحة مع المجتمع المحلي، فيما استجابت خمسة مشاريع لحاجات مجتمعية ملحة، بينها توثيق مبانٍ مهددة بالانهيار أو القصف.
ووجدت الدراسة أن المشاريع التي تضمنت عناصر من التعلم القائم على الخدمة أظهرت مستويات أعلى من القصدية المنهجية، والوعي بالقيمة التراثية، وقابلية الاستخدام المجتمعي مقارنة بالمشاريع المنجزة ضمن الإطار الأكاديمي التقليدي، مع التأكيد على أن هذه العلاقة لا تثبت، في ظل طبيعة الدراسة، علاقة سببية مباشرة.
وترى الدراسة أن مشاريع التخرج لا يمكن أن تحل محل التوثيق المهني المتخصص، لكنها تستطيع أن تمثل طبقة أولى من التوثيق القابل للتطوير، بما يساعد على تقليص فجوة المعلومات ودعم الأرشفة والتخطيط والاستجابة الأولية لحماية المواقع التراثية المهددة في البيئات الهشة. وتشير النتائج إلى أن أكثر من نصف المشاريع يمكن أن تشكل نواة لهذا النوع من التوثيق، شريطة توفير معايير تقييم واضحة، وأدوات رقمية بسيطة، وآليات مؤسسية تربط مخرجات الطلبة بالجهات المعنية بالتراث.
وتحدد الدراسة جوهر المشكلة في غياب منظومة مؤسسية تربط التعليم المعماري باحتياجات حماية التراث، وليس فقط في قدرات الطلبة أو الإمكانات المتاحة لهم. وترى أن تحويل الاستوديو المعماري من فضاء تعليمي مغلق إلى منصة لإنتاج المعرفة المجتمعية يتطلب أدلة منهجية واضحة، وتوسيع استخدام الأدوات الرقمية منخفضة التكلفة، وتفعيل التعاون بين الجامعات والجهات المختصة.
وفي هذا السياق، أوصت الدراسة بتطوير أدلة منهجية لتوثيق التراث ضمن مشاريع التخرج، وإدماج التعلم القائم على الخدمة بصورة مؤسسية، وتعزيز تدريب الطلبة على الأدوات الرقمية منخفضة التكلفة، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية رقمية لمخرجات المشاريع التراثية وفق معايير أرشفة موحدة، فضلًا عن تشكيل آليات تنسيق مشتركة مع الجهات المعنية بالتراث، وتحديث المناهج الأكاديمية، وتطوير برامج دراسات عليا متخصصة. كما دعت إلى توجيه الأبحاث المستقبلية نحو دراسة أوسع لتأثير التعلم الخدمي، واستكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والواقع الافتراضي في تحسين توثيق التراث.
وتخلص الدراسة إلى أن مشاريع التخرج المعمارية، إذا ما أُحسن توجيهها ضمن إطار تربوي ومنهجي واضح، يمكن أن تتجاوز كونها متطلبًا أكاديميًا مؤقتًا لتصبح أداة معرفية ومجتمعية تسهم في حماية الذاكرة المكانية والهوية الثقافية، وتعزز دور الجامعات في صون التراث المعماري، خصوصًا في المجتمعات الهشة والمتأثرة بالأزمات.
