الثورة / إبراهيم الوادعي
المشهد مساء السادس عشر من يوليو 2026م، وكان الحرب مع النظام السعودي تعود إلى بداياتها مساء 26 مارس 2015م، مع تبدل الأدوار بين صنعاء والرياض هذه المرة، وبقاء الحق ثابتا إلى جانب صنعاء التي ترضخ تحت حصار سعودي تسبب في المعاناة لشعبها.
في أبريل 2022م وبوساطة عمانية جرى الاتفاق على هدنة وخفض للتصعيد بين صنعاء والنظام السعودي، يمهد لبناء مرحلة من السلام بعد حرب وحصار سعوديين ظالمين امتدا حينها لثماني سنوات ..
قضى اتفاق مسقط حينها بفتح وجهات فورية من مطار صنعاء المغلق بشكل كلي منذ أغسطس 2016م إلى وجهات هي الأردن والقاهرة والهند، لكن الاتفاق وفي جانبه الإنساني تعرض لمماطلة سعودية، ولم ينفذ منه سوى وجهة الأردن والتي أقفلت عقب الاعتداء الصهيوني على مطار صنعاء وتدمير طائرة اليمنية .
محاولات صنعاء استقدام شركات طيران لتشغيل المطار وفق الوجهات المحددة، اصطدم بالموقف السعودي الذي مارس الترهيب ضد الشركات التي تراجعت عن تشغيل رحلات رغم واعدية السوق اليمني وتعطشه لناقل جوي، وفق ما أكدته مرار مصادر في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في صنعاء .
اتفاق الهدنة تعرض للاغتيال، ليس في جانب فتح مطار صنعاء، بل تعداه إلى انتهاك الجزء الاقتصادي من الاتفاق والذي قضى بتوقف أي إجراءات عدائية في المجال الاقتصادي تقوم بها السعودية أو مرتزقتها، وخلال خمس سنوات عملت السعودية وعبر مرتزقتها على زيادة مستوى الحصار الاقتصادي لصنعاء عبر تجفيف وملاحقة المصادر الإرادية لحكومة صنعاء والضغط لنقل البنوك مراكزها الرئيسية من صنعاء إلى عدن، وكادت هذه الخطوة التي نفذت لاحقا أن تشعل حربا في خضم انشغال صنعاء بحرب إسناد غزة ضد العدو الإسرائيلي.
العداء السعودي لصنعاء ارتفعت وتيرته، منذ أن اتخذت الأخيرة موقفا مساندا لطوفان الأقصى، وعلى النقيض من الموقع الذي تموضعت فيه السعودية بالنسبة للقضية الفلسطينية، فعطلت السعودية التوقيع على خارطة مسقط للسلام في اليمن، والتي استكملت المفاوضات بشأنها وعالجت أبرز جوانب الحرب معبدة الطريق نحو سلام حقيقي.
على مدى خمس سنوات وخلال المفاوضات المكوكية بين صنعاء والرياض ومسقط، ذللت صنعاء للرياض كل سبل النزول عن شجرة العدوان بكرامة وبما يحفظ ماء وجه النظام السعودي، و لم تخل خطابات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي من إشارة ودعوة صريحة للنظام السعودي للمضي في طريق السلام وتنفيذ خارطة مسقط المتضمنة رفع الحصار وتسليم المشتقات للشعب اليمني وفي مقدمتها الرواتب، خصوصا وانها قتلت بحثا في جولات التفاوض، ولاحقا التعويضات المستحقة عن العدوان السعودي الآثم .
لم تتوقف السعودية خلال مرحلة خفض التصعيد عن انتهاك بنود الهدنة، بدءا من تعطيل وجهات مطار صنعاء نحو القاهرة والهند، وانتهاء بعرقلة تنفيذ اتفاقات مسقط بشان الرواتب وآليات بيع النفط .
وخلال طوفان الأقصى وبرغم انشغال صنعاء بإسناد غزة، كادت الأمور أن تذهب إلى الحرب، مع مضي السعودية في إجراءات نقل البنوك اليمنية إلى عدن، وزيادة مستويات الحصار الاقتصادي المضروب على صنعاء، تراجعت الرياض مؤقتا قبل أن تعيد الكرة وبالتدريج وتنتهك هذا الجانب وتضغط على البنوك مجددا وتنجح في سحب مراكزها إلى عدن وتحت إدارتها بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ووفقا لمؤشرات إنسانية وبيانات وزارة الصحة في صنعاء، تتفوق قائمة ضحايا الحصار على شهداء العدوان، فيقضي سنويا نحو الآلاف المرضى نتيجة إغلاق مطار صنعاء وتذبذب كميات الأدوية الحيوية، كما فقدت المئات من الأسر اليمنية أحبائها في محاولات تجاوز الحصار عبر الطرق البرية الطويلة سواء بالحوادث في طرق الصحراء، أو بالوقوع في أسر مرتزقة السعودية الذين مثل وجودهم على الطرقات وفي مأرب مأساة لوحدها.
ولأن المجال ليس متاحا هنا لسرد قائمة ضحايا الحصار، تكفي الإشارة إلى أن عشرات الأطفال من المصابين بتشوهات خلقية في القلب يفقدون حياتهم كل عام بسبب الحصار وعدم توفر الكوادر الطبية والمعدات والأدوية لإنقاذ حياتهم .
ويؤكد مختصون في وزارة الصحة أن اليمن يحتاج لأكثر من عشرين عاما للتجاوز آثار الحصار الممتد لنحو جيلين ولدوا وترعرعوا في ظل الحصار وتسبب الحصار في التقزم والتشوهات الخلقية وأمراض ارتبطت أساسا بوجود الحصار.
لاتزال المواجهة بين اليمن والنظام السعودي تحت خطوط منضبطة من كلا الطرفين رغم ما حدث ليل الـ 24 و الـ 25 من يوليو من عدوان سعودي غاشم على الحديدة وصنعاء والجوف، ورد صنعاء باستهداف مصفاة تابعة لأرامكو في جيزان، لم تتغير قواعد المواجهة منذ ضربة مطار أبها، وبالنسبة إلى السفن فاعلان صنعاء واضح وتضطر إلى استخدام النار بالقدر الذي يحقق نتيجة الحصار وفي مواجهة الاختراقات فقط لمحددات الحصار الذي فرضته .
رأينا رئيس وفد التفاوض محمد عبدالسلام في تصريحات يؤكد أن مضيق باب المندب مفتوح للملاحة الدولية باستثناء الملاحة الإسرائيلية والسعودية، وذلك مؤسف أن تجد السعودية نفسها في ضفة مع الصهيوني لكنها الحماقة التي أوصلتها وأوصلت الوضع إلى ما شهدناه ليل الجمعة والسبت الماضيين
صنعاء لا ترغب بالحرب وذلك موقفها ولذلك فهي تستخدم النار بقدر ما يفهم الطرف السعودي ويجبره على الانصياع لمطاليها بعد أن عجزت عن فعل ذلك بالكلمة الحسنة طوال سني الهدنة، ولا يبدو أن المواجهة ستذهب إلى أبعد من ذلك، فالطرف السعودي مردوع وصنعاء من خلال الحصار ستحقق هدفها، عنصر واحد يمكن أن يدفع بالأمور إلى ابعد من المواجهة الأخيرة وهو الأمريكي والإسرائيلي اللذان يزينان للنظام السعودي توسيع المواجهة لمصالحهما ولغير صالحه، ومصالحه.
الرياض ذهبت إلى السلام مع صنعاء بعد ثماني سنوات من العدوان والحصار، ليس رغبة في السلام، بل بعد أن استبد بها اليأس من تحقيق نصر عسكري، وخصوصا ما بعد انقلاب المعادلة الميدانية في فبراير 2020م واستعادة صنعاء جغرافية نهم والجوف والغالبية الكبيرة من محافظة مأرب، قبل أن تلحق الخسارة بالسعودية بتحرير صنعاء المناطق المحتلة من الساحل الغربي، تبقت مدينة مارب والمخا تحت يد عملاء السعودية وجنوب اليمن.
تدخل السعودية إلى المواجهة مع صنعاء وثمة متغيرات جذرية وكبيرة تعيها الرياض جيدا وتخشاها، أولاها أن صنعاء 2026 م والتي واجهت الولايات المتحدة والأوروبيين في البحر الأحمر وتمكنت من هزيمة 3 تحالفات في ظرف عامين وواصلت إسناد غزة رغما عن الولايات المتحدة، هي غير صنعاء التي وضعتها السعودية قسريا تحت الحرب والحصار في 2015م وبعد 6 أشهر فقط من ثورة 21سبتمبر على نظام اللجنة الخاصة العميل للولايات المتحدة والسعودية، والأمر الأخر أن صنعاء لن تكون لوحدها إذا ما تطورت المواجهة، هي اليوم ضمن تحالف عريض يرى واحدية المعارك ووحدة الساحات في مواجهة الولايات المتحدة والأطراف المنضوية ضمن معسكرها.
وثالثها لدى صنعاء تأييد شعبي عارم يفوق عملية إسناد غزة لحسم المواجهة مع السعودية، المشهد الذي عكسه ميدان السبعين بصنعاء عصر الجمعة قبل الماضية ونحو الف ساحة، يفترض بالسعودي قراءتها جيدا بأن صانع القرار في صنعاء لديه أريحية كاملة في الجبهة الداخلية لا تتوفر للسعودي الذي يتململ تجاه قيادته وإصرارها على اشتباك مجددا مع صنعاء والتمسك بالحصار وعدم تسوية الملفات العالقة، خاصة وهو رأى قدراتها العسكرية في إسناد غزة ومواجهة الأمريكان والصهاينة، ناهيك عدم إيمانه بمشروع موقف قيادته خلال طوفان الأقصى وفي الشأن اليمني، وهو يرجوا إلا يتورط نظامه أصلا في المواجهة والا يذهب إلى توسيعها، فتلك ستسجل في صفحة الحماقات التاريخية الكبرى
وفي الضفة السعودية أيضا لا يفترض بقادة النظام السعودي المجادلة في أن تراجع صنعاء عن موقفها خشية الرياض وهي التي واجهت الولايات المتحدة وأجبرتها على التراجع والتخلي عن إسرائيل في معركة البحر الأحمر وانطلاقا من المصداقية التي امتلكها قائدها خلال سني المواجهة معها منذ وعده الأول بهزيمة السعودية وخطاب ال 26 من مارس 2015م، وأيضا وقوع حكومة صنعاء تحت ضغط شعبي يدفعها إلى المضي بالمواجهة نحو نهاياتها وهو فك الحصار وإحضار الرواتب والحقوق ..
والأمر الآخر انهيار التحالف الذي شنت تحت يافطته السعودية الحرب في 2015م، حيث انهار بعد اشهر، وانفضت أخر عرواته في الصراع الذي شهده جنوب اليمن المحتل في 2025م بين السعودية والإمارات، وبالتالي هي تدخل المواجهة الجديدة بعداء صريح مع ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر .
وفي هذه النقطة فشلت السعودية في التخفي وراء مرتزقتها حين قصفت مطار صنعاء في خطوة عدت حماقة كبرى وشاهدا على أنها لاتزال تتمسك بالحصار، وهي اضطرت عقب التصعيد السبت الفائت إلى الاعتراف بمسؤوليتها عن الغارات .
وفي هذه النقطة تظهر السعودية 2026م اضعف من السعودية 2015م وأمريكا أيضا، فقدرتها على الضغط النفطي والارتكاز إلى سطوة الولايات المتحدة تراجعت ما بعد المواجهة الشاملة مع ايران، فاضطرت سريعا إلى الاعتراف بأنها من شنت الغارات على الحديدة وكمران ومناطق أخرى، وحتى لا تصير أضحوكة أمام العالم، وهنا يسجل لصنعاء نجاح أخر في إجبار الثور السعودي الهائج على أن ينخ ويتوقف عن مهزلة كونه وسيطاً في حرب بدأها وفاوض فيها وانقلب على تعهداته لاحقا بقصف مطار صنعاء وإبقائه مغلقا..
في المواجهة الناشبة ثمة أزمة واضحة بالنسبة إلى السعودية وهي نوعية أهدافها في اليمن، لحظة قصف مطار صنعاء كشفت السعودية عن نفسها عدوا مبينا لليمن، ومحاولتها الحفاظ على الحصار أملا في انهيار النظام في صنعاء لا يبدو أن لديه الوقت، بعد أن دخلت المواجهة مسارا عسكريا يلقى دعما شعبيا يمنيا وتململا في الداخل السعودي ..
صنعاء تبدي استعداداً للذهاب في المواجهة إلى أقصى حد بدعم شعبي واسع وواضح قلما تحقق خلال 16 عاما من عمر المواجهة المباشرة مع السعودية، بينما تتردد الأخيرة وترجو أن تتوقف صنعاء وتتمنى أن لو انفلق لها بحر يوصل سفنها ويمد اقتصادها بالمال.
المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة هي الأخرى لم تعد توفر رافعة للأهداف السعودية في اليمن، من الواضح أن المشروع الأمريكي في المنطقة إلى زوال وان الوجود الأمريكي إلى رحيل بعد عقود وما بعد المواجهة الشاملة القائمة حاليا، وكذلك المشروع الصهيوني ما بعد طوفان الأقصى يعيش أخر أيامه، وقادة الكيان يدركون ذلك ويعرفون جيدا أن الإمعان في القتل لا تلغي النهايات الحتمية، بل تسرع بالطرف الآخر إلى الإجهاز على المعتدي توفيراً للدماء واختصاراً للوقت ..
ولا تعرف السعودية مداراً آخر غير الفلك الأمريكي لتلعب فيه وتلك مشكلة آل سعود وزعماء الخليج الاستراتيجية، لذلك قد يغرقون مع المركب الأمريكي لأنهم لم يكونوا يوما أصحاب قرار ولا يفتشوا يوما عن الحرية والاستقلال بعيدا عن عبودية الأمريكي، وهم يخسرون الفرصة الثمينة برفض يد محور المقاومة الذي يمد يديه إليهم لينتشلهم من مستنقع العبودية إلى واحة الاستقلال والحرية، والحقيقة أنهم كانوا دوما حراسا للطاقة لصالح الأمريكي الذي كان يستلك كل دولار إلى خزائنه أولا بأول ..
لا تكهنات متعددة في ضوء المشهدين اليمن والسعودي لمآلات المواجهة سوى انتصار اليمن صاحب الحق في نهاية المطاف، تبقى السيناريوهات ومجال الترقب محصورة في الطرف الوسيط الذي سيدخل في نهاية المطاف أو عندما يقرر النظام السعودي التعقل، ودخول المواجهة القائمة في مراحل تصعيد أكبر لا يلغي بأي شكل النهاية الحتمية للانتصار اليمني، مصداقا لما أكده السيد القائد وسهيد الإسلام والإنسانية سماحة السيد حسن نصر الله في أول خطاباته محذرا النظام السعودي ..
الحماقة السعودية قد تكون مكلفة هذه المرة وقد تأتي على العرش السعودي في ظل المحدقين به والتطورات في المنطقة وجرائم السعودية التي لن توفر بلدا في المنطقة من العراق إلى سوريا إلى بلدان الخليج ذاتها، ناهيك عن تورطها كطرف يتسبب بمأساة الشعب الفلسطيني وإطالة المعركة القائمة مع الأمريكي والصهيوني حيث تمدهما بأسباب البقاء والصمود ماليا وإعلاميا.
