بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. هكذا أخبر الصادق المصدوق، وهذا الحديث ليس مجرد خبر عن ماضٍ، بل هو رؤية مستقبلية تتجلى في واقعنا المعاصر، حين تغرب معاني الدين في قلوب أتباعه، وتُقلب المفاهيم، ويُعرف المنكر معروفاً والمعروف منكراً.
لقد بدأ محمدٌ (صلوات الله عليه وعلى آله) مشواره وحيداً من مكة المكرمة، صدع بأمر الله، وقف ضده طغاة العالم آنذاك: يهود ونصارى ومشركو العرب، بل وقومه وقبيلته. شنوا عليه حروباً إعلامية وعسكرية واقتصادية، لكن جهودهم جميعاً فشلت.
ورغم ذلك، انتشر صوت الحق، وعم الإسلام، وسادت راية التوحيد، وسقطت الأصنام الحجرية والبشرية، وذل الطغيان، ونهض المشروع الإلهي منتصراً على أرجاء المعمورة.
وهذا يدلنا على أن الإسلام مشروع خير ورحمة للبشرية، مشروع كتب الله له النجاح والغلبة والظهور والنصر، مهما تعاظمت إمكانيات الأعداء، ومهما كثرت العوائق. قال تعالى: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ” (الصف: 9). إنه مشروع ضروري للبشرية؛ لأنه يحقق السمو والكرامة للإنسان.
تحرك رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) وخاض المعارك دفاعاً عن الحق، ومن أجل المستضعفين والمظلومين، لإزالة الظلم والطغيان. على هذه الأسس قام الدين: بالحق والعدل والتربية والتعليم والإصلاح بهذه الجهود العظيمة قام للإسلام وللمسلمين كيان عزيز وقوي.
لذا فإن الرسالة الإلهية تحقق للإنسان، الحرية والعدالة والكرامة وتصنع الوعي العالي والبصائر النافذة، والحكمة والفهم الصحيح للواقع، وهي تشكل الحماية من التضليل والخداع، كما إنها صلة بين الإنسان وربه تترتب عليها الرعاية الإلهية، ونزول البركات، وتحقيق النصر والتمكين.
لولا الانحراف والتحريف في مسيرة الأمة، والتفريط والتقصير بالمبادئ والأخلاق، لما وصلت الأمة إلى ما هي عليه اليوم من الضعة وهيمنة الأعداء. السبب الجوهري هو الابتعاد عن رسالة الله، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
كيف يمكن للأمة التخلص من هذه الوضعية واصلاحها هي العودة الواعية الصادقة إلى الله، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وبدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً ما هناك من سبيل إلا العودة إلى الإسلام كمنظومة متكاملة وليست العودة إلى الإسلام على النموذج المشوه السعودي الأميركي الإسرائيلي، بل العودة إلى الإسلام المحمدي الأصيل الذي كان في واقع تطبيق محمد وتجربة محمد وحركة محمد “صلوات الله عليه وعلى آله” الإسلام الذي أثمر في الواقع تجربة معطاءة مشروع واقعي في واقع الناس نزل إلى الواقع على يد الرسول محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) غير الواقع وأرقى واقع هو ذلك الواقع الذي صنعه الإسلام وامتدت آثاره إلى أرجى المعمورة بتلك القيم والمبادئ والأخلاق وبفعل حركة النبي محمد (صلوات الله عليه وعلى آله )
ولهذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “بعثت بين جاهليتين، أخراهما شر من أولاهما”. فالإسلام قادر على تقويض الجاهلية الأخرى التي نعيشها اليوم، تلك الجاهلية التي تتجرد من الإنسانية، وتستخدم أفتك الأسلحة لقتل الأطفال والنساء والشيوخ بوحشية، إنها بشاعة مكشوفة لا تخفى على أحد. ما يعملون في واقع الحياة كاف أن يدرك الجميع أنهم باطل الباطل وعلى الجميع العمل والتحرك إلى ما تحتاجه الأمة في مواجهة التحديات.
لمواجهة جاهلية العصر بهمجيتها وطغيانها، لابد من تحرك جماعي نحو التغيير، في إطار صنع الوعي، وتعزيز القيم والأخلاق في النفوس. يتحرك العظماء الذين يدركون خطورة الواقع، بإيمان واعٍ، ومبادئ ثابتة، وعزائم صلبة، كما انمحى بها ظلام الجاهلية الأولى.
والهادئ إلى الطريق الأقوم هو القرآن الكريم، الذي قال الله فيه: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ” (الإسراء: 9). العودة إلى القرآن للاهتداء به، هو الطريقة الصحيحة، لا أن نظل على ما نحن عليه ونظن أنه كل شيء، وكل ما يطلب منا من جهة الله سبحانه وتعالى.
ليس الغريب هو طرح هذه المواضيع، بل الغريب أن تكون غريبة في أنظارنا، وغريبة لدى الكثيرين. وهذا هو الشيء الغريب، وما أكثر الأشياء الغريبة في واقعنا، أصبحنا كما روي عن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله): “كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً”.
وقال الله تعالى: “وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الأعراف: 174). نفصل الآيات لعلهم يرجعون، فيعرفون إلى أين يرجعون، هناك أسس تبقى إنما هم يتمادون لكن الكثيرين يتمادون، وهذا غريب أيضاً: أن يقال لنا “عودوا إلى كتاب الله”، فتجد من يستغرب! إن الله حي قيوم، وكتابه ليس منفصلاً عن قيوميته، ونسأله الهداية، ونرجع إلى طريق الهداية التي رسمها. الإسلام بنهجه النقي الصحيح غير المزيف، ورموزه الحقيقيين غير الوهميين، قادر على تقويض الجاهلية الأخرى، كما قوض الأولى، لأنه من الله، ومعه الله، وهو دين مكتوب له الغلبة والظهور: “وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” (التوبة: 32).
المستقبل للإسلام، والعاقبة للمتقين، والنصر للمستضعفين. “وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ” (المنافقون: 8). “إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ” (غافر: 51).
.
