“من أحب الحياة عاش ذليلاً” .. كيف يقرأ اليمنيون اليوم مقولة الإمام زيد في خنادق العزة؟
لقمـان عبدالغني الأحمدي
في فلسفات الثوار، وفي هويات الأحرار التي تُكتب بالدماء لا بالحبر، تبرز بعض المقولات كأنها نجومٌ ثاقبة لا تخبو باختلاف الأزمان، ومن بين تلك الشعل الخالدة تبرز صرخة الإمام زيد بن علي (عليهما السلام) المدوية: “مَنْ أَحَبَّ الحَيَاةَ عَاشَ ذَلِيلاً”. لم تكن هذه الكلمات يوماً مجرد خطبة حماسية تُقال لرفع المعنويات في لحظة اشتباك عابر، بل مثلت قانوناً وجودياً وتأصيلاً عميقاً لفلسفة الكرامة في مواجهة طغيان السلطة المادية. وحين نطق الإمام زيد بهذا المبدأ، كان يواجه إمبراطورية أموية عاتية، تمتلك المال والسلاح والجيوش الجرارة، وتفرض على الأمة خيارين لا ثالث لهما: إما التسليم والخضوع التام بشروط الطاغية، أو الموت والمطاردة.
في تلك اللحظة التاريخية الفاصلة، تدخّل الإمام زيد ليعيد تعريف معنى “الحياة” ذاتها، مدركاً ببصيرته القرآنية أن الحياة التي تُمنح كمنّةٍ من الظالم، والتي تُشترى بالسكوت عن الحق والرضا بالضيم، ليست حياةً حقيقية بل هي موتٌ مؤجل ومغلفٌ بالعار. فالإنسان الذي يضع بقاءه الجسدي فوق كرامته ودينه، سيجد نفسه مضطراً لتقديم التنازل تلو التنازل، حتى يفقد إنسانيته وحريته، ويعيش ذليلاً خانعاً لإرادة سيده. واليوم، وبعد مئات السنين، لا تُقرأ هذه المقولة في اليمن كجزء من التراث التاريخي المحفوظ في بطون الكتب، بل تُستحضر كقراءة حية وميدانية تتجسد في خنادق المواجهة، وتحت وطأة الحصار، وفي وجوه الرجال الذين اختاروا معانقة السماء على أن ينحنوا لعواصف الاستكبار.
وإذا ما تأملنا المشهد اليمني المعاصر، سنجد أنه يمثل التطبيق العملي الأوضح لهذه المقولة الزيدية العظيمة، حيث وُضع اليمنيون أمام المعادلة التاريخية ذاتها: إما الخضوع لهيمنة عالمية وإقليمية تملك أحدث الترسانات العسكرية وتتحكم في شرايين الاقتصاد، في نسخة معاصرة لطغيان هشام بن عبدالملك، وإما المواجهة ودفع الثمن. وفي خضم هذا السياق المظلم، أعاد اليمنيون قراءة مقولة الإمام زيد من خلال تحرير إرادتهم من الخوف، مدركين أن الخوف على الحياة هو السلاح الأمضى في يد العدو. وحين تحرر المقاتل اليمني من حب الحياة المشروطة بالذل، أسقط أقوى أسلحة التحالفات المعادية، لتصبح الطائرات والبوارج عاجزة أمام إنسانٍ لم يعد يرى في الموت نهاية، بل جسراً لانتزاع السيادة.
لم يقف الأمر عند كسر حاجز الخوف، بل امتد لرفض كل أشكال “السلام المغشوش”؛ فالحياة تحت الوصاية وانتظار الفتات من يد المعتدي ليست سوى موت بطيء. ولذا، اختار اليمنيون زمهرير الخنادق وخشونة العيش، موقنين أن كرامة الجوع المؤقت أشرف من شبعٍ دائمٍ في زريبة العبودية. هذا الصمود الأسطوري لم يكن مجرد صلابة بدنية، بل تجلٍ لهوية إيمانية عميقة استلهمت من “حليف القرآن” أن الارتباط بكتاب الله يقتضي الكفر بالطاغوت. إنها الهوية ذاتها التي جعلت الشاب اليمني البسيط يقف حافي القدمين أمام أعتى المدرعات، مردداً بلسان حاله ومقاله: “والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت”.
تكمن عبقرية ثورة الإمام زيد في قدرتها الفذة على التجدد، فاليمني اليوم لا يرى في معركته أي انفصال عن معركة الكُناسة في الكوفة، فالفارق يقتصر على الأسماء والأدوات. وإذا كان طاغوت الأمس يتلبس بلبوس الدين الزائف ليبرر ظلمه، فإن طواغيت اليوم يتلبسون بشعارات “الشرعية الدولية” و”حقوق الإنسان” لتمرير حصار الشعوب وتجويعها. وفي وجه هذا النفاق العالمي، تقف الصرخة الزيدية كفاصلٍ حاسم بين معسكر المساومة والارتهان، ومعسكر البصيرة والجهاد الذي يدرك أن الحرية تُنتزع ولا تُوهب.
إن الإمام زيد لم يكن يدعو أمته إلى كراهية الحياة التي خلقها الله، بل إلى رفض “الحياة الرخيصة”، لصناعة حياة عزيزة وسيدة. وهو ذات المسار الذي يخطه اليمنيون اليوم بدمائهم، إذ لا يقاتلون لأنهم يكرهون الحياة، بل لأنهم يعشقون الحياة الكريمة ويرفضون تدنيس أرضهم. لقد أثبت اليمنيون للعالم أجمع برهاناً ساطعاً على أن الأمة التي تطلّق الخوف وتطأ حب الحياة الذليلة تحت أقدامها، هي وحدها القادرة على صناعة التاريخ وكتابة مستقبلها بأحرف من نور ونار، فسلامٌ على زيدٍ في ثورته، وسلامٌ على يمن الإيمان في صموده، مؤكدين في كل شبرٍ من أرضهم أن الفكرة إذا تعمّدت بالتضحية لا تُقهر.
