الأمة بين رفع الكأس ورفع الرأس

د. عبدالصمد علي المتوكل

يعيش العالم اليوم اهتمامات مختلفة، وانفصاماً مشهوداً في تحديد الأولويات. ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار الملايين من البشر نحو ملاعب كرة القدم، وتتسارع نبضات قلوب عشاق الرياضة حماساً وترقباً لـ «رفع الكأس» اللامع، نرى في الجانب الآخر من هذا العالم عشاقاً من طراز رفيع؛ وهم عشاق الحرية والكرامة الذين يخوضون غمار الموت والجهاد في سبيل «رفع رأس الأمة» عالياً في سماء المجد.
إن الفارق بين هذين المشهدين ليس فارقاً في الهوايات أو التسلية، بل هو هوة سحيقة وفارق جوهري في مستويات الوعي وبناء الأهداف الوجودية؛ فبينما يستنزف الرياضيون والمشجعون طاقاتهم ركضاً خلف كأس مصنوعة من الذهب الفاني، تسعى الشعوب الحرة والأبية لانتزاع كأس من نوع آخر؛ كأس العزة والكرامة الإنسانية، وكأس الحرية والسيادة الوطنية التي تُشترى بالدماء الزاكية ولا تخضع لمنطق البيع والشراء في أسواق التنازلات. وكما يترقب الملايين بشغف طفولي نتائج المباريات وصافرة الحكم، يترقب العالم بعين الحذر والوجل نتائج الصراعات والمفاوضات المصيرية والقرارات التاريخية، مفاوضات الحق مع الباطل، والمواجهة السياسية والعسكرية بين قوى الاستكبار العالمي ومحور الجهاد والمقاومة، والتي لا تحدد نتيجة لعبة، بل تحدد مصير ومستقبل وهوية المنطقة بأسرها للأجيال القادمة.
ولكي نضع النقاط على الحروف، نحن هنا لسنا ضد الرياضة كنشاط بدني، ولا نمنع أو نحرّم متابعة كرة القدم كنوع من التسلية والترويح المباح عن النفس، فالإسلام لم يكن يوماً ضد القوة أو الترفيه المنضبط. ولكن اللوم الحقيقي، والصرخة التي يجب أن تُدوى، تقع على ذلك الاهتمام المبالغ فيه، والضخ الإعلامي الممنهج الذي يحوّل التسلية إلى تخدير للعقول، وينسج للناس واقعاً افتراضياً ينسيهم واقعهم المرير ومآسيهم الحقيقية.
إنه لمن المحزن والمبكي معاً، أن تجد شاباً من أبناء هذه الأمة يحفظ عن ظهر قلب أدق التفاصيل الشخصية والمهنية عن حياة لاعب أجنبي، ويعرف خططه وتحركاته، بينما يقف عاجزاً ومجهلاً أمام أسماء قادة أمته الحقيقيين وشهدائها الأبرار، ناهيك عن تفاصيل سيرهم وبطولاتهم وتضحياتهم! أولئك الشهداء الذين لم يركضوا خلف الكرة، بل ركضوا نحو المنايا وتقدموا الخطوط لكي تعيش هذه الأمة بعزة وكرامة، ولكي ننال في نهاية المطاف ذلك الكأس الحقيقي؛ كأس الحرية الكاملة والسيادة المطلقة فوق أرضنا، وداخل مقدساتنا المستباحة.
كيف يستوي في منطق العقل والعدل، من يشغل فكره ووقته وعاطفته بكرة من الجلد تتقاذفها الأقدام يمنة ويسرة، مع من يحمل على عاتقه هموم الرجال الأبطال الذين يرابطون في الثغور، ويدافعون عن أمة مستهدفة في دينها، وعرضها، وثرواتها من قِبل أشرس وأخطر الأعداء في التاريخ الحديث؟
إن الاختيار الصحيح، والاختبار الحقيقي لوعي الشعوب في أوقات الأخطار والحروب والأزمات الوجودية، لا يكون بالهروب نحو شاشات التسلية والترفيه، بل يكون بالوقوف الحازم مع المبادئ والثوابت. ونحن في هذا المنعطف التاريخي نقف بوضوح مع الذين يحملون هموم أمتهم ويسهرون على أمنها، نتحرك بلا تردد في طريق الجهاد والمقاومة كخيار وحيد وأوحد لانتزاع الحرية والسيادة، وننحني إجلالا للشهداء العظام الذين سيبقى التاريخ يسطر أسماءهم بمداد من نور.
> إن هؤلاء الأبطال هم من رفعوا رأس الأمة في ميادين الشرف والبطولة، بينما ستُطوى صفحات الكؤوس، وتجف أضواء الملاعب، وتُنسى أسماء اللاعبين وتصبح ركاماً من الذكريات العابرة مع أول صافرة نهاية لآخر مباراة. أما مجد الأمة وكرامتها، فإنه باقٍ ما بقي فينا عرق ينبض بالحق، ينبض بالحهاد.

قد يعجبك ايضا