لا يمكن النظر إلى خطوة كسر الحصار المفروض على الملاحة الجوية اليمنية وتدشين الرحلات المباشرة بين صنعاء وطهران، باعتباره حدثاً عادياً أو عابراً، وإنما هو تطور استراتيجي وسياسي حساس، يحمل في طياته دلالات بالغة الأهمية، أدناها إن فرض هذا الواقع السيادي الجديد في الأجواء اليمنية، دون انتظار إذن مسبق أو اعتبار لردة فعل السعودية أو أمريكا، يمثل تأكيداً علنياً على امتلاك القوة الميدانية القادرة على إنهاء هذه الوضعية المختلة التي أعطت تحالف العدوان حق التحكم بحياة اليمنيين ومستقبلهم.
لا يقتصر هذا التحول على الصعيد المحلي فحسب، بل يمتد ليشكل بداية قوية لإنهاء حصار جائر غير قانوني وغير مبرر مستمر منذ (11) عاما، وتكريس مفهوم السيادة الكاملة على الأجواء والرد بالمثل على أي انتهاك أو تضييق.
في السياق، تأتي هذه الخطوة لتؤكد بشكل ملموس وميداني وحدة ساحات محور الجهاد والمقاومة، وتكشف عن مستوى متقدم جداً من التنسيق العالي والتكامل العسكري بين أطرافه.
يبدو المشهد مرشحاً بقوة لانعطافات جديدة وحادة في مسار فرض معادلات الردع وإنهاء التدخلات في شؤون الآخرين، حيث لم يعد العمل العسكري أو السياسي محصوراً في جغرافيا معينة، بل باتت أي جبهة تقع تحت الحصار أو التهديد تحظى بإسناد مباشر يحرك باقي ساحات المقاومة.
هذا التلاحم يفرض معادلة أمنية واستقراراً بصيغة الحرية، ترتكز بالدرجة الأولى على قاعدة أن «الأمن للجميع أو لا أمن لأحد»، مما يعني ربط استقرار المصالح الاقتصادية وخطوط الملاحة الدولية في المنطقة بالرفع الكامل للحصار وتحقيق السيادة للشعوب المقاومة.
وبالنظر إلى واقع دول المنطقة لعقود مضت، يتضح أن غياب الأمن والاستقرار الحقيقي لم يكن نتاج صدفة، بل هو نتاج مباشر لمؤامرات ومخططات استعمارية ممنهجة تقودها الإدارة الأمريكية. وتتحرك فيها القوى التابعة، وفق استراتيجية تهدف إلى إخضاع شعوب وأنظمة هذه الجغرافيا الحيوية من العالم وسلب إرادتها السياسية، لضمان استمرار هيمنتها المطلقة وتسهيل عمليات السيطرة على الثروات والمقدرات الوطنية للشعوب.
العدوان على الشعب اليمني وفرض الحصار عليه، يأتي في سياق هذا المشروع التدميري للقوى العالمية النافذة، إلا أن المتغيرات في موازين القوى باتت تفرض على العدو التعاطي معها بعقلانية.
في حدث الجمعة، وبالتزامن مع هذه الرحلة الإيمانية الشجاعة، قال اليمن كلمته الحاسمة في الميدان؛ إذ تصدت القوات اليمنية بفاعلية للطائرات الحربية السعودية التي حاولت اعتراض طائرة الركاب ومنعها من الهبوط في مطار صنعاء الدولي.
وجاء الرد اليمني الحاسم ليجبر تلك الطائرات المعادية على التراجع الفوري والخروج من الأجواء السيادية اليمنية، ممكناً طائرة المسافرين من الهبوط بسلام، ليمثل هذا الفعل تجسيداً حياً لانتقال اليمن إلى مرحلة تأمين مجاله الجوي بالقوة العسكرية.
هبطت الطائرة وعلى متنها مئتا راكب، ثم أقلعت مجدداً بحمولة مماثلة، ليشكل الحدث بداية قوية وعملية لإنهاء الحصار غير الإنساني المفروض على الشعب اليمني.
وإلى جانب البعد الإنساني، رسخت هذه الخطوة حقيقة ميدانية وسياسية جديدة، مفادها أن اليمن لن يسمح بعد اليوم، وبأي شكل من الأشكال، باستباحة أجوائه أو اختراق سيادته الوطنية. ما يجعل المنطقة أمام منعطف حساس، قد يقود إلى أحداث عاصفة ومواجهات أشد ضراوة إذا ما تجرأت القيادة السعودية على تجاوز هذه الحقيقة المستجدة أو حاولت اختبار جدية الردع اليمني.
