حين غادرنا الأرض

مراد راجح شلي

נالحلقة الثالثة :
من «الرحلة التي كان يفترض ألا تصل»
مذكرات سرد ذاتي من داخل ملحمة رحلة الوفد الوطني التاريخية .. شهادة حية من قلب رحلة الطائرة التي كان يفترض ألا تصل .
دوى النداء الداخلي في صالة المطار معلناً التوجه إلى بوابة المغادرة. كانت تلك اللحظة إيذاناً بانتهاء آخر خيط يربطني بالأرض ، وبداية فصل جديد من الرحلة التي لم تكن تشبه أي رحلة أخرى.
ودعت أحمد وطفله علي وحكايتهم الموجعة ، ثم وجدتني أودع تراب بلادي مع أول درجة صعدتها في سلم الطائرة، بينما كان كمال ومصطفى يسبقاني إلى الداخل، وكأننا نعبر معاً بوابة بين عالمين.
كانت تلك المرة الأولى التي أدخل فيها طائرة.
كنت أتأملها بعين طفل قروي منبهر يرى هذه المعجزة العلمية للمرة الأولى .
جلست إلى جوار النافذة ، وإلى جانبي كمال الذي لم يخفَ عليه حجم دهشتي .
أردت أن أجرب كل شيء أزرار التهوية ..المصابيح الطاولة الصغيرة المثبتة أمامي ، وحتى حزام الأمان الذي أربكني أكثر مما أربكني السفر نفسه. كان كمال يبتسم وهو يعلمني بهدوء، وكأنه يرافق طفلًا يكتشف العالم لأول مرة .
بدأت الطائرة تتحرك ببطء فوق المدرج .
كنت أراقب العجلات وهي تمضي بسرعة عادية ثم التفت إلى كمال وسألته ببراءة: متى ستنطلق اسرع كما نشاهدها في الأفلام ؟
ابتسم وقال: اصبر قليلاً وما هي إلا لحظات حتى اندفعت بقوة ثم انفصلت عن الأرض وإذا بالعالم كله يتراجع إلى الأسفل بينما كنت أحدق بدهشة لا تشبهها دهشة .
رغم روعة المشهد، لم يكن الخوف بعيداً عن قلبي. كيف يمكن لإنسان أن يجد نفسه معلقاً على ارتفاع شاهق داخل هيكل معدني ضخم؟
ظللت ملتصقاً بمقعدي أقرأ ما أحفظ من القرآن والأدعية ، وكأن الكلمات وحدها كانت تمنحني الطمأنينة وسط ذلك الفراغ الهائل .
مع مرور الوقت بدأت رهبة التجربة تخف شيئاً فشيئاً نهض بعض المسافرين من مقاعدهم . فشجعت نفسي على الحركة .. أخذت أتأمل وجوه الركاب ، وأكتشف ذلك التنوع الجميل الذي جمع أعضاء الوفد من مختلف المحافظات والانتماءات، وكأن اليمن كله كان حاضراً في تلك الطائرة.
سألت كمال عن مصطفى فأخبرني أن مقعده بعيد عنا.
عدت إلى نافذتي ، وأخرجت هاتفي أصور الأرض التي بدت من الأعلى كلوحة بعيدة، تتناثر تفاصيلها الصغيرة حتى بدت المدن والبيوت كعلب داكنة متراصة . سجلت مقطعًا قصيرًا، وناديت ابني طه بعفوية: «يا طه… لو رأيت ما أراه الآن «
بعد نحو ساعة ونصف طلب منا طاقم الطائرة ربط أحزمة الأمان من جديد ثم قُدمت لنا وجبة بسيطة من الخبز الأسمر والجبن والخضروات والطحينية وعصير البرتقال. ربما لم تكن وجبة استثنائية، لكنها بالنسبة لي كانت لذيذة فقد كان الجوع قد سبقها .
وما إن انتهينا من الطعام حتى أمسك أحد أعضاء الوفد الرسمي بالميكروفون الداخلي للطائرة، وألقى كلمة قصيرة تحدث فيها عن أهمية هذه الرحلة ، وعن محاولات منعها من الإقلاع، وعن إدراك الجميع أننا لا نسافر في مهمة عادية، بل في مهمة وطنية مقدسة تحمل من الرمزية ما يفوق المسافة التي نقطـعها في السماء .
انتهت كلمته لكن الصمت الذي أعقبها كان أبلغ من كل الكلمات. كل واحدٍ منا غرق في أفكاره، وكأن الطائرة لم تعد تحمل ركاباً، بل تحمل ذاكرة وطن بأكمله .
في تلك اللحظات عاد إلى ذهني صوت شيخ يمني مسن قالها يوم استمع لإعلان السيد القائد الاستعداد لهذه المرحلة المفصلية.. لمعركة الخلاص وانهاء العدوان :
– قدوه وقتهم أمانة ..
قالها بوعي شيخ أنهكته السنوات، لكنه لم يفقد يقينه بأن للظلم ساعة، وللعدل موعداً.
كان اليمنيون جميعاً يعيشون حالة انتظار مختلفة. لم تكن انتظارا للخوف، بل انتظارا للحظة يظنون أنها ستعيد للتاريخ توازنه. فثمة جراح لم تندمل، وديون من الألم لم تُسدّد، وذاكرة مثقلة باثني عشر سنة من الحرب والحصار والدمار.
اثناعشر سنة تغيّرت فيها ملامح المدن، وسقطت المدارس والمستشفيات والجسور والمنازل، وامتلأت البيوت بصور الغائبين، وامتلأت القلوب بفراغ لا يملؤه سوى العدالة.
أثنى عشر سنة من الحصار والتجويع والحرمان، ومن محاولات كسر إرادة شعب لم يتوقف عن الوقوف.
أثنى عشر سنة فقد فيها اليمن خيرة رجاله، وقادته، وآلافاً من أبنائه، بينما استمرت المؤامرات بأشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وظل اليمنيون يحملون في داخلهم سؤالاً واحداً: هل يأتي اليوم الذي يدفع فيه المعتدي ثمن ما اقترفت يداه؟
كنت غارقاً في هذه الدوامة من الأفكار، حتى قطعها صوت قائد الطائرة عبر الميكروفون وهو يعلن بهدوء :
– لقد دخلنا الأجواء الإيرانية، ووصلنا إلى وجهتنا
حينها أدركت أن الرحلة لم تنتهي بعد … بل إن فصولها الجديدة على وشك أن تبدأ .
يتبع . . .

غادرنا الأرض

 

مراد راجح شلي

الحلقة الثالثة :

من «الرحلة التي كان يفترض ألا تصل»

مذكرات سرد ذاتي من داخل ملحمة رحلة الوفد الوطني التاريخية .. شهادة حية من قلب رحلة الطائرة التي كان يفترض ألا تصل .

دوى النداء الداخلي في صالة المطار معلناً التوجه إلى بوابة المغادرة. كانت تلك اللحظة إيذاناً بانتهاء آخر خيط يربطني بالأرض ، وبداية فصل جديد من الرحلة التي لم تكن تشبه أي رحلة أخرى.

ودعت أحمد وطفله علي وحكايتهم الموجعة ، ثم وجدتني أودع تراب بلادي مع أول درجة صعدتها في سلم الطائرة، بينما كان كمال ومصطفى يسبقاني إلى الداخل، وكأننا نعبر معاً بوابة بين عالمين.

كانت تلك المرة الأولى التي أدخل فيها طائرة.

كنت أتأملها بعين طفل قروي منبهر يرى هذه المعجزة العلمية للمرة الأولى .

جلست إلى جوار النافذة ، وإلى جانبي كمال الذي لم يخفَ عليه حجم دهشتي .

أردت أن أجرب كل شيء أزرار التهوية ..المصابيح الطاولة الصغيرة المثبتة أمامي ، وحتى حزام الأمان الذي أربكني أكثر مما أربكني السفر نفسه. كان كمال يبتسم وهو يعلمني بهدوء، وكأنه يرافق طفلًا يكتشف العالم لأول مرة .

بدأت الطائرة تتحرك ببطء فوق المدرج .

كنت أراقب العجلات وهي تمضي بسرعة عادية ثم التفت إلى كمال وسألته ببراءة: متى ستنطلق اسرع كما نشاهدها في الأفلام ؟

ابتسم وقال: اصبر قليلاً وما هي إلا لحظات حتى اندفعت بقوة ثم انفصلت عن الأرض وإذا بالعالم كله يتراجع إلى الأسفل بينما كنت أحدق بدهشة لا تشبهها دهشة .

رغم روعة المشهد، لم يكن الخوف بعيداً عن قلبي. كيف يمكن لإنسان أن يجد نفسه معلقاً على ارتفاع شاهق داخل هيكل معدني ضخم؟

ظللت ملتصقاً بمقعدي أقرأ ما أحفظ من القرآن والأدعية ، وكأن الكلمات وحدها كانت تمنحني الطمأنينة وسط ذلك الفراغ الهائل .

مع مرور الوقت بدأت رهبة التجربة تخف شيئاً فشيئاً نهض بعض المسافرين من مقاعدهم . فشجعت نفسي على الحركة .. أخذت أتأمل وجوه الركاب ، وأكتشف ذلك التنوع الجميل الذي جمع أعضاء الوفد من مختلف المحافظات والانتماءات، وكأن اليمن كله كان حاضراً في تلك الطائرة.

سألت كمال عن مصطفى فأخبرني أن مقعده بعيد عنا.

عدت إلى نافذتي ، وأخرجت هاتفي أصور الأرض التي بدت من الأعلى كلوحة بعيدة، تتناثر تفاصيلها الصغيرة حتى بدت المدن والبيوت كعلب داكنة متراصة . سجلت مقطعًا قصيرًا، وناديت ابني طه بعفوية: «يا طه… لو رأيت ما أراه الآن «

بعد نحو ساعة ونصف طلب منا طاقم الطائرة ربط أحزمة الأمان من جديد ثم قُدمت لنا وجبة بسيطة من الخبز الأسمر والجبن والخضروات والطحينية وعصير البرتقال. ربما لم تكن وجبة استثنائية، لكنها بالنسبة لي كانت لذيذة فقد كان الجوع قد سبقها .

وما إن انتهينا من الطعام حتى أمسك أحد أعضاء الوفد الرسمي بالميكروفون الداخلي للطائرة، وألقى كلمة قصيرة تحدث فيها عن أهمية هذه الرحلة ، وعن محاولات منعها من الإقلاع، وعن إدراك الجميع أننا لا نسافر في مهمة عادية، بل في مهمة وطنية مقدسة تحمل من الرمزية ما يفوق المسافة التي نقطـعها في السماء .

انتهت كلمته لكن الصمت الذي أعقبها كان أبلغ من كل الكلمات. كل واحدٍ منا غرق في أفكاره، وكأن الطائرة لم تعد تحمل ركاباً، بل تحمل ذاكرة وطن بأكمله .

في تلك اللحظات عاد إلى ذهني صوت شيخ يمني مسن قالها يوم استمع لإعلان السيد القائد الاستعداد لهذه المرحلة المفصلية.. لمعركة الخلاص وانهاء العدوان :

– قدوه وقتهم أمانة ..

قالها بوعي شيخ أنهكته السنوات، لكنه لم يفقد يقينه بأن للظلم ساعة، وللعدل موعداً.

كان اليمنيون جميعاً يعيشون حالة انتظار مختلفة. لم تكن انتظارا للخوف، بل انتظارا للحظة يظنون أنها ستعيد للتاريخ توازنه. فثمة جراح لم تندمل، وديون من الألم لم تُسدّد، وذاكرة مثقلة باثني عشر سنة من الحرب والحصار والدمار.

اثناعشر سنة تغيّرت فيها ملامح المدن، وسقطت المدارس والمستشفيات والجسور والمنازل، وامتلأت البيوت بصور الغائبين، وامتلأت القلوب بفراغ لا يملؤه سوى العدالة.

أثنى عشر سنة من الحصار والتجويع والحرمان، ومن محاولات كسر إرادة شعب لم يتوقف عن الوقوف.

أثنى عشر سنة فقد فيها اليمن خيرة رجاله، وقادته، وآلافاً من أبنائه، بينما استمرت المؤامرات بأشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وظل اليمنيون يحملون في داخلهم سؤالاً واحداً: هل يأتي اليوم الذي يدفع فيه المعتدي ثمن ما اقترفت يداه؟

كنت غارقاً في هذه الدوامة من الأفكار، حتى قطعها صوت قائد الطائرة عبر الميكروفون وهو يعلن بهدوء :

– لقد دخلنا الأجواء الإيرانية، ووصلنا إلى وجهتنا

حينها أدركت أن الرحلة لم تنتهي بعد … بل إن فصولها الجديدة على وشك أن تبدأ .

يتبع . . .

 

 

 

قد يعجبك ايضا